Almanara Magazine

التأثيراتُ المسرحيَّةُ على قِصَّةِ يسوعَ والسامريّةِ  في العهدِ الجديدِ

التأثيراتُ المسرحيَّةُ على قِصَّةِ يسوعَ والسامريّةِ  في العهدِ الجديدِ

الأب فادي تابت م.ل.

التأثيراتُ المسرحيَّةُ على قِصَّةِ يسوعَ والسامريّةِ  في العهدِ الجديدِ[1]

وَتَظْهرُ التأثيراتُ المسرحيَّةُ على حواراتِ يسوعَ معَ السامريةِ في (يو 4/ 4 – 26)[2]

يبدأُ الحوارُ بجوٍّ من التوتُّر معَ المرأةِ السامريَّةِ حينَ طلبَ يسوعُ اليهوديُّ الماءَ ليشرَبَ من امرأةٍ سامريَّةِ، والكلُّ يعلَمُ العداوة بينَ اليهودِ والسامريينَ، فالعداوةُ بينَهُم لها جذورٌ تاريخيَّةٌ وثقافيَّةٌ ودينيَّةٌ تعودُ الى عصورٍ قديمةٍ، وتحديدًا الى فترةِ انقسامِ مملكةِ اسرائيلَ الموحّدةِ في القرنِ العاشرِ قبل الميلادِ، وهناك عِدَّةُ عوامِلَ رئيسيةٍ ساهمَتْ في تعميقِ هذا الإنقسامِ وهذه العداوةِ.

بعد وفاةِ الملكِ سليمانَ انقسمتِ المملكةُ الموحَّدةُ الى مملكتينِ، مملكةِ اسرائيلَ في الشمالِ، ومملكةِ يهوذا في الجنوبِ. السامريونَ هُمْ مِنْ سُكانِ منطقةِ السامرةِ التي كانتْ جزءًا من مملكةِ اسرائيلَ الشماليةِ.

في عام 722 قبلَ الميلادِ، غزا الآشوريّونَ مملكةَ اسرائيلَ الشماليةَ ونقلوا العديدَ من سكانِها الى المَنفى. جاءَ مستوطنون من مناطِقَ أُخرى ليَسْكنُوا في السامرةِ وبدأتْ عمليَّةُ تزواجٍ واختلاطٍ بينَ السُّكّانِ الأصليينَ والمهاجرينَ، ما أدّى الى تغييراتٍ دينيّةٍ وثقافيّةٍ.

بدأَ السامريّونَ بتطويرِ نسخَةٍ خاصَّةٍ بِهِمْ من اليهوديَّةِ، ما شَمَلَ الإعترافَ فقطْ بأسفارِ موسى الخمسةِ (التوراة) واعتبارَ جبلِ جِرَازيمُ وليسَ جبلَ أورشليم في القدسِ المكانَ المقدَّسَ للعبادةِ، هذا الإختلافُ الدينيُّ أدّى الى تَفاقُمِ التوتُّراتِ معَ اليهودِ الذين كانوا يعتبرونْ القُدْسَ مركزَ العبادةِ الوحيدَ.

بعدَ عودَةِ اليهودِ من السَّبْيِ الى بابِلَ، وبناءِ الهيكلِ الثاني في القُدْسِ، رفضَ اليهودُ مشاركةَ السامريينَ في إعادةِ بناءِ الهيكلِ ما زادَ من حِدَّةِ العَداءِ بينَهم.

على مرِّ الزمنِ وَقَعَتْ صراعاتٌ مُتكَرِّرَةٌ بينَ المجموعتين، تسبَّبَتْ هذه الصراعاتُ في تراكُمِ مِشاعِرِ الكراهيّةِ والعَداءِ المُتبادَلِ، ما جَعَلَ التعايُشَ بينهُما صعبًا.

 على الرَّغم مِنْ ذلكَ، يستمرُّ يسوعُ في حوارهِ معَ المرأةِ بطرحِ أسئلةٍ صعبَةٍ عليها ما يِجْعَلُها تفكِّرُ في حياتِها، ليصِلَ معها في النهايةِ الى كَشْف ِذاتهِ لها “لو كنتِ تعرفينَ عطيةَ الله، ومنْ هو الذي يقولُ لك أعطيني لأشربَ، لطلبتِ أنتِ منهُ فأعطاكِ ماءَ الحياةِ” (يو 4/ 10).[4]

حَيْثُ اسْتَخْدَمَ يسوعُ رمزَ ماءِ الحياةِ، ليصِفَ عطيَّةَ الروحِ القُدُسِ، فكما أَنَّ الماءَ هو ضرورةٌ لحياةِ الجسدِ، كذلكَ الروحُ القدسُ هو ضرورةٌ لا غنى عنها لحياةِ الروحِ، وكما أَنَّ الماءَ يروي ويُنعِشُ العَطَشَ، كذلك الروحُ القُدُسُ يعطينا القوَّةَ والعزاءَ والفرحَ.[5]تَظْهَرُ العناصِرُ المسرحِيَّةُ في النَّصِّ من خلالِ السياقِ الدراميِّ للشخصيّات ِوالتفاعُلِ بَينَهُما.

يدورُ الحوارُ بينَ يسوعَ والسامريةِ عندَ بئرِ يعقوبَ، وهوَ مكانٌ مليءٌ بالرمزيّةِ التاريخيّةِ، حيثُ يلتقي اليهودُ والسامريّونَ، وفيه نرى أَنَّ هذا المكانَ يعزِّزُ الطاَبعَ الدراميَّ للحوارِ، خاصَّةً معَ التوتُّرِ العرقيِّ والدينيِّ بينَ اليهودِ والسامريينَ.

يدورُ الحِوارُ عندَ الظهيرةِ وهيَ فترةٌ زمنيَّةٌ غيرُ معتادَةٍ لِجَلْبِ الماءِ، كما يشيرُ الى أَنَّ السامريَّةَ كَانَتْ تتجنَّبُ الناسَ لأسبابِ شخصيَّةٍ، وهذا يُضيفُ بُعدًا دراميًّا لحالَتِها وعلاقَتِها بالمجتَمَعِ.

تَتَمَحْوَرُ الشخصيَّاتْ حولَ شَخصيَّتَيْنِ أساسِيَّتَيْنِ هُما يسوعُ والسامريَّةُ.

يِظْهَرُ يسوعُ في هذا الحوارِ كشخصيّةٍ رحيمَةٍ متجاوِزَةٍ للحواجِزِ الثقافِيَّةِ الدينيَّةِ اذْ يقترِبُ مِنَ السامريَّةِ بِشكلٍ غيرِ مُتَوقَّعٍ ويبدأُ الحوارَ معها، حوارًا يعكِسُ فَهْمَهُ العميقَ لحاجَتِها الروحيَّةِ.

تَظْهَرُ المرأةُ السامريَّةُ كشخصيّةٍ تحمِلُ عِبْءَ ماضيها وخطاياها، إلا أنّنا نراها مُتَقبِّلَةً للحوارِ مع يسوعَ إِذْ نرى تفاعُلَها وتَحَوُّلَها التدريجيَّ معه من الشكِّ الى اليقينِ.

يبدأُ يسوعُ الحوارَ معها بطلبٍ بسيطٍ: أَعْطيني لأشربَ” طلبٌ يَكْسِرُ الحواجِزَ التقليديَّةَ ويبدأُ التفاعُلُ متجاوزًا الطلبَ الماديَّ الى النقاشِ الروحيِّ.

كما قُلْنا سابِقًا يَسْتَخْدِمُ يَسوعُ الماءَ كرمز ٍللحياةِ الأبديَّةِ، فالحوارُ هو تصاعديٌّ تدريجيٌّ، من الماءِ العاديِّ للحديثِ عنِ الماءِ الحَيِّ والإحتياجِ الروحيِّ العميقِ.

يَسوعُ يكشِفُ معرفَتَهُ بحياةِ السامريّةِ الشخصيَّةِ “لأنكَ كانَ لكِ خمسةُ أزواجٍ والذي لكِ الآن ليسَ هو زوجَك” (يو 4/ 18)[7] هذا الكَشْفُ يقودُها الى الاعترافِ بيسوعَ كنبيِّ وَمِنْ ثُمَّ كَمسيحٍ.

تتحوَّلُ السامريَّةُ في نهايةِ الحوارِ الى مُبَشِّرَةِ تذهَبُ الى مدينَتِها وتُخْبِرُ الناسَ عن يسوعَ قائلةَ “تعالوا وانظروا رجلاً قال لي كُلَّ ما فعلتُ فهل يكونُ هو المسيحَ” (يو 4/ 29) هذا التحوُّلُ الدراميُّ يعكِسُ قوةَ اللقاءِ وتأثيرَه.

الماءُ الحَيُّ الذي يتحدَّثُ عنهُ يسوعُ، يرمزُ الى الحياةِ الأبديّةِ والروحِ القدسِ، فالحوارُ يكشِفُ عن الإحتياجاتِ الروحيَّةِ العميقَةِ للسامريَّةِ ولِكُلِّ انسانٍ، يدعو الى البَحْثِ عن الإشباعِ الروحيِّ للإنسانِ من خلالِ الإيمانِ بالمسيحِ.

باختصارٍ، إِنَّ النظرةَ المسرحيَّةَ في نصِّ حوارِ يسوعَ معَ السامريَّةِ تُعزِّزُ الفَهْمَ الدراميّ والرمزيَّ لهذا الحدَثِ، فالحوارُ يتجاوَزُ الحدودَ الثقافيَّةَ والدينيَّةَ ويكشِفُ عن احتياجاتِ الإنسانِ الروحيَّةِ ويعكِسُ قُوَّةَ التحوُّلِ والإيمانِ.

انطلاقًا ممّا تَقَدّم سأقومُ بتحليلِ نَصَّيْنِ مِنَ الكتابِ المُقَدَّسِ في عَهْدهِ القديمِ ونَصَّيْنِ في عهدهِ الجديدِ دارسًا العناصِرَ المسرحيَّةَ فيهما.

أَمْثِلَةٌ مَسْرَحِيَّةٌ مِنَ الكتابِ المُقَدّسِ العهدِ القديمِ بِعناصرِها المسرحيَّةِ

إِنَّ تَناولَ القِصَصِ الكِتابيَّةِ مِن مَنظورٍ مَسْرَحِيٍّ يفتَحُ آفاقًا جديدةً لِفَهْم النّصوصِ المُقَدّسَة بِشكلٍ يُعزِّزُ عُمْقَ الرسالةِ الروحيّةِ، ويَزيدُ مِنْ إِدراكِ تأثيرِها الأدبيِّ والغنيِّ على الفِكْرِ الإنسانيِّ، وبينَما يَتَّضِحُ البُعْدُ الدراميُّ في قِصَّتَي أيوبَ في العهدِ القديمِ والمرأةِ السامريّة في العهدِ الجديدِ، يُمْكِنُنا أَنْ نَنْتَقِلَ بِخطواتٍ واثِقَةٍ ودراسةٍ أعمق الى مُعالَجَةِ المزيدِ من الأمثِلَةِ الكتابيةِ التي تُجسِّدُ قِوى السَّرْدِ الدراميِّ وتوظِّفُها لِتَقْديمِ رسائلَ أَخلاقيّةٍ وروحيَّةٍ ساميةٍ.

فَقِصَةُ يوسفَ وإخوتهِ في العهدِ القديمِ على سبيلِ المثالِ، هي لوحَةٌ دراميَّةٌ مُتكاملَةٌ تحمِلُ في طيّاتِها عناصِرَ الصراعِ الإنسانيِّ من الغيرةِ والحَسدِ الى الغُفرانِ والمُصالحة. إنّها رِحْلَةُ تراجيديَّةِ الخيانةِ الأُسَرِيَّةِ، لكنّها تنتهي بانتصارِ الرحمةِ والمَغْفِرَةِ. يتجلّى المَسْرَحُ هُنا في تفاعُلِ الشخصيّات من مَوْقِفِ الإخوةِ حينَما ألقَوا بيوسفَ في الجبالِ، اللحظةُ الحاسِمةُ حينَ يكشِفُ يوسفُ عن هُويَّتهِ في مشهدٍ دراميٍّ مؤثِّرٍ يُجسِّدُ قِمَّةَ التوتُّرِ والتحرُّرِ.

وفي قِصَّةِ داود وغوليات تتفجَّرُ الدراما من خلالِ المواجهةِ البطوليّةِ بين داودَ الشابِّ الصغيرِ وغولياتِ العملاقِ حيثُ نَرى عنصُرَ البطولةِ والتحدّي الذي يحمِلُ دلالاتٍ أَعمقَ تتعلَّقُ بالإيمانِ والثقةِ باللهِ. إِنَّ هذهِ المواجهةَ لا تقتَصِرُ على المعركَةِ الماديَّةِ بل هي انتصارٌ لقوَّةِ الروحِ على قُوَّةِ الجَسَدِ، ما يخلُق صورةً مسرحِيَّةً تتجلّى فيها معاني الشجاعَةِ والتواضُعِ والإيمانِ.

وعِنْدَ الإنتقالِ الى العهدِ الجديدِ، نَجِدُ أَنَّ مَثَلَ الإبنِ الضالِّ يُقدِّمُ لنا درسًا دراميًا فريدًا، بدءًا من رحلةِ الإبنِ في البُعدِ عن ابيهِ وسقوطِه في الضياعِ، وصولاً الى العودةِ التي تُمثِّلُ لحظةً عاطفيّةً محوريّةً تنبضُ بمشاعِرِ العفوِ والتسامُحِ. إنها قِصَّةٌ تراجيديَّةٌ تتحوَّلُ الى فَرَحِ وخلاصٍ في النهايةِ، ما يَجْعَلُها نموذجًا مِثاليًا للدراما الإنسانيّةِ في أبهى صُوَرِها. أما قصّةُ السامريِّ الصالحِ وما تحمله من صراعات إجتماعيّة، فإنّها صراعٌ بينَ التوقُّعاتِ الإجتماعيّةِ والمعاييرِ الروحيَّةِ. في هذهِ القِصَّةِ يَظْهَرُ هذا الصراع عندما يتحدّى السامريُّ الحواجِزَ المجتمعيَّةَ والدينيَّةَ لِيُقدِّمَ رحمةً لأخيهِ الإنسانِ، ما يجعَلُ المسرحَ هنا أداةً لإبرازِ هذا التأثيرِ المسرحيِّ القَصَصِيِّ على الأمثلةِ التي ذكرناها، وغيرها من الأمثلةِ التي تتفاعَلُ فيها الشخصيّاتْ وتتصاعَدُ فيها الأحداثُ وتتشابَكُ فيها المشاعِرُ ما يجعَلُها حاضِرَةً دائمًا في الوجدانِ الإنسانيِّ ومصدرًا غنيًا للإلهامِ الأخلاقيَّ والروحيِّ.


[1]  The Gospel of John: A THROLOGICAL COMMENTARY BY david .F. and RICHARD Bauckham, Westminster JOHN Knox 2021

في هذا التفسير لإنجيل يوحنا يتم تحليل اللقاء بين يسوع والسامرية باعتباره مشهدًا دراميًا مليئًا بالتوتر الديني والإجتماعي حيث يتم تناول الديناميكيات بين اليهود والسامريين

[2] الكتاب المقدس انجيل القديس يوحنا

[3] The Fall of the kingdom of Israel: the Assyrian conquest of the northeren kinkdom by Simcha Sbalom books, tand clark international 2005

هذا الكتاب يتناول بالتفصيل احداث الغزو الأشوري الذي ادى الى سقوط مملكة اسرائيل الشمالية

[4] الكتاب المقدس انجيل القديس يوحنا

[5]  The oxford encyclopedia of biblical interpretation. Edites by S. Scott. Davis and Richard J. Cogan

[6] Jesus and the Samaritan women: A Drama of reconciliation by Raymond E Brown Double day 1975

يقدم هذا العمل تفسيرًا دراميًا لقصة السامريةن ويبحث في ابعاد المصالحة والتغيير الشصي الذي يطرأ على المرأة السامرية بعد لقائها يسوع.

[7] الكتاب المقدس انجيل القديس يوحنا

Scroll to Top