قصة الابن الضال مسرحيّة كاماة العناصر
الأب فادي تابت م.ل.
قِصَّةُ الإبْنِ الضالّ (لوقا 15/ 11- 32)
يُعتَبَرُ مَثَلُ الابنِ الضالِّ في انجيلِ القدّيسِ لوقا، الفصلِ الخامسَ عشرَ، اكثرَ منْ قصَّةٍ دينيَّةٍ، بل هو نَصٌّ دراميٌّ بإمتيازٍ، غَنيٌّ بعناصِرِهِ المسرحيَّةِ التي تجعَلُه مِثالاً ممتازًا للتحليلِ الأدبيِّ والاداءِ المسرحيِّ من خلالِ شخصيّاتِه المُعَبِّرةِ، الحبكةِ المُثيرةِ والصراعاتِ العميقةِ، والنهايةِ السعيدةِ. يُقدِّمُ هذا المثلُ رؤيةً انسانيةً وروحيّةً عميقةً حولَ التوبةِ والمغفرةِ والرحمةِ ما يجعله أدبًا خالدًا في الأدبِ والدينِ.[1]
الغَايةُ من ضَرْبِ يسوعَ مثلَ الإبنِ الضالِّ[2]
ضَرَبَ يسوعُ مثلَ الإبنِ الضالّ لتقديمِ درسٍ شاملٍ عن التوبةِ والمغفرةِ وحبِّ اللهِ غيرِ المشروطِ، تتجاوَزُ القصّةُ كونَها مجرَّدَ حكايةٍ بل تحمِلُ في طيّاتِها دعوةً مفتوحَةً للجميعِ للعودةِ الى اللهِ والاحتفالِ بفرحِ السماءِ عندَ توبةِ الخاطئ، فَمِنْ خلالِ هذا المثلِ يعيدُ يسوعُ تعريفَ المعنى الحقيقيِّ للعلاقةِ الإنسانيةِ، ويُظهِرُ للسّامِعِ والمُشاهِد أنَّ اللهَ مستَعِدٌّ دائمًا لإستقبالِ التائبينَ بأذرعٍ مفتوحَةٍ وقلبٍ رحيمٍ.
يُعتَبَرُ نصُّ الإبنِ الضالِّ من النصوصِ الغنيَّةِ بالعناصِرِ المسرحيَّةِ التي تجعَلهُ قابلاً للتحليلِ والاداءِ على المسرحِ، اذ يتناوَلُ هذا النصُّ قِصَّةً دراميَّةً، مواضيعَ انسانيّةً حسّاسةً كالتوبةِ عندَ الإبنِ الأصغَرِ والمغفرةِ والرحمةِ عندَ الأبِ والحَسَدِ عندَ الأخِ الأكبرِ، كُلُّها مواضيعُ نراها في مجتمعاتِنا كلَّ يومٍ وتستَحِقُّ الوقوفَ عندَها والتفكيرَ حولها.
يستخدِمُ النصُّ شخصيّاتٍ مُعبِّرةً وصراعاتٍ داخليَّةً وخارجيَّةً لتوصيلِ رسالةٍ اخلاقيّةٍ ودينيَّةٍ عميقةٍ.
السّياقُ الدراميُّ للنَّصِّ[3]
بيتُ الأبِ: يُمثِّلُ المكانَ الذي تبدأُ منه القِصَّةُ وتنتهي فيه، يرمزُ البيتُ الى علاقةِ الإنسانِ باللهِ والعودةِ الى حِضْنِ اللهِ بعدَ التوبةِ.
لَمْ يُحَدَّدْ هذا المكانُ جغرافيًا، ولكنه يرمزُ الى الإبتعادِ الروحيِّ والمعنويِّ عن اللهِ. يخسَرُ الابنُ في هذا المكانِ وزناتٍ خمسًا كانت قد أُعطِيَتْ له حينَ كانَ في البيتِ الوالديِّ.
- أَنفق كلَّ شيءٍ، اي خَسِر كُلَّ شيءٍ يملِكُه من جاه وعِزٍّ ومالٍ كان يتنعَّمُ به حينَ كانَ في البيتِ الوالديِّ
- “اصابَتْ ذلكَ البلدَ مجاعّةٌ فأَخَذَ يشكو العوزَ”.
- المرحلةُ التي وصلَ اليها بعدَ أنْ خَسِرَ كُلَّ شيءٍ يملِكُه، فأخذَ يشكو العوزَ.
- “ثم ذهبَ فالتحقَ برجلٍ من اهلِ ذلكَ البلدِ” هو الذي كانَ الأوّلَ في بيتِ والدهِ اصبحَ مُلحقًا في بيتِ رجلٍ غريبٍ.
- “فأرسلَهُ الى حقولِه يرعى الخنازيرَ، والخنزيرُ كان يُعْتَبَرُ في الديانةِ اليهوديَّةِ مُحَرَّمًا، تناوله وفقًا للقوانينِ اليهوديّةِ المعروفةِ باسمِ ” كشروت” (kashrut ).[4]
تستندُ هذه القوانينُ الى التوراةِ وتحديدًا الى سِفْريَ اللاويين والتثنيةِ حيثُ جاءَ في النصوصِ “والخنزيرُ لأنه يشقُّ ظلفا ويقسمه ظلفينِ لكنه لا يجترُّ فهو نَجِسٌ لكم من لحمِه لا تأكلوا وجثّتَه لا تلمسوا إنها نَجِسَةٌ لكم ” (اللاويين 11/ 7- 8)[5] وجاءَ في سِفْرِ التثنيةِ في الموضوعِ عينهِ” والخنزيرُ لأنه يشقُّ ظلفا لكنه لا يجترُّ فهو نَجِسٌ لكم من لحمهِ لا تأكلوا وجثّته لا تلمسوا” (تثنية 14/8)[6].
يُعتَبَرُ الخنزيرُ نَجِسًا لأنه لا يجترُّ رغمَ أنه يملِكُ حوافِرَ مشقوقةً هذا الجَمْعُ بين الصفاتِ الظاهريَّةِ والداخليَّةِ يجعَلُه غيرَ مُطابِقٍ للمعاييرِ الحيوانيّةِ المسموحِ بأكلِها في الشريعةِ اليهوديّةِ.
تُعطي الديانةُ اليهوديّة أهميَّةً كبيرةً للتمييزِ بينَ الطاهرِ والنَجسِ، فالخنزيرُ يُعتَبَرُ رمزًا للنجاسةِ الروحيَّةِ والجسدِيَّةِ.
هناكَ من يعتقدُ أَنَّ التحريمَ قد يكونُ له اسبابٌ صِحيّةٌ حيثُ يُمْكِنُ أَنْ يكونَ لحمُ الخنزيرِ ناقلاً لأمراضٍ معيّنةٍ، حتّى وإِنْ كانَ هذا التفسيرُ أقلَّ قَبولاً للتفسيراتِ الدينيّةِ والرمزيّةِ، تبقى النتيجَةُ واحدةً وهيَ تحريمُ لحْمِ الخنزيرِ واعتبارهُ نَجسًا، فالمقصودُ من هذهِ النقطةِ في النصّ هي التدنّي الذي وصلَ اليه ذاك الشابُّ بعدَ ابتعادِه عن بيتِ ابيه، أي أنّه خَسِرَ كلَّ شيءٍ فأصبحَ يرعى الخنازيرَ لا بَلْ يَأْكلُ من طعامِها وهُنا تأتي النقطةُ الخامِسةُ والأَهَمّ.
“كانَ يشتهي أَنْ يملأَ بطنَه من الخرنوبِ الذي كانَتِ الخنازيرُ تأكُله فَلَمْ يُعطِهِ أحَدٌ” تُعَبِّرُ هذهِ الجملَةُ عن الحالةِ اليائسةِ والمذريةِ التي وصلَ اليها الابنُ الأصغَرُ بعدَ أنْ بدَّدَ ميراثَه في حياةِ الفجورٍ، فالوظيفة الوضيعَةُ التي عَمِل فيها كانَتْ تُعتَبَرُ من أحقَرِ الأعمالِ في الثقافةِ اليهوديَّةِ بسببِ نجاسةِ الخنزيرِ كما ذَكْرنا سابقًا.[8]
رغبتُه في أَكل “الخرنوبِ” طعامِ الخنازِير (قرون الخروب) تعكِسُ مدى جوعِه ويأسِه، حتّى لَمْ يكُنْ يُسْمَحُ له ان يأكُلَ من ذاكَ الطعامِ المُقَدَّم لِلخنازيرِ، فالإبنُ بِتَرْكهِ بيتَه الوالديَّ وتبديدِ أموالهِ، وصلَ الى درجَةٍ من الإنحطاطِ والفَقْرِ المُدْقِع، والإنحطاطِ الروحيِّ للإبنِ الذي ضَلَّ عن طريقِ اللهِ.
أمَّا عودةُ الإبنِ الى بيتِ الآبِ فتَحْمِلُ في طيّاتها معانيَ كثيرةً نَستطيعُ أَنْ نُلَخِّصها بعطايا خمسٍ رَبِحها.
- القُبلَةُ ” وكانَ لَمْ يزل بعيدًا اذ رآهُ أبوه فتحرَّكَتْ أحشاؤه وأسرعَ وألقى بنفسِه على عُنقه وقبَّلَهُ طويلاً” (لو 15/ 20)[10] رؤيةُ ابيه له عَنْ بُعْدٍ تعني انتظارَ الوالِد عودةَ الإبنِ اذ رآهُ من بعيدٍ فأسرع اليه وضمَّهُ إلى قَلبِهِ المطعونِ المجروحِ وقبَّلَهُ، والقبلةُ تعني المغفِرَة والمسامحةَ، وللتأكيدِ على هذهِ المغفرةِ والمسامحةِ ألبَسَهُ الحُلَّةَ.
- الحُلَّة: يأمرُ الأبُ خَدَمَهُ ان يُلبِسوا الإبنَ ” الحُلَّة الاولى” التي نَزعَها عنه فتعرّى من المجدِ الذي كانَ لهُ في بيتِ أبيهِ، فإعادةُ الحلةِ اليه تعبيرٌ عنِ الفرحِ بعودَتهِ سالمًا والقَبولِ والمغفرةِ والإحتفاءِ به وإعادتهِ الى مركزهِ الذي كانَ قد فقدَهُ بِمَعْصِيَةٍ.
- امّا الخاتَمُ فيأمُرُ الأبُ خَدَمَهُ بإحضارِ “الخاتَم” وَوضْعهِ في يدِ الإبنِ العائدِ، هذا الخاتَمُ يرمُزُ الى إعادةِ الإعترافِ بالإبنِ كعضوٍ كاملِ الحقوقِ في العائلةِ، ويُعَبّرُ عن استعادِة الشرفِ والمكانةِ التي كانَ قد فقدها، يُذْكَرُ الخاتَمُ في العهدِ القديمِ في قصَّةِ يوسفَ عندما اعطاهُ فرعونُ خاتَمَهُ كرمزٍ للسلطةِ” وقالَ فرعونُ ليوسُفَ” انْظُرْ إني قد اقمْتُكَ على كُلِّ أرضِ مِصْرَ” ونَزعَ فرعونُ خاتَمَهُ من يدهِ وجعله في يدِ يوسفَ وألبَسَهُ ثيابًا من كتّانٍ ناعِمٍ وَجَعَلَ طوقَ الذهبِ في عُنُقِه” (تك 41/ 41- 42).
- الحذاءُ “ضَعوا حذاءً في رجليه” هذا الحذاءُ يرمز الى استعادةِ كرامةِ الابنِ ومكانتهِ في الاسرةِ، فالأحذيةُ كانت تشيرُ الى الحريّةِ فَوَحْدَهُ الانسانُ الحُرُّ كان يَنتَعِلَ حِذاءً أمّا العبدُ فكانَ يسيرُ حافيَ القدمينِ، فَوَضْعُ الحذاءِ في رجليهِ علامةُ تحرُّرِه من عبوديَّتهِ وإعادتِه الى حِضْنِ الوالدِ حُرًّا والى قلبِ العائلةِ مُكَرّمًا.
- العِجْل المُسَمَّنُ: يأمرُ الأبُ خَدَمَهُ بِذَبْحِ “العجلِ المسمَّنِ” للإحتفالِ بعودةِ ابنهِ الأصغَرِ سالمًا. هذا العِجْلُ يَرمُزُ الى الفَرَحِ العظيمِ والمغفرةِ والإحتفالِ الكبيرِ والتقديرِ لقيمةِ العودةِ والتوبةِ. ولِذَبْح العِجْل المُسَمَّنِ معانٍ ورموزٌ اخرى.
- التضحيةُ والعبادةُ: كانَ العجلُ المسمَّنُ يُقَدَّمُ كذبيحةٍ في الطقوسِ الدينيَّةِ، ما يعكِسُ أهميَّةَ التضحيةِ في العلاقَةِ معَ اللهِ.
- الكَرَمُ والوَفْرةُ: كانَ ذَبْحُ العِجْلِ المُسَمَّنِ يُظْهِرُ كَرَمَ الأبِ واستعدادَه للتضحيةِ بأفضلِ ما لديهِ للإحتفالِ بعودةِ ابنهِ، ويرمزُ هذا الى وَفْرَةِ النّعَمِ والاستقبالِ الحارِّ.
الابنُ الأكْبَرُ (لو 15: 25- 32)[11]
- الولاءُ والخِدْمَةُ: يُظْهِرُ الابْنُ الأَكْبَرُ ولاءً كبيرًا لأبيهِ وَيَبْقى مَعَهُ لِيْعمَلَ بخدمَتِه بجدِّ، يشيرُ هذا الى الإخلاصِ والطاعةِ اللذينِ يتمتَّعُ بهما الابنُ الأكبرُ تجاهَ والدِه.
- الشعورُ بالظلمِ والغَيْرَةِ: يشعرُ الابنُ الأكبَرُ بالظُّلْمِ لأنه لم يَحْصُلْ على أيِّ مكافأةٍ او احتفالٍ رغمَ خدمَتهِ المُسْتَمِرَّةِ لأبيه. يَظْهَرُ هذا الشعورُ في غَضَبِه واستيائهِ وَرَفْضهِ الدخولَ الى البيتِ حيثُ الإحتفالُ، بل اكتفى بالإستفسارِ مِنْ بُعْدٍ عَبْرَ الخادِمِ عَنْ سبَبِ الرقصِ والغناءِ، وعندَما عَلِمَ ما فَعَلَهُ الوالِدُ من أجلِ أخيهِ الذي بَدَّدَ مالَه معَ الغواني، رَفَضَ الدخولَ لا بَلْ رفضَ ان يُسمِّي أخاهُ بأخي فقالَ لوالِده ” واما عادَ ابنُك هذا” معبّرًا عن استيائِه وغَضَبِهِ عندما رأى الإحتفالَ بعودةِ اخيه الذي يَسْتَحِقُّ العِقابَ في نَظرهِ بدلَ العيدِ والفرحِ.
- الدعوةُ الى الفَرح والمُغْفِرَة: يوضِحُ الأبُ للإبنِ الأكبرِ اهميَّةَ الفرحِ والمغفرةِ في الحياةِ، ويؤكّدُ له أَنَّ الفرحَ بعودةِ أخيهِ الضالِّ لا ينتَقِصُ من ولائِه وخدمتهِ، بل يُبْرِزُ رَحْمَةَ ومحبَّةَ الآبِ والأسرةِ واستعدادَها لإستقبالِ التائبين.
العناصِرُ المسرحيّةُ في النصِّ[12]
تَتَّبِعُ الحبكَةُ في قصّةِ الابنِ الضالِّ هيكلاً دراميًا كلاسيكيًا حيثُ تتصاعَدُ الأحداثُ من مقدمةٍ توضِحُ السياقَ، مرورًا بالصراعِ والتوتّرِ، وصولاً الى نقطةِ التحوّلِ والذروةِ، انتهاءً بالخاتمةِ التي تحمِلُ رسالةً قويّةً عن الرحمةِ والتوبةِ والغُفرانِ.
تبدأ القِصَّةُ بتقديمِ الشخصيّاتِ الرئيسيَّة وبِمقدّمةٍ للصراعِ.
الشخصيَّةُ الرئيسيَةُ المِحْوَرِيَّةُ في القصَّةِ تظهَرُ منذُ البدايةِ كرمزٍ للرحمةِ والمحبّةِ.
ثاني شخصيّةٍ رئيسيةٍ في النَّصِّ، يطلبُ نصيَه من الميراثِ على حياةِ ابيهِ وَيُقّرِّرُ مغادرةَ البيتِ والإبتعادَ طلبًا لحريةٍ مرجوّةٍ وحياةٍ جديدةٍ. يقولُ النصُّ: “قال الابْنُ الأصغرُ لأبيه يا ابي أَعْطِني النصيبَ الذي يعودُ عليّ من المالِ” (لو: 15/ 12).
هنا تبدأ التحدياتُ والصراعاتُ التي تواجِهُ الإبنَ الأصغرَ.
الأزمةُ الماليّة والمعيشيّة: لم تكنِ الأزمةُ التي عاشَها الإبنُ الأصغرُ ضميريَّةً لما صَنَعَهُ من الشَّرِّ بحقِّ نفسِه وبحقِّ الوالدِ المُحِبِّ، بل كانَتْ أزمةً ماليَّةً انطلقَتْ من الجوعِ والعَوَزِ اللَّذين أصاباه بعدَ أن بَدّدَ مالَه على الزواني وحياةِ الفِسْقِ والفجورِ، فيَجِدُ نفسَهُ وحيدًا في حالةٍ من الفْقرِ المُدِقعِ” وبعدما انفقَ كل شيءٍ اصابَتْ ذلكَ البلدَ مجاعَةٌ شديدةٌ فأَخذَ يشكو العوَزَ” (لو 15/14).
تَزْدادُ الأحداثُ تعقيدًا وتتَصاعَدُ نحوَ الذُّروةِ.
وَصَلَ الإبنُ الى دَرَجَةٍ مِنَ الفَقْرِ تَجْعَلُه يعمَلُ مَعَ الخنازيرِ وَهْوَ عَمَلٌ يُعْتَبَرُ دنيئًا في الثقافةِ اليهوديّةِ كما ذَكَرْنا “فمضى الى رَجُلٍ من أهلِ ذلكَ البلدِ فارسَلَهُ الى حقولهِ يرعى الخنازيرَ “(لو 15 /15).
يحدُثُ تَحَوُّلٌ جَذْرِيٌّ في القِصَّةِ حيثُ يقرِّرُ الإبْنُ العودةَ الى ابيهِ.
انطلاقًا من جوعهِ وإِذلالِهِ، يدرِكُ الإبنُ خطأَهُ ويُقَرِّرُ العودةَ الى أَبيهِ معترفًا بخطاياه” فَرَجِعَ الى نفسِه وقالَ كَمْ أجيرٍ في بيتِ ابي يفضُل عنه الخبزُ وانا اهلكُ هنا جوعًا اقومُ وامضي الى أبي فأقولُ له يا أبتِ اني خَطِئتُ الى السماءِ واليكَ” ( لو 15/ 17- 18).
يَصِلُ التوتُّر الدراميُّ إلى أعلى مستوى مَعَ مواجهةِ الابنِ والأبِ.
يستقبِلُهُ الأبُ بفرحٍ وَيَغْفِرُ له قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ المغفِرَةَ، وهذا يُمثِّلُ الذروةَ في الدراما المَسرحيّةِ لِلقِصَّةِ” فقام ومضى الى أبيهِ وكانَ لَمْ يَزَلْ بعيدًا إِذْ رآهُ ابوهُ فتحرَّكَتْ احشاؤه وأسْرَع فألقى بِنَفْسهِ على عُنُقِه وقبَّلَهُ طويلاً ” (لو 15م 20).
تَتَضمَّنُ الحَلَّ النهائيَّ وتسويَةً للصراعاتِ.
يأمرُ الأبُ بِذَبْحِ العِجْلِ المُسمَّنِ واقامةِ احتفالٍ كبيرٍ لعودةِ الإبنِ سالمًا، فقالَ الأبُ “أتوا بالعجلِ المسمَّنِ واذبحوهُ فنأكُلَ ونتنعَمَّ لأن ابني هذا كانَ ميتًا فعاشَ وضالاً فَوُجِدَ فأَخذوا يَفْرَحون” (لو 15/ 230 24).
- حوارٌ معَ الابنِ الأَكبر
ينتهي النصُّ بحوارٍ بينَ الأبِ والإبنِ الأكبرِ الذي يَشْعُر بالظلمِ والغَيْرَةِ لِعَدَمِ تكريمِه بالطريقةِ نَفْسِها وشرحَ الأبُ ضرورةَ الفرحِ بعودةِ الإبنِ “الضال” ولكنْ قَدْ وَجُبَ ان نَتَنَعَّمَ ونَفرحَ لأن اخاك هذا كانَ ميتًا فعاشَ وضالّاً فوجِدَ” (لو 15/ 23).
الرؤيةُ المسرحيَّةُ للنصِّ[13]
أمّا بالنسبةِ الى الرؤيةِ المسرحِيَّةِ للنصِّ فيُمكِنُ التركيزُ فيها على جوانِبَ عديدةٍ.
يبرزُ التوتُّر العاطفيُّ بينَ الأبِ والإبنِ الضالّ، والصراعُ الداخليُّ الذي يَشْعُرُ به الابنُ الأكبَرُ عندَ عودتَهِ الى المنزِل، نصٌّ مُشْبَعٌ بالعواطِفِ والمشاعِرِ التي تعكِسُ تجاربَ الحياةِ الإنسانيّةِ من الخطيئَةِ والتوبَةِ والحَسَدِ والَغْيرَة، يكشِفُ تحليلُ العواطفِ والمشاعرِ في النَّصِّ عُمْقَ الحِكْمَةِ والأخلاقيّاتِ التي يَحْمِلُها.
- الإبنُ الضالّ:
- التمرُّدُ والرغبةُ في الحريَّةِ عندَ الإبنِ الأصغرِ: دفع به إلى طلبِ نصيبه من الميراثِ ومغادرةِ المنزِل.
- اللذةُ والاندفاعُ الخاطئُ: حملاهُ الى عيشِ حياةٍ مُتحَرِّرةٍ مليئةٍ بالملذّاتِ واندفاعٍ غَيْرَ مُدرِكٍ للعواقبِ.
- الندمُ والخِزْيُ: بعدَ تبديدِ أموالهِ وإحسِاسِه بالوَحْدَةِ والفَقْرِ والجوعِ، جاءَ الإحساسُ بالندمِ مدركًا خطأة وسوءَ تقديرِه.
- التوبَةُ والرجاءُ: يعودَ الإبنُ الى والدِهِ خاضِعًا طائِعًا متأمِّلاً في رحمةِ ابيه وَمُتَحَمِّلاً عواقِبَ فِعْلَتِه.
- الأب
- الحزنُ والقلقُ: غيابُ الإبنِ خلَقَ حزنًا وقلقًا في قلبِ الوالدِ، لكنّه احتفظَ بالأملِ في عودتهِ.
- الرحمةُ والغفرانُ: تَحَرَّكَ قلبُ الوالدِ بالرحمةِ والغفرانِ عندَ رؤيتهِ ابنَه آتيًا إِليه في حالةٍ مُذْريةٍ، فَلَمْ يَتَردَّدْ في استقبالِه بأذرُعٍ مفتوحَةٍ.
- الفَرحُ الغامِرُ: فَرَحٌ حَمَلَ الوالِدَ للإحتفالِ بِذَبْحِهِ العِجْلَ المسمَّنَ معتبرًا أَنَّ ابنَه كانَ ميْتًا فعاشَ وضالّاً فَوجِدَ.
- الابن الاكبر
- الغَيْرَةُ والإستياءُ: عندما يرى أَنَّ الاحتفالَ أُقيمَ من قِبَلِ الوالِد للإبْنِ الذي ضَلَّ الطريقَ ومشى في الخطأِ بدلاً من أَنْ يكونَ للإبنِ الذي احترَمَ وصيَّةَ الوالدِ فأقامَ نَفْسَهُ قاضيًا وَحَكَمَ على اخيهِ بأنّه لا يستَحِقُّ الترحيبَ من الوالِدِ.
- الاستحقاقُ والعدالَةُ: يَشْعُرُ الابنُ الأَكْبَرُ بأنه مُهْمَلٌ وغيرُ مقدَّرٍ رغمَ وفائهِ الدائمِ وخدمتهِ المُستَمِرَّةِ لوالدِه.
- الشَفَقَةُ والمصالَحَةُ: فَمِنَ المُمْكِن أَنْ يَشْعُرَ الأخُ الأكْبَرُ بالشفقةِ على أبيهِ بعدَ حديث ِالوالدِ مَعَهُ، مدركًا قيمةَ الرحمةِ والغفرانِ.
تأثيرُ العواطِفِ على القِصَّةِ:
- العواطِفُ تُعَزِّزُ الصراعَ الدراميَّ: مشاعِرُ التمرُّدِ والندمِ والتوبةِ والفرحِ والغَيْرَةِ كُلُّها مشاعِرُ تُعزِّزُ الصراعَ الدراميَّ داخلَ القِصَّةِ ما يجعَلُها أكثَر تَأثيرًا وإثارةً.
- العواطِفُ توصِلُ الدروسَ الأخلاقيَّةَ: تُظهِرُ القصَّةُ من خلالِ تصويرِ هذهِ المشاعرِ أهميَّةَ الرحمةِ والغفرانِ والتوبةِ، ما يَجْعَلُها درسًا أخلاقيًا عميقًا.
- العواطِفُ تُعَمِّقُ التعاطُفَ: يمكِنُ للقارئِ أو المشاهدِ ان يتعاطَفَ معَ الشخصيّاتِ ومشاعِرِها، ما يَجْعَلُ القصَّةَ أَكْثَرَ تأثيرًا والهامًا، فالعواطفُ والمشاعِرُ في قصةِ الإبنِ الشاطِرِ هذهِ، تلعَبُ دورًا حيويًا في توصيلِ رسالَتِها الاخلاقيّةِ والروحيَّةِ، إنّها مشاعرُ تجعَلُ من الشخصيّاتِ قريبةً من الواقعِ الإنسانيِّ، وتساعِدُ الجمهورَ على التفاعُلِ معَ القِصَّةِ بعُمقٍ وفَهْمِ معانيها بِصِدْقٍ وامانة.
- الصراعُ الداخليّ[14]
يلعبُ دورًا محوريًا في إبرازِ الجوانبِ الإنسانيّةِ والاخلاقيّةِ للشخصيّاتِ. هذا الصراعُ عندَ الشخصيّاتِ الأساسيّةِ الثلاثِ: الأبِ والإبنِ الأصغرِ والإبنِ الأكبرِ، يجعَلُ من القِصَّةِ ليسَ مُجَرَّدَ حكايةٍ عنِ التوبةِ والغفرانِ وَحَسْب، بَلْ هي دِراسَةٌ نفسيَّةٌ عميقةٌ لَيْسَ للعواطِف والصراعاتِ التي يواجِهُها الأفرادُ في حياتِهم وطريقةِ تصرُّفهِم تجاهَ هذهِ الصراعاتِ، فمنهُم مَنْ يتصرَّفُ تَصَرُّفَ الابِ الرحيمِ، ومنهُم من يتصرَّفُ تَصَرُّفَ الإبنِ الأصغرِ الجاهلِ، ومنهُم من يتصرَّفُ تَصَرُّفَ الابنِ الأكبرِ الحاسدِ، فالقِصُّةُ تجسِّدُ الواقَع، ودروسُها تبني الإنسانيَّةَ وتدعوها الى مستقبلٍ أفضلَ حيْثُ تسودُ المغفرةُ والمحبَّةُ على البُغْضِ والانانيّةِ
الأهميَّةُ الدراميَّةُ للصراعِ الداخليِّ
- تعميقُ الشخصيّاتِ: يُضيفُ الصراعُ الداخليُّ عمقًا للشخصيّاتِ، ما يجعَلُها أكْثَرَ واقِعيَّةً وإنسانيَّةً حيْثُ يظْهَرُ أَنَّ لكلِّ شخصيَّةٍ في المجتمَعِ تعقيداتٍ وصراعاتٍ شخصيَّةً ما يُعزِّزُ قُوَّةَ القِصَّةِ وَتَأْثيرَها.
- تعزيزُ الرسالةِ الأخلاقيّةِ: يَتِمُّ توضيحُ الرسائلِ الأخلاقيّةِ المُهِمَّةِ في القِصَّةِ من خلالِ هذهِ الصراعاتِ كأهميَّةِ التوبةِ والغفرانِ والرحمةِ والتعاطف ِمِعَ الاخرينَ.
- تطويرُ الحَبْكَةِ: تَدْفَعُ الصراعاتُ الداخليَّةُ بالشخصياتِ الى اتخاذِ قراراتٍ حاسمةٍ تؤثِّرُ على مَجْرى الأحداثِ، ما يَجْعَلُ الحَبْكَةَ اكثرَ إثارةً وتشويقًا.
- الإعداداتُ والمشاهِدُ في النَّصِّ[15]
تنقُلُنا هذهِ الإعداداتُ والمشاهِدُ في قِصَّةِ الإبنِ الضّالِ عبرَ رحلةٍ مليئةٍ بالتغييراتِ العاطفيَّةِ والنفسيَّةِ، ما يُعّزِّزُ فهمَنا للرسالةِ الأخلاقيّةِ والروحيّةِ العميقَةِ. هَذهِ العناصِرُ تُساهِمُ في جَعْلِ النَّصِّ أكْثَرَ قُوَّةً وتَأثيرًا وتَسْمَحُ للجمهورِ بالتفاعُلِ معَ الشخصيّاتِ ومعاناتِهم وانتصاراتِهم على مستوى انسانيٍّ عميقٍ، فالنصُّ يحتوي على مجموعَةٍ من الإعداداتِ تنقُلُنا عبرَ رحلةِ الإبْنِ الأصْغَرِ وتوضِحُ لنا التغيّراتِ العاطفيةَ والنفسيّةَ للشخصيَّةِ مِن هذهِ الإعداداتِ.
يُعْتَبَرُ رمزًا للأمانِ والإستقرارِ والمحبّةِ هو المكانُ الذي يبدأُ منهُ الإبنُ رحلتَهُ ويعودُ اليهِ في النهايَةِ. يُمثِّلُ هذا المكانُ حِضْنَ الأُبوَّةِ والرحمةِ والمغفرةِ ويصبِحُ هذا المكانُ عندَ عودةِ الإبنِ مكانًا للإحتفالِ والفرحِ.
هي المكانُ الذي يذهَبُ اليه الإبنُ الأصغَرُ بَعْدَ أَنْ يأخُذَ حِصَّتَهُ من الميراثِ حيْثُ يعيشُ حياةَ التبذبيرِ والفجورِ، يُمَثِّلُ هذا المكانُ عالَمَ الخطيئةِ والإنحرافِ عنِ الطريقِ القديمِ وهو المكانُ الذي يتعلًّمُ فيه الإبنُ درسًا قاسيًا عَنِ النتائجِ المُتَرَتِّبَةِ على قراراتهِ.
هي المكانُ الذي يَعْمَلُ فيهِ الإبنُ الضالُّ كعامِلٍ لتربيةِ الخنازيرِ بعدَ أنْ نَفَذتْ أموالُه وأصبَح جائعًا. تُمثِّلُ هذهِ المزرعَةُ الحضيضَ الذي وصَلَ اليه الإبنُ، وتُجَسِّدَ معاناتَه وشعورَه بالنَّدم، وتُبرِزُ أيضًا الفارِقَ الكبيرَ بينَ حَياتهِ فيها وحياتهِ السابقةِ في بيتِ الوالدِ.
الرمزيَّة ُوالدروسُ من النَّصِّ:[16]
تَزْخَرُ قِصّةُ الابنِ الضالِّ بالرمزيّةِ والدروسِ العميقةِ التي تعكِسُ القيمَ الروحيَّةَ والأخلاقيَّةَ في المسيحيَّةِ. مِنْ خلالِ تحليلِ هذهِ الرموز ِوالدروسِ، يمكِنُنا فهمُ الرسالةِ الجوهريّةِ للقصّةِ وهي انّ الرحمةَ الإلهيَّةَ والتوبةَ الحقيقيةَ هما مفتاحا العودةِ الى اللهِ والعيشِ بسلامٍ داخليٍّ. منْ هذهِ الرمزيّةِ في النصِّ نستخلِصُ:
- رمزيةَ الأب: يمثِّلُ الأبُ في القصةِ اللهَ او الحبَّ الإلهيَّ الذي يرحِّبُ بعودةِ الخطأَةِ التائبين َبغضِّ النظرِ عنْ خَطاياهم. يعكِسُ تصرُّفُ الأبِ تجاهَ ابنهِ الضالِّ فكرةَ الغُفرانِ غيرِ المشروطِ والحُبِّ الذي لا يَنْضَبُ.
- رمزيَّةَ الابنِ الأصغرِ: يمثِّلُ الإبنُ الأصغَرُ في النصِّ صورةَ الانسانِ الخاطئِ الذي يبتعِدُ عن الطريقِ القويمِ لكنّه يعودُ لحدَثٍ ما في حياتهِ نادمًا. ترمزُ الشخصيَّةُ الى كُلِّ فردٍ ابتعدَ عنِ اللهِ بسبَبِ الشهواتِ الجسديّةِ والماديَّةِ وسقَطَ في الخطيئةِ، لكنَّهُ يَجِدُ الطريقَ للعودةِ من خلالِ التوبةِ.
- رمزيَّةَ الابنِ الأكبَرِ: يرمزُ الإبنُ الأكبَرُ الى الشخصِ الذي يشعَرُ بالإستياءِ منْ رحمةِ اللهِ تجاهَ الخطأةِ التائبينَ، ويقارِنُ نفسَه بهم وَيَحْسُدهُم على معاملةِ الربِّ الغافرةِ لهم، متناسيًا كلامَ الربِّ القائلِ ما جئتُ من أجلِ الأبرارِ، فالخطأةُ همُ المحتاجونَ الى طبيبٍ، يمثِّلُ الابنُ الأكبرُ شريحةً من الناسِ يتبعونَ القوانينَ والواجباتِ الدينيةَ بصرامةٍ ولكنّهم يفتقِرونَ الى الرحمةِ والتسامُحِ تجاهَ الآخرينَ.
- رمزيَّةُ الأرضِ البعيدةِ: ترمزُ الأرضُ البعيدَةُ الى الإبتعادِ عنِ اللهِ والضياعِ في ملذّاتِ الدنيا، وتعكِسُ حياةَ الفجورِ والإبتعادِ عن القِيَمِ الروحيّةِ والأخلاقيّةِ.
- الميراثَ: يمثِّلُ الميراثُ الهباتِ والبركاتِ التي يمنَحُها الله للبشَرِ، وَيُظْهِرُ كيفَ يُمْكِنُ للإنسانِ ان يهدِرَ هذهِ الهباتِ في سَعْيهِ وراءَ الشهواتِ والملذّاتِ.
- الخنازيرَ: ترمزُ الخنازيرُ الى النجاسَةِ والإنحطاطِ في الثقافةِ اليهوديَّةِ ويمثِّلُ عملُ الابنِ الضالِّ في رعايةِ الخنازيرِ الأذلالَ الذي يَصِلُ اليه الإنسانُ بابتعادهِ عَنِ الله.
الدروسُ المُستفادَة من النص:[17]
تُعلِّمُنا القِصَّةُ أَن اللهَ إلَهٌ رحيمٌ غفورٌ يغفِرُ للخطأةِ التائبينَ بغضِّ النظرِ عن خطاياهُم، فحبُّه لامحدودٌ، وتُشجِّعُ القِصَّةُ الإنسانَ على التوبَةِ والعودَةِ الى الله بثقةٍ في رحمتهِ.
تُعلِّمُنا القِصَّةُ أنَّ الرحمةَ والحنانَ هما صِفَتان متلازمِتان للّهِ، وَيَجِبُ ان نتحلّى بهما نحنُ ابناءَه، فعندَما نُصَلّي الأبانا نقولُ له ” اِغْفِرْ لنا خطايانا كما نَحْنُ نَغْفِرُ” لذا علينا ان نكونَ على مثالِ ابينا السماويِّ رحيمينَ متسامحينَ معَ الآخرينَ، خاصَّةً معَ مَنْ يسعَوْن للتوبةِ والإصلاحِ.
تُبرِزُ القُصةُ الفرحَ العظيمَ الذي يشعرُ بهِ الله بعودةِ الضالِّ الى طريقهِ القديمِ، وتشجِّعُ الإنسانَ والمجتمعاتِ الدينيَّةَ على الإحتفاءِ بالعودةِ الى الله والإحتفالِ بعودةِ الخاطئِ الى البيتِ الوالديِّ بدلاً من تنصيبِ انفُسِنا قضاةً ديّانينَ مُتجاهلينَ خَطايانا، فكلُّنا خطأةٌ وبحاجَةٍ الى هذهِ التَوبةِ والرجوعِ المتواضعِ الى الحِضْنِ الوالديِّ.
تُعَلِّمُنا القِصَّةُ ان الغيرَةَ والإستياءَ مِنْ رحمةِ الله تجاهَ الآخرينَ غيرُ مُبَرَّرَيْنِ، وتَحثُّنا على تبنّي موقِفٍ منفَتِح وَمُتَفَهِّم للآخرينَ وتقديرِ رحمةِ اللهِ التي تشمَلُ الجميعَ فهو الذي يُشْرِقُ شَمْسَهُ على الأبرارِ والفُجّارِ، وَيَفْرَحُ بعودةِ الخروفِ الضالِّ، هو الراعي الصالحُ، يقولُ النبيُّ أشعيا “لأنه يولَدُ لَنا ولدٌ ونُعطى ابنا وتكونُ الرئاسةُ على كَتِفه ويُدعى اسمُه عجيبًا مُشيرًا إلهًا جبّارًا قديرًا ابًا ابديًا رئيسَ السلام” (أش 9/6)[18] ويقولُ لوقا في حديثهِ عن الخروفِ الضالِّ “واذا وجدَهُ يَضَعُه على كتفيهِ فَرِحًا ويأتي بيتَه ويدعو الأصدقاءَ والجيرانَ قائلاً لهم افرحوا معي لأني وجدْتُ خروفِيَ الضالَّ” (لو 15/ 5- 6)[19] فانْ كانَتْ رئاسةُ الكونِ كلُها يحمِلُها الربُّ على كتِفِه الا أنَّه يحمِلُ الخروفَ الضالَّ الذي وجدَه على كتفيه الإثنتَيْنِ ويعود بهِ فرحًا، لذا علينا نحنُ ايضا ان نفرحَ مثلَ المعلّمِ بعودةِ الخروفِ الضالِّ الى ديارِ الربِّ سالمًا.
يُظهِرُ النَّصُّ أهميّةَ الإعترافِ بالخطأِ بتواضُعٍ وطلبِ الغفرانِ، ويُشجِّعُ الأفرادَ على ان يكونوا صريحينَ مع أنفُسِهم ومعَ الله وان يَسْعوَا بجديَّةٍ للإصلاحِ والتوبةِ.
الصراعُ الدراميُّ في النصِّ:[20]
يَعزّزُ الصراعُ الدراميُّ في قصةِ “الإبن الضالّ” قوةَ القصّةِ وتأثيرَها من خلالِ تصويرِ الصراعاتِ الداخليّةِ والخارجيّةِ التي تواجِهُ الشخصيّاتِ. هيَ صراعاتٌ تساهِمُ في تطويرِ الحَبْكَةِ وايصالِ الرسائلِ الروحيّةِ الأخلاقيّةِ التي تحمِلُها القصَّةُ.
الصراعُ الداخليُّ في القِصَّةِ يتجلّى في:
- الصراعِ بينَ الرغبةِ في الحريَّةِ والمسؤوليةِ والاستقلالِ والتحرّرِ من قيودِ العائلةِ.
- الندمِ والشعورِ بالذنبِ حيالَ ما فعلَهُ صِراعٌ يدفَعُ به إلى التفكير في العودةِ الى والدِه.
- التواضُعُ والأملُ في الرحمةِ: عندَ قرارهِ بالعودةِ، يواجِهُ الابنُ صراعًا بينَ شعورِه بالخزيِ والتواضُعِ وأَمَلِه في أَنْ يحظى برحمةِ وقَبولِ الوالدِ له.
أما الصراعُ الداخلي للوالدِ فيتجلّى في:
- الحزنِ والقلقِ مقابلَ الأَمَلِ: فرغمَ حزنهِ على فِراقِ وَلَدِه، لكنّه كانَ يحتفِظُ بالأمَلِ في عودَتهِ “وكانَ لَمْ يَزَلْ بعيدًا اذ رآه ابوه” (لو 15/ 20). هذا الصراعُ بين الحزنِ والأمَلِ يعكِسُ مشاعِرَ الأبوّةِ العميقةِ.
- الغفرانُ مقابلَ العقابِ: يواجِهُ الابُ صراعًا بين الرغبةِ في معاقبتهِ على اخطائهِ والرغبةِ في مَنحْهِ الغفرانَ والقبولَ.
أمّا الصراعُ الداخليُّ للابنِ الأكبرِ فيتجلّى في:
- الغَيْرَةِ والإستياءِ: صراعٌ بين الولاءِ للعائلةِ والشعورِ بالظلمِ مما يَرى من احتفالاتٍ بعودة اخيه الذي بَدَّدَ مالَ أبيهِ بعيشَةِ الفُجور.
- العدالةِ مقابلَ الرحمةِ: صراعٌ بينَ إحساسهِ بالعدالةِ حيثُ يرى أَنَّ اخاه لا يستحِقُّ الإحتفالَ وبين دَعوةِ أبيه له ليتعَلَّمَ الرحمةَ والغفرانَ.
الصراعُ الخارجيُّ في القِصَّة يتجلّى في:
- الصراعِ بينَ الابنِ الضالِّ والمجتمَعِ
- الرفضُ والقَبولُ: بعدَ أَنْ بدَّدَ كُلَّ اموالهِ وأَصْبَح في حالةٍ مُذريَةٍ، يَجِدُ الابنُ نفسَه مرفوضًا من المجتمَعِ الذي اعتقَدَ أنّه أحبَّهُ لكنَّه فَطِنَ ان المصلحةَ كانَتْ مُسيْطِرَةً على هذا الحبِّ المزيَّفِ. صراعٌ أدّى الى عَكْسِ التحدّياتِ التي يواجِهُها الأشخاصُ الذين يسقطونَ في الخطيئةِ ويحاولون العودةَ الى الطريقِ الصحيحِ.
- الصراعُ بينَ الأبِ والابنِ الأكبرِ
- التفسيرُ والإحتواء: يحاوِلُ الأبُ تفسيرَ موقِفِه من الإحتفالِ بعودةِ الإبنِ الضالِّ للأخِ الأكبَرِ، محاولاً احتواءَ غَضَبِه واستيائِه. هذا الصراعُ الخارجيُّ يعكِسُ ضرورةَ التفاهُمِ والتواصلِ بينَ أفرادِ الاسرةِ الواحدةِ.
- الذروةُ: تَصِلُ القِصَّةُ الى ذُروَتِها دراميًّا عندَ عودةِ الإبنِ الأصغرِ الى البيتِ الوالديِّ ولقائِهِ والدَه لقاءً مليئًا بالعواطفِ والمشاعِر المؤثّرةِ حيثُ تَظْهُر محبَّةُ الوالدِ ومغفرةُ اساءَةِ ابنهِ له وحبُّه غيرُ المشروطِ. وفي الوقتِ نَفِسِه نرى استياءَ الابنِ الأكبرِ من الإحتفالِ بعودةِ أخيه، ما يُضيفُ الى المشهدِ الدراميِّ الذروةَ في الصراعِ ويحمِلُ المُشاهِدَ او القارئَ على طرحِ السؤالِ حول ما الذي يجري؟ وكيفَ سيكونُ الحلُّ؟ وما هي النهايةُ المُنتظرةُ بعدَ بلوغِ العُقدَةِ ذُرْوَتَها؟ هنا يأتي الحَلُّ.
- الحَلُّ: يَبْدأُ حَلُّ العُقَدِ تصاعُديًّا، لِلْعُقَدِ فنرى عقدةَ الإبنِ الأصغرِ قَدْ حُلَّتّ باستقبالِ الوالدِ الحارِّ له حتّى من دون سؤالهِ عمّا فَعَلَهُ بهِ وبنَفْسِه بل دعا الخدمَ لإلباسهِ الحُلَّة وَالخاتمَ والحذاءَ بعدَ أَنْ قَبَّلَهُ قُبلَةَ المغفِرَةِ والمسامحةِ وذبحَ له العِجْلَ المُسَمَّنَ.
ويأتي حَلُّ العقدةِ الثانيةِ معَ الإبنِ الأكبرِ الغاضبِ الرافضِ الدخولَ الى البيتِ والرافضِ حتّى أَنْ يُسمِّيَ اخاه بإِسمِه فقالَ لابيهِ ” عندما عادَ ابنُك هذا، اسقطَ حِقدُه صِفَة الأُخوَّةِ عنْ أخيهِ وَحَمَلَهُ غَضبُه على لومِ والدهِ واتهامِه بعدَمِ العَدْلِ في المُعامَلةِ بينَهُما، فيأتي الحَلُّ برويَّةِ الوالدِ الذي استوعَب غَضَبَ ابنهِ الأكبرِ ولومَه له. حَلٌّ مبني على شَرْحِ الوالِد لوجهَةِ نظرهِ للقِصَّةِ وطمأنَةِ الإبنِ الأكبرِ أَنَّ حِصَّتَه محفوظَةٌ، فقالَ له يا ابني أَنْتَ معي دائمًا ابدًا وجميعُ ما هو لي هو لكَ ” ( لو 15/ 31)[21] لَكِنْ إنْ كُنْتَ قد اخْتَرْتَ أَنْ تكونَ مَعي دائمًا فعليكَ ان تُفَكِّرَ مِثلي وتتصرَّفَ مثلي يحُبٍّ ومغفِرَةٍ من دونِ انفعالٍ، لذا اخبَره عن ضرورةِ الفرحِ وأهميَّتهِ بعودةِ أخيهِ الضالَّ وعدمِ الخوفِ مِنْ أَنْ يأخُذَ مكانَهُ، فمكانُهُ محفوظٌ في قلبِ الوالدِ، لكنْ عليه ان يفرَحَ بعودِة اخيهِ الضالِّ. هذا الفرحُ لا يُقَلِّلُ من قيمتهِ ووفائِه بَلْ يزيدُ من حُبِّ الوالِد له حينَ يكونُ قلبهُ كقلبِ الوالدِ مُسامِحًا غفورًا، فالمريضُ هو من يَحْتاجُ الى الطبيبِ وليسَ العَكْسُ “لأن اخاك هذا كان مَيْتًا فعاشَ وضالاًّ فوجِد” (لو: 15/ 23).
الحواراتُ المسرحيَّةُ في النَّصِّ[22]
يساهِمُ الحوارُ المسرحيُّ في القِصَّةِ بشكلٍ كبيرٍ في ايصالِ العِبَرِ والمفاهيم التي تهدِفُ القِصَّةُ الى نَقْلِها.هي حواراتٌ بسيطَةٌ لكنَّها تَحْمِلُ في طيّاتِها عِبَرًا ومعانيَ للمُشاهِد او القارئِ، فالصمْتُ فيها احيانًا يُعَبِّرُ اكثرَ من الكلمةِ كما فَعَلَ الوالِدُ في حوارهِ الثاني معَ ابنهِ الأصغرِ بَعْدَ عودَتِه الى البيتِ الوالديِّ حيْثُ كانَ صمتُ الوالدِ مصحوبًا بالأفعالِ كما سنَرى.
الحوارُ الأولُ بينَ الإبنِ الأصغرِ وأبيهِ
يبدأُ النصُّ بالراوي يروي القِصَةَ وتدخُلُ الشخصيّاتُ لتكونَ حيّةً فتتحدَّثُ بلسانهِ كَقَوْلِ الإبنِ الأصغرِ لوالدِه
- الابنُ الاصغَر: “يا أبي أَعْطِني النصيبَ الذي يعودُ عليَّ” (لو 15/ 12) ليتابِعَ الراوي روايتَه بما صنَعَهُ الوالِدُ.
- الراوي: فَقَسَم مالَه بينهما، وبعدَ ان عَبَّرَ بلسانِه ما صنَعه الوالِدُ، يتابِعُ قصَّ روايتهِ بطريقةٍ تتصاعَدُ فيها العُقَدُ.
- مونولوج الابن الأصغر: نَنْتَقِلُ بَعْدَهَا إِلَى مُونُولُوجِ الإِبْنِ الأَصْغَرِ بِحَدِيثِهِ مَعَ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ العَوْدَةَ إِلَى أَبِيهِ، فَيَقُولُ الرَّاوِي: “فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ”. هُنَا يَبْدَأُ المُونُولُوجُ فِي حَدِيثِ الإِبْنِ الأَصْغَرِ مَعَ الذَّاتِ، إِذْ يَقُولُ الإِبْنُ الأَصْغَرُ: “كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لِأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُمُ الخُبْزُ، وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا! أَقُومُ وَأَمْضِي إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا، اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ” (لوقا ١٥ / ١٧ – ١٩). إِلَى أَنْ تَصِلَ العُقْدَةُ ذُرْوَتَهَا بِعَوْدَةِ الإِبْنِ الضَّالِّ وَحِوَارِهِ مَعَ أَبِيهِ.
- الحوار الثاني بينَ الإبنِ الاصغرِ والوالدِ
- الابنُ الاصغر: “يا أبي إني خَطِئْتُ الى السماءِ واليكَ ولستُ أهلاً أنْ أُدعى لكَ ابنًا” (لو 15/12) غصّةُ الوالد التي عَبَّرَ عنْها الراوي في الحوارِ الأولِ تحوَّلَتْ في الحوارِ الثاني الى فُرصَةٍ عَبَّر عَنها الوالِدُ نفسُه بعدَ أنْ مَهَّدَ له الراوي.
- الراوي: فقالَ الوالِدُ لِخِدَمِهِ.
- الوالِد: “أَسْرِعوا فأتوا بأفْخَرِ حُلَّة وألبِسوُه واجعلوا في إصبَعهِ خاتَمًا وفي قدميهِ حذاءً وأتوا بالعِجْلِ المسمَّنِ واذبحوه فنأكلَ ونتنَّعم لأن ابني هذا كانَ ميتًا فعاشَ وكان ضالّاً فوجد” (لو 15/ 22- 24).
- الراوي: “فأخذوا يتنعّمون” (لو 15/ 24).
الحوارُ الثّالِثُ بينَ الخادِم والإبنِ الأكبرِ
يتابِعُ الراوي قِصَّتُه بأدقِّ أحداثِها وَيُحضِّرُ لقدومِ الإبنِ الأكبَرِ الآتي من الحَقْلِ.
- الراوي: “سَمِعَ غناءً ورقصًا فدعا أحدَ الخَدَمِ واسْتَخْبَر ما عسى ان يكونَ ذلك فقالَ له” (لو 15/ 25).
- الخادم: “قَدِمَ اخوك فذبَحَ ابوك العِجْلَ المسمَّن لأنّه لَقِيَه سالمًا ” (لو 15/ 26).
ويتابِعُ الراوي قصّتَه وَتَشْتَدُّ الحَبْكَةُ تعقيدًا لِنَصِلَ الى الحَلِّ بحوارِ الوالدِ مَع ابنهِ الأكبرِ.
الحوار الرابع بين الوالد والإبن الأكبر
- الابنُ الأَكْبَرُ
“اني أخدِمْك منذُ سنينَ طوالٍ وما عصيتُ لك أمرًا قطُّ فما اعطيتَني جَدْيًا واحدًا لأتنعَّمَ به مع اصدقائي، ولمّا عاد ابنُك هذا الذي أَكلَ ما لكَ مع البغايا، ذَبَحْتَ له العِجلَ المسمَّن” (لو 15/ 29-30).
فَيَحْضُرُ الراوي لجوابِ الوالدِ ويقولُ:
- الراوي: “فقال له” (المقصودُ هنا جوابُ الوالِد).
- الوالد: “يا بُنّي انتَ معي دائمًا ابدًا وجميعُ ما هو لي فهو لكَ ولكِنْ قد وَجُبَ ان نَتَنَعَّمَ ونفرحَ لأنَّ اخاك هذا كان مَيْتًا فعاشَ وكان ضالّاً فوجِدَ” (لو: 15/ 31- 32).
حِينَ نُسْدِلُ السِّتَارَةَ عَلَى مَسْرَحِ الإِبْنِ الضَّالِّ، نُدْرِكُ أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ أَمَامَ حِكَايَةٍ عَائِلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، بَلْ أَمَامَ دِرَامَا الوُجُودِ بِأَسْرِهِ، مَشْهَدٍ تَتَقَاطَعُ فِيهِ الحُرِّيَّةُ مَعَ الضَّيَاعِ، وَالنَّدَمُ مَعَ الرَّجَاءِ، وَالحَقِيقَةُ الكُبْرَى هِيَ أَنَّ الحُبَّ الأَبَوِيَّ لَا يُقَاسُ بِمَوَازِينِ البَشَرِ، بَلْ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ العَدْلِ لِيَصِلَ إِلَى عِتَابِ الرَّحْمَةِ الخَارِقَةِ.
العُنْصُرُ المَسْرَحِيُّ هُنَا، لَيْسَ مَجَرَّدَ حَبْكَةٍ عَاطِفِيَّةٍ، بَلْ هُوَ التَّحَوُّلُ الدَّاخِلِيُّ الَّذِي يَصْنَعُ المَسْرَحَ الحَقِيقِيَّ دَاخِلَ النَّفْسِ. الجُوعُ، الخَنَازِيرُ، الرَّحِيلُ، العَوْدَةُ، لَيْسَتْ سِوَى مَشَاهِدَ خَارِجِيَّةٍ، أَمَّا الدِّرَامَا الكُبْرَى، فَتَكُونُ فِي لَحْظَةِ “رُجُوعِ الإِنسَانِ إِلَى نَفْسِهِ”، تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ فِيهَا خَشَبَةُ العَالَمِ، وَيُصْبِحُ القَلْبُ هُوَ الخَشَبَةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تَتَصَارَعُ عَلَيْهَا الأَصْوَاتُ: صَوْتُ الكِبْرِيَاءِ، صَوْتُ الخَجَلِ، صَوْتُ الخَوْفِ، صَوْتُ الرُّجُوعِ.
وَفِي النَّصِّ عُنْصُرٌ مَسْرَحِيٌّ، نَادِرًا مَا يُلْفَتُ إِلَيْهِ: “دَوْرُ الصَّمْتِ فِي قَلْبِ الأَبِ”، فَالأَبُ لَا يَجْرِي وَرَاءَ الإِبْنِ عِنْدَمَا يَرْحَلُ، وَلَا يَبْعَثُ إِلَيْهِ بِرَسَائِلَ اسْتِدْعَاءٍ وَطَلَبٍ لِلْعَوْدَةِ، بَلْ يَتْرُكُ الحُرِّيَّةَ تَأْخُذُ مَجْرَاهَا، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الحُرِّيَّةَ الَّتِي لَا تَمُرُّ بِجُوعِ التَّجْرِبَةِ، لَا تَبْلُغُ مَائِدَةَ النِّعْمَةِ.
ثَمَّةَ بُعْدٌ آخَرُ لَمْ يُطْرَحْ كَثِيرًا: أَنَّ الإِبْنَ الأَكْبَرَ فِي النَّصِّ لَيْسَ مَجَرَّدَ شَخْصِيَّةٍ ثَانَوِيَّةٍ، بَلْ هُوَ أَيْضًا خَشَبَةُ مَسْرَحٍ تُطْرَحُ عَلَيْهَا أَسْئِلَةُ العَدَالَةِ وَالمُقَارَنَةِ وَالحَسَدِ وَالغَضَبِ. فَالمَسْرَحُ هُنَا لَيْسَ بَيْنَ الإِبْنِ وَأَبِيهِ فَقَطْ، بَلْ بَيْنَ الأَخِ وَأَخِيهِ أَيْضًا، حَيْثُ يُولَدُ سُؤَالٌ دَائِمٌ: هَلْ تَسْتَطِيعُ المَحَبَّةُ أَنْ تَحْتَمِلَ تَذَمُّرَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنْفُسَهُمْ أَبْرَارًا؟
إِنَّ نَصَّ الإِبْنِ الضَّالِّ فِي عُمْقِهِ المَسْرَحِيِّ، لَيْسَ قِصَّةَ مَاضٍ، بَلْ نِدَاءُ حَاضِرٍ، كُلُّ خُرُوجٍ مِنَ الذَّاتِ هُوَ ضَيَاعٌ، وَكُلُّ عَوْدَةٍ هِيَ قِيَامَةٌ. وَكَأَنَّ المَسْرَحِيَّةَ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ الوَلِيمَةِ، بَلْ تَبْدَأُ مِنْهَا.
فَالإِنْسَانُ مَدْعُوٌّ أَنْ يَحْيَا عَلَى مَسْرَحِ الزَّمَنِ بَيْنَ يَقَظَةِ النَّدَمِ وَجُرْأَةِ العَوْدَةِ، وَأَنْ يَفْهَمَ أَنَّ الحُبَّ الأَبَوِيَّ لَا يَتْعَبُ مِنَ الانْتِظَارِ، وَلَا يَشِيخُ، وَلَا يُغْلِقُ الأَبْوَابَ، فَالحُبُّ الإِلَهِيُّ هُوَ خَشَبَةٌ مَفْتُوحَةٌ لَا يُسَدَّلُ عَلَيْهَا السِّتَارُ.
بَعْدَ أَنْ سِرْنَا بَيْنَ مَشَاهِدِ الإِبْنِ الضَّالِّ، حَيْثُ الضَّيَاعُ يُوَلِّدُ العَوْدَةَ، وَحَيْثُ القَلْبُ هُوَ المَسْرَحُ الَّذِي تَتَلَاقَى فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالنَّدَمُ، نَنْتَقِلُ إِلَى مَشْهَدٍ آخَرَ مِنْ مَشَاهِدِ الإِنْجِيلِ، إِلَى “نَصِّ السَّامِرِيِّ الصَّالِحِ”، حَيْثُ الدِّرَامَا لَا تَقُومُ فِيهِ عَلَى صِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ بَيْنَ الذَّاتِ وَذَاتِهَا، بَلْ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَأَخِيهِ الإِنْسَانِ.
هَا نَحْنُ أَمَامَ مَسْرَحٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: مَسْرَحِ الطَّرِيقِ المَفْتُوحِ، لَا بَيْتٍ، وَلَا عَائِلَةٍ، بَلْ أَرْضٌ قَاحِلَةٌ يَقِفُ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ عَارِيًا مِنْ كُلِّ حِمَايَةٍ. الطَّرِيقُ بَيْنَ أُورُشَلِيمَ وَأَرِيحَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ جُغْرَافِيَا، هُوَ فَضَاءُ المُوَاجَهَةِ بَيْنَ القَسْوَةِ وَالرَّحْمَةِ، بَيْنَ اللَّامُبَالَاةِ وَالحُضُورِ، بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالذَّبِيحَةِ.
العُنصُرُ المَسْرَحِيُّ العَمِيقُ فِي هٰذَا النَّصِّ، لَيْسَ مُجَرَّدَ سُقُوطِ إِنْسَانٍ بَيْنَ أَيْدِي اللُّصُوصِ، بَلْ سُقُوطَ الضَّمِيرِ. الكَاهِنُ وَاللَّاوِيُّ يَمُرَّانِ كَمَنْ يَمُرُّ أَمَامَ مَسْرَحٍ مُغْلَقٍ، يَرَيَانِ الجُرْحَ وَلَا يَدْخُلَانِ المَشْهَدَ، أَمَّا السَّامِرِيُّ الغَرِيبُ المَرْفُوضُ، فَهُوَ الَّذِي يَقْتَحِمُ المَسْرَحَ، لَيْسَ بِصِفَةِ بَطَلٍ، بَلْ بِصِفَةِ “الحَاضِرِ”، وَالحُضُورُ هُوَ أَعْظَمُ فِعْلٍ مَسْرَحِيٍّ فِي النُّصُوصِ الإِلٰهِيَّةِ.
تَمَّةَ عُنْصُرٌ غَيْرُ مَطْرُوحٍ غَالِبًا: المَسْرَحِيَّةُ هُنَا مُزْدَوِجَةٌ، فَهُنَاكَ مَسْرَحٌ خَارِجِيٌّ، جَرِيحٌ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُنَاكَ مَشْهَدٌ دَاخِلِيٌّ، نَفْسُ القَارِئِ نَفْسُهُ المَعْنِيَّةُ إِلَى أَنْ تُحَدِّدَ مَوْقِعَهَا: هَلْ هِيَ عَابِرَةُ طَرِيقٍ، أَمْ مُدَاوِيَةُ جِرَاحٍ؟ هَلْ هِيَ مُتَفَرِّجَةٌ، أَمْ فَاعِلَةٌ؟
وَالبُعْدُ اللَّاهُوتِيُّ العَمِيقُ، هُوَ أَنَّ السَّامِرِيَّ لَا يُمَثِّلُ فَقَطْ إِنْسَانًا طَيِّبًا، بَلْ صُورَةَ المَسِيحِ نَفْسِهِ، الغَرِيبِ الَّذِي جَاءَ إِلَى أَرْضٍ لَا تَخُصُّهُ، فَضَمَّدَ الجِرَاحَ، دَفَعَ الثَّمَنَ، وَغَابَ وَاعِدًا بِالعَوْدَةِ. لِذٰلِكَ، وَنَحْنُ نَسْتَعِدُّ لِدِرَاسَةِ العَنَاصِرِ المَسْرَحِيَّةِ فِي هٰذَا النَّصِّ، لَا نَقِفُ أَمَامَ رِوَايَةٍ وَعْظِيَّةٍ، بَلْ أَمَامَ دَعْوَةٍ مَعَ جَرِيحٍ يَسْأَلُ: “مَنْ هُوَ قَرِيبِي؟” عَلَى هٰذِهِ الأَرْضِ؟ وَبَيْنَ هٰذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ الثَّلَاثَةِ: الكَاهِنِ، وَاللَّاوِيِّ، وَالسَّامِرِيِّ، يُرْسَمُ المَشْهَدُ الكَبِيرُ: زَيْتًا، وَخَمْرًا، وَجُرْأَةَ مَحَبَّةٍ تُدَاوِي وَلَا تَسْأَلُ.
إِنَّهَا خَشَبَةٌ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَهُوَ وَحْدَهُ يُقَرِّرُ: أَنْ يَمُرَّ، أَمْ أَنْ يَتَوَقَّفَ، وَيَصْنَعَ مِنْ يَدَيْهِ مَشْهَدَ الرَّحْمَةِ المُتَجَسِّدَةِ.
تُعَلِّمُنَا قِصَّةُ الإِبْنِ الضَّالِّ أَنَّ التَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ قَادِرَةٌ عَلَى إِعَادَةِ الإِنْسَانِ إِلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ، مَهْمَا بَلَغَتْ خَطَايَاهُ. إِنَّهَا تَذْكِيرٌ بِرَحْمَةِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ الَّلَامَحْدُودَةِ، وَأَنَّ الحُبَّ الأَبَوِيَّ، سَوَاءٌ أَكَانَ دُنْيَوِيًّا أَمْ إِلٰهِيًّا، يَتَجَاوَزُ كُلَّ الخَطَايَا، وَيُرَحِّبُ بِالضَّالِّينَ العَائِدِينَ إِلَيْهِ بِقَلْبٍ مَفْتُوحٍ، وَأَذْرُعٍ مَمْدُودَةٍ. قِصَّةٌ تُعَلِّمُنَا أَنْ نَرْحَمَ الآخَرِينَ كَمَا نَرْغَبُ فِي أَنْ نُرْحَمَ، وَأَنْ نَسْعَى دَائِمًا لِلْعَوْدَةِ إِلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ مَهْمَا ضَلَلْنَا السَّبِيلَ.
[1] “The forty parables of Jesus” by Gerald lohfin; liturgical prers 2021
[2] Storie with intent a comprehensive guide to the parables of jesus” by klyne R. SNODGRARS SECOND EDITION PUBLISHED BY Wim. B. Eermans publishing co – 2018
[3] The return of the prodigal son. A story of homecoming, By Henri J.M Nouwen Image Book 1992
يعتبر هذا الكتاب من الدراسات الأدبية والروحية التي تستند الى قصة الإبن الضال يناقش Nouwen السياق الدرامي للقُصة ويربط بين الفنون والروحانية من خلال استكشاف العلاقة بين الأب والإبن والعناصر الدرامية التي تظهر في النص
[4] How to keep kosher” a comprensive Guide to understanding jewish dietary laws by lise sterm first edition harper Collins
[5] الكتاب المقدس سفر اللاويين
[6] الكتاب المقدس سفر تثنية الإشتراع
[7] The jewish dietary laws in the ancient world” by Jordan D Rosenblum published by Cambridge university press 2012
[8] The parables of jesus” by Joaclin jeremias published by Charles scribne”s sons 1963.
[9] “رموز الغفران في مثل الابن الضال”، الاب متى المسكين، دار القديس انبامقار ت1985
يقدم الأب متى المسكين تفسيرًا لرموز الإبن الضال ويشرح كيفية ارتباطها بالغفران الإلهي القبلة الخاتم التوب الحذاء وذبح العجل المسحن تمثل عناصر ترمز لعودة الإنسان الى حضن الله بعد التوبة وكل منها يحمل دلالة روحانية خاصة.
[10] الكتاب المقدس انجيل القديس لوقا
[11] “La parabole du fils prodigue “: une approche narrative, Pierre prigent, Labor et fides 2003
يعالج Prigent في هذا الكتاب القصة من منظور السرد الدرامي مع التركيز على شخصية الابن الأكبر يقدّم تحليلاً لشعور الابن الاكبر بالمرارة والغيرة وكيف يتجلى عدم قبوله للرحة الممفوهة لأخيه من ابيه يُظهر الكتاب كيف ان الإبن الأكبر يمثل شخصية نموذجية للأشخاص الذين يلتزمون بالقانون ولكن يفتقرون الى الفهم العميق للرحمة الإلهية.
[12] The drama of the lost son: the parable as theatre, Bruce longencker, Westminster john knox press 2004
يناقش الكاتب كيف يمكن اعتبار رقصة الإبن الضال عملاً مسرحيًا متكاملاً يدرس الكتاب تطوّر الشخصيات والنزاعات الداخلية والحبكة والحل وكيف يتم تقديمها باسلوب يشبه المسرح الدرامي الكلاسيكي.
La parabole du fils prodigue: une lecture narrative et dramatique, Jean yves Leloup, Albin Michel 2002
يتناولLeloup قصة الإبن الضال من منظور مسرحي ويحلل العلاقات بين الشخصيات يتحدث عن البناء الدرامي للقصة ودور كل شخصية في تقديم الصراع الذي يمرّ به النص وكيف ان التصاعد الدرامي يصل الى ذروته في لحظة العودة والمصالحة.
[13] The parables of jesus: A commentary by: Arland J Hultgren, Eerdmans publishing 2000
يقدم Hultegren تفسيرًا شاملاً لأمثال يسوع في كتابه مع تحليل واضح للعناصر الدرامية في قصة الإبن الضال يناقش الكتاب كيف انَّ التفاعلات بين الشخصيات والقرارات التي يتخذونها تنسج رؤية مسرحيَّة للنص حيث يصور الإبن الضال والأب والإبن الأكبر كشخصيات رئيسية في دراما التوبة والرحمة.
[14] Il drama del figlio prodigo: studio sulle techniche narrative e drammatiche Giuseppe barbaglio, Edizioni Dehoniane Bologna (E.DB) 1988
يناقش الكاتب الصراع الداخلي في النص من منظور تقنيات السرد يركز على التحولات النفسية التي يمرُّ بها كلٌّ من الإبن الأصغر والأب والإبن الأكبر ويحلل كيف انَّ هذه الصراعات الداخلية تعبر عن القيم الإجتماعية والدينية التي تتعرَّض للتحدِّي في النَّص.
[15] The prodigal son: A commentary on luke 15: 11- 32, By Kenneth E. Bailey inter varsity press 1992
يقدم هذا الكتاب تحليلاً نقديًا وادبيًا مفصَّلاً لقصة الإبن الضال ويتطرق الى جوانب المشهدية في هذا النص.
[16] الأمثال الإنجيلية: دراسة تفسيرية للكاتب عبدالله يوسف دار النشر المسيحي 2005 يحتوي هذا الكتاب على تحليلات لأمثال يسوع بما فيها الابن الضال مع التركيز على الرمزية في النص
دراسات في الكتاب المقدس “تفسير الامثال” القس مرقس فكري كنيسة مار مرقس القبطية 1998 يقدم تفسيرًا رمزيًا للأمثلة الانجيلية بما فيها مثل الإبن الضال.
[17] “العائد الى الله” تأملات في قصة الإبن الضال الاب متى المسكين دير القديس انطونيوس 1997
يحتوي هذا الكتاب على تأملات في قصة الإبن الضال ويبرز الدروس المستفادة منها فيما يتعلق بالتوبة والغفران
“The prodigal god: Recovering the heart of the Christian Faith”, By timothy keller, Dutton 2010
يقدم الكتاب تفسيرًا ودروسًا عميقة عن امثال يسوع بما في ذلك الإبن الضال ويركز على الدروس المستفادة اخلاقيًا ولاهوتيًا.
[18] الكتاب المقدس سفر النبي اشعيا
[19] الكتاب المقدس انجيل القديس لوقا
[20] الامثال في الكتاب المقدس: دراسات
درامية الاب ميشال الطرس دار المشرق 2008 يناقش الكتاب الصراع الدرامي في امثال الكتاب المقدس بما في ذلك قصة الإبن الضال مع تحليل للعلاقات المتوترة بين الأب وابنه وللأخ الأكبر
الدراما في الكتاب المقدس: دراسة نقدية عبد المسيح بسيط دار الثقافة المسيحية 2003 يناقش الكتاب العناصر الدرامية والصراع في الأمثال الانجيلية مع تحليل مفصل لمثل الابن الضال
[21] الكتاب المقدس انجيل القديس لوقا
[22] عبد المسيح بسيط دار النشر المسيحي 2004 يتناول الكتاب كيفية استخدام الحوار في النص لخلق توتر درامي مع تحليل خاص للحوار المسرحي بين الشخصيات في المثل “العناصر الدرامية في الكتاب المقدس”