دِرَامَا ٱلْمُلْكِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَٱلْمَسِيحِ
الأب فادي تابت م.ل.
تَمْهِيد
فِي تَارِيخِ ٱلْخَلَاصِ، تَبْدُو ٱلْمَمْلَكَةُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ نِظَامٍ سِيَاسِيٍّ؛ إِنَّهَا مَسْرَحٌ تُعْرَضُ عَلَيْهِ رِهَانَاتُ ٱلْقَلْبِ ٱلْبَشَرِيِّ حِينَ يَطْلُبُ ٱللهَ، وَحِينَ يَطْلُبُ ذَاتَهُ، وَحِينَ يَتِيهُ بَيْنَهُمَا. وَلَعَلَّ أَعْمَقَ مَشَاهِدِ هٰذِهِ ٱلدِّرَامَا تَتَجَسَّدُ فِي مَسِيرَتَيْنِ مَلَكِيَّتَيْنِ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا قُرُونٌ، لٰكِنْ يَجْمَعُهُمَا سُؤَالٌ وَاحِدٌ: أَيُّ مَلِكٍ يَنْتَظِرُهُ ٱلْإِنْسَانُ؟ وَأَيُّ عَرْشٍ يَلِيقُ بِٱللهِ؟
سُلَيْمَانُ، ٱبْنُ دَاوُدَ، يَدْخُلُ أُورُشَلِيمَ عَلَى بَغْلِ أَبِيهِ؛ يَحْمِلُ مَعَهُ ظِلَّ ٱلْمُلْكِ ٱلْأَرْضِيِّ بِكُلِّ مَجْدِهِ، بِثِقْلِهِ وَهَيْبَتِهِ، وَبِٱلشَّرْعِيَّةِ ٱلَّتِي تُنْقَلُ مَعَ ٱلسَّرْجِ، وَمَعَ ٱلذَّاكِرَةِ، وَمَعَ ٱلدَّمِ ٱلْجَارِي فِي ٱلنَّسَبِ. دُخُولُهُ يُكَرِّسُ ٱنْتِقَالَ ٱلسُّلْطَةِ مِنَ ٱلْأَبِ إِلَى ٱلِٱبْنِ، مِنْ جِيلٍ إِلَى آخَرَ، فِي بِنْيَةِ مُلْكٍ وُلِدَ مِنَ ٱلْأَرْضِ وَيَطْلُبُ دَوَامَهَا. ٱلْبَغْلُ هُنَا لَيْسَ تَفْصِيلًا عَابِرًا، بَلْ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ ٱلْمُلْكَ يُبْنَى مِنَ ٱلدَّاخِلِ إِلَى ٱلدَّاخِلِ، وَأَنَّ ٱلْمَدِينَةَ تَسْتَقْبِلُ ٱبْنَ دَاوُدَ بِحَسَبِ مَقَايِيسِ ٱلْعَرْشِ ٱلَّذِي تَعْرِفُهُ وَتُتْقِنُهُ.
أَمَّا يَسُوعُ، ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ وَٱبْنُ دَاوُدَ مَعًا، فَيَشُقُّ طَرِيقَهُ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ عَلَى جَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ؛ حَيَوَانٍ وَدِيعٍ لَمْ يَحْمِلْ بَعْدُ وَزْنَ مَلِكٍ وَلَا مَجْدَ عَرْشٍ. إِنَّهُ دُخُولٌ يَكْسِرُ ٱلشَّكْلَ لَا لِيُلْغِيَ ٱلرَّمْزَ، بَلْ لِيُعِيدَ تَشْكِيلَهُ فَٱلْمُلْكُ هُنَا لَا يُنْقَلُ بِٱلْوِرَاثَةِ، بَلْ يُمْنَحُ بِٱلنِّعْمَةِ؛ لَا يَأْتِي عَلَى سُرُوجِ ٱلْقُوَّةِ، بَلْ عَلَى خِفَّةِ ٱلْوَدَاعَةِ؛ لَا يُرَسِّخُ كُرْسِيًّا فِي ٱلْقُصُورِ، بَلْ يَفْتَحُ أَبْوَابًا لِمَلَكُوتٍ آخَرَ يَسْكُنُ ٱلْقَلْبَ لَا ٱلتُّرَابَ. هٰذَا ٱلْجَحْشُ، فِي بَسَاطَتِهِ، يُفَكِّكُ ٱللُّغَةَ ٱلْقَدِيمَةَ لِلْمُلْكِ وَيُعِيدُ كِتَابَتَهَا بِمِدَادٍ مِنْ تَوَاضُعٍ، لِيُعْلِنَ أَنَّ ٱلْمَلَكُوتَ لَنْ يُحْكَمَ بِٱلْقُوَّةِ بَلْ بِٱلْمَحَبَّةِ، وَلَا بِٱلسَّيْفِ بَلْ بِٱلسَّلَامِ.
وَبَيْنَ بَغْلِ دَاوُدَ وَجَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ تَتَكَثَّفُ ٱلدِّرَامَا: سُلَيْمَانُ فِي صُعُودِهِ إِلَى ٱلْعَرْشِ ٱلْأَرْضِيِّ، وَٱلْمَسِيحُ فِي صُعُودِهِ إِلَى خَشَبَةِ ٱلْفِدَاءِ؛ سُلَيْمَانُ يَعْبُرُ بَوَّابَاتِ ٱلْمَدِينَةِ لِيُكَرَّسَ مَلِكًا، وَيَسُوعُ يَعْبُرُهَا لِيُكَرِّسَ ٱلْعَالَمَ؛ سُلَيْمَانُ يَمْلِكُ عَلَى ٱلنَّاسِ، أَمَّا ٱلْمَسِيحُ فَيَمْلِكُ لِيُحَرِّرَهُمْ. إِنَّهُ ٱلتَّبَايُنُ ٱلَّذِي يَفْتَحُ ٱلْبَابَ لِقِرَاءَةٍ جَدِيدَةٍ لِوَعْدِ ٱللّٰهِ ٱلْمَلِكُ ٱلَّذِي بَدَأَ فِي ظِلِّ دَاوُدَ يَجِدُ كَمَالَهُ لَا فِي ٱبْنٍ يَجْلِسُ عَلَى عَرْشٍ أَعْظَمَ، بَلْ فِي ٱبْنٍ يَخْلَعُ مَجْدَ ٱلْعَالَمِ لِيُلْبِسَ ٱلْإِنْسَانَ مَجْدَ ٱللّٰهِ.
هٰذَا ٱلْبحث يَتَوَغَّلُ فِي عُمْقِ هٰذِهِ ٱلدِّرَامَا يَفُكُّ شِيفَرَاتِ ٱلرَّمْزِ، وَيُحَلِّلُ ٱلطَّبَقَاتِ ٱللَّاهُوتِيَّةَ وَٱلتَّارِيخِيَّةَ، وَيُعِيدُ قِرَاءَةَ ٱلْمَشْهَدَيْنِ كَمَقْطَعَيْنِ مِنْ سِمْفُونِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِيهَا تَتَقَاطَعُ ٱلتَّتِمَّةُ مَعَ ٱلْأَصْلِ، وَٱلنُّبُوءَةُ مَعَ ٱلِٱمْتِلَاءِ، وَٱلْمُلْكُ ٱلْأَرْضِيُّ مَعَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاءِ. لَيْسَ هَدَفُهُ ٱلْمُقَارَنَةَ فَحَسْبُ، بَلِ ٱلْكَشْفُ عَنِ ٱلْمَسَارِ ٱلَّذِي تَرْبِطُهُ ٱلسَّمَاءُ بِٱلْأَرْضِ؛ مَسَارٌ يَبْدَأُ بِبَغْلِ دَاوُدَ وَيَبْلُغُ ذُرْوَتَهُ إِلَى جَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ، حَيْثُ يَتَبَدَّلُ وَجْهُ ٱلْمُلْكِ، وَتَكْتَمِلُ هُوِيَّةُ ٱلْمَلِكِ.
بِهٰذَا ٱلتَّمْهِيدِ يَبْدَأُ ٱلْقَارِئُ رِحْلَةً دَاخِلَ دِرَامَا ٱلْمَلِكِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَٱلْمَسِيحِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ ٱلتَّارِيخُ إِلَى لَاهُوتٍ، وَٱلرَّمْزُ إِلَى كَشْفٍ، وَٱلدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى لَحْظَةٍ تَتَجَلَّى فِيهَا هُوِيَّةُ ٱللّٰهِ كَمَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ ٱلْإِنْسَانِ.
مقدمة
يُقَدِّمُ البحث مَشْهَدَيْنِ مَلَكِيَّيْنِ مُذْهِـلَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا مَا يُقَارِبُ ٱلْعَشْرَةَ قُرُونٍ، لٰكِنَّهُمَا يَرْتَسِمَانِ فِي ٱلذَّاكِرَةِ ٱلْكِتَابِيَّةِ كَأَنَّهُمَا مَشْهَدٌ وَاحِدٌ يَكْتَمِلُ فِي ٱلْآخَرِ. هٰذَانِ ٱلْمَشْهَدَانِ هُمَا دُخُولُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ كَوَارِثٍ لِلْعَرْشِ، وَدُخُولُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِ دَاوُدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ كَمَلِكٍ آتٍ بِسُلْطَانِهِ ٱلْخَاصِّ. كِلَاهُمَا يُسْتَقْبَلُ بِهُتَافِ ٱلشَّعْبِ، وَكِلَاهُمَا يُعْلَنُ أَنَّهُ «ٱبْنُ دَاوُدَ»، وَكِلَاهُمَا يُقَدَّمُ كَصَاحِبِ شَرْعِيَّةٍ مَلَكِيَّةٍ لَا يَحِقُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُنَازِعَهُ عَلَيْهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَخْتَارُ كِلَاهُمَا تَجَاهُلَ مَرْكَبَةِ ٱلْفَرَسِ ٱلْمَلَكِيَّةِ، وَيُقَرِّرُ ٱلدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَا عَلَىٰ رُمُوزِ ٱلْقُوَّةِ ٱلْعَسْكَرِيَّةِ، بَلْ عَلَىٰ حَيَوَانَاتٍ تُعْتَبَرُ مُتَوَاضِعَةً فِي ٱلظَّاهِرِ: بَغْلُ دَاوُدَ بِٱلنِّسْبَةِ لِسُلَيْمَانَ، وَجَحْشُ ٱبْنِ أَتَانٍ بِٱلنِّسْبَةِ لِلْمَسِيحِ.
هٰذِهِ ٱلْمُفَارَقَةُ تُثِيرُ مَجْمُوعَةً مِنَ ٱلْأَسْئِلَةِ ٱلَّتِي لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا:
لِمَاذَا لَمْ يَدْخُلْ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ٱبْنُ ٱلْمَلِكِ دَاوُدَ وَأَحَقُّ ٱلْمُلُوكِ بِٱلْعَرْشِ، عَلَىٰ فَرَسٍ مَلَكِيٍّ؟
وَلِمَاذَا يَدْخُلُ ٱلْمَسِيحُ، وَهُوَ صَاحِبُ ٱلسُّلْطَانِ ٱلْإِلٰهِيِّ، عَلَىٰ جَحْشٍ صَغِيرٍ لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟
وَمَا ٱلرَّابِطُ بَيْنَ هُتَافِ ٱلشَّعْبِ «لِيَحْيَ ٱلْمَلِكُ سُلَيْمَانُ» وَبَيْنَ هُتَافِ ٱلْجَمَاهِيرِ فِي ٱلْأَنَاجِيلِ «هُوشَعْنَا لِٱبْنِ دَاوُدَ»؟
وَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ ٱلْمَسِيحِ إِلَىٰ أُورُشَلِيمَ إِعَادَةً لِقِرَاءَةِ ٱلْحَدَثِ ٱلْمَلَكِيِّ لِسُلَيْمَانَ، وَلٰكِنْ بِصِيغَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ تَقْلِبُ ٱلْمَفَاهِيمَ رَأْسًا عَلَىٰ عَقِبٍ؟
ثُمَّ يَأْتِي ٱلسُّؤَالُ ٱلْحَاسِمُ:
مَا دَوْرُ نَاثَانَ ٱلنَّبِيِّ ٱلَّذِي ٱخْتَرَقَ صَمْتَ ٱلْبِلَاطِ وَكَشَفَ مُحَاوَلَةَ ٱلِٱنْقِلَابِ ٱلَّتِي قَامَ بِهَا أَدُونِيَّا قَبْلَ تَتْوِيجِ سُلَيْمَانَ؟
وَهَلْ مِنْ عَلَاقَةٍ بَيْنَ فَضْحِ نَاثَانَ لِلِٱنْقِلَابِ ٱلْمَلَكِيِّ ٱلْقَدِيمِ وَبَيْنَ دُخُولِ ٱلْمَسِيحِ كَمَلِكٍ يَكْشِفُ «ٱنْقِلَابَ ٱلْعَالَمِ» عَلَىٰ مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ؟
هٰذِهِ ٱلْأَسْئِلَةُ لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْرِيًّا، تُشَكِّلُ مَدْخَلًا جَوْهَرِيًّا لِقِرَاءَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ كِتَابِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، لِأَنَّ مَشْهَدَ دُخُولِ أُورُشَلِيمَ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا عَابِرًا أَوْ مَشِيئَةً ظَرْفِيَّةً، بَلْ كَانَ إِعْلَانًا نَبَوِيًّا مُحْكَمًا لِبِنْيَةِ ٱلْمُلْكِ ٱلَّتِي يُرِيدُهَا ٱللّٰهُ لِشَعْبِهِ.
سُلَيْمَانُ وَدُخُولُ أُورُشَلِيمَ عَلَىٰ بَغْلِ دَاوُدَ رَمْزُ ٱلشَّرْعِيَّةِ وَٱمْتِدَادُ ٱلْعَهْدِ
عِنْدَمَا يَرْوِي سِفْرُ ٱلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ مَشْهَدَ ٱلصِّرَاعِ عَلَى ٱلْعَرْشِ بَعْدَ تَقَدُّمِ دَاوُدَ فِي ٱلسِّنِّ، لَا يُقَدِّمُ لَنَا مُجَرَّدَ أَحْدَاثٍ سِيَاسِيَّةٍ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ دِرَامَا مَلَكِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ. أَدُونِيَّا، ٱلِٱبْنُ ٱلْأَكْبَرُ، حَاوَلَ أَنْ يَنْتَزِعَ ٱلْمُلْكَ بِٱلْقُوَّةِ عَبْرَ جَمْعِ ٱلْمَرْكَبَاتِ وَٱلْخُيُولِ وَٱلْفُرْسَانِ، أَيْ عَبْرَ ٱلرُّمُوزِ ٱلتَّقْلِيدِيَّةِ لِلْقُوَّةِ ٱلْمَلَكِيَّةِ. لٰكِنَّ ٱلشَّرْعِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تُمْنَحُ فِي إِسْرَائِيلَ لِمَنْ يَمْتَلِكُ ٱلْعُتَادَ، بَلْ لِمَنْ يَمْتَلِكُ ٱلْوَعْدَ ٱلْإِلٰهِيَّ وَٱلْمَسْحَةَ ٱلنَّبَوِيَّةَ.
هُنَا يَتَدَخَّلُ نَاثَانُ ٱلنَّبِيُّ، فَيَكْشِفُ لِبَثْشَبَعَ ثُمَّ لِدَاوُدَ أَنَّ ٱنْقِلَابًا صَامِتًا يَجْرِي فِي ٱلْخَفَاءِ. وَيُعْلِنُ دَاوُدُ خُطْوَتَهُ ٱلْمَفْصِلِيَّةَ:
«أَرْكِبُوا سُلَيْمَانَ ٱبْنِي عَلَىٰ بَغْلَتِي» (١ مَل ١: ٣٣).
لَمْ يَخْتَرْ دَاوُدُ فَرَسًا مَلَكِيًّا، وَلَمْ يَخْتَرْ مَرْكَبَةً حَرْبِيَّةً، بَلِ ٱخْتَارَ بَغْلَهُ ٱلْخَاصَّ. وَهٰذَا ٱلْبَغْلُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ وَسِيلَةِ نَقْلٍ بَلْ رَمْزًا دَاوُدِيًّا لِلشَّرْعِيَّةِ نَفْسِهَا. فَٱلْبَغْلُ يُعْلِنُ:
- أَنَّ ٱلْمَلِكَ ٱلْجَدِيدَ يَتَسَلَّمُ ٱلْعَرْشَ مِنْ سَلَفِهِ مُبَاشَرَةً،
- وَأَنَّ ٱلْعَهْدَ لَا يُقْتَنَصُ بِٱلْقُوَّةِ بَلْ يُسَلَّمُ بِٱلْوَعْدِ،
- وَأَنَّ سُلَيْمَانَ لَيْسَ ٱسْتِمْرَارًا لِدَاوُدَ سِيَاسِيًّا فَقَطْ، بَلِ ٱمْتِدَادٌ لِخَطٍّ وَمَسْحَةٍ ٱخْتَارَهَا ٱللّٰهُ.
وَٱلشَّعْبُ، حِينَ رَأَىٰ سُلَيْمَانَ عَلَىٰ بَغْلِ دَاوُدَ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَىٰ شَرْحٍ فَفَهِمَ، وَهَتَفَ: «لِيَحْيَ ٱلْمَلِكُ سُلَيْمَانُ!»
وَهٰكَذَا يُصْبِحُ دُخُولُ سُلَيْمَانَ «دُخُولًا مَلُوكِيًّا» لٰكِنْ مِنْ دُونِ فَرَسٍ مَلَكِيٍّ. إِنَّهُ دُخُولٌ عَلَىٰ مَرْكَبَةِ ٱلْخُضُوعِ لِلّٰهِ، لَا مَرْكَبَةِ ٱلسَّيْطَرَةِ عَلَى ٱلْآخَرِينَ.
ٱلْمَسِيحُ وَدُخُولُهُ عَلَىٰ جَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ: إِعَادَةُ كِتَابَةِ مَلُوكِيَّةِ دَاوُدَ
بَعْدَ قُرُونٍ، يُقَدِّمُ ٱلْعَهْدُ ٱلْجَدِيدُ مَشْهَدًا يَكَادُ يَكُونُ صُورَةَ مِرْآةٍ لِمَشْهَدِ سُلَيْمَانَ، لٰكِنْ مَعَ قَلْبٍ كَامِلٍ لِمَعَانِي ٱلْمُلْكِ، إِذْ يَدْخُلُ ٱلْمَسِيحُ إِلَىٰ أُورُشَلِيمَ، وَٱلْجُمُوعُ تَهْتِفُ لَهُ بِٱلْكَلِمَاتِ ذَاتِهَا ٱلَّتِي كَانَتْ تُقَالُ لِوَرِيثِ دَاوُدَ:
«هُوشَعْنَا لِٱبْنِ دَاوُدَ».
يَتَقَدَّمُ ٱلْمَسِيحُ لَا عَلَىٰ فَرَسٍ مَلَكِيٍّ، وَلَا عَلَىٰ بَغْلٍ مَلَكِيٍّ كَمَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ، بَلْ عَلَىٰ جَحْشٍ صَغِيرٍ، لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، كَمَا يُشَدِّدُ ٱلْإِنْجِيلِيُّونَ.
هٰذَا ٱلتَّفْصِيلُ ٱلدَّقِيقُ لَيْسَ فَقَطْ دِلَالِيًّا، بَلْ يَحْمِلُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا:
- فَٱلْجَحْشُ حَيَوَانٌ لَمْ يُسْتَخْدَمْ مِنْ قَبْلُ فِي ٱلِٱسْتِعْرَاضَاتِ ٱلْمَلَكِيَّةِ.
- هُوَ رَمْزُ «ٱلْمَسِيرَةِ ٱلْجَدِيدَةِ» ٱلَّتِي لَمْ تَطَأْهَا قَدَمٌ بَشَرِيَّةٌ.
- هُوَ نَقِيضُ ٱلْفَرَسِ ٱلَّذِي يُشِيرُ إِلَى ٱلْحَرْبِ وَٱلْقُوَّةِ.
- هُوَ ٱمْتِدَادٌ حَرْفِيٌّ لِنُبُوءَةِ زَكَرِيَّا:«هُوذَا مَلِكُكَ يَأْتِيكَ… وَدِيعًا رَاكِبًا عَلَىٰ جَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ».
- فِي دُخُولِهِ هٰذَا، لَا يُنَصَّبُ ٱلْمَسِيحُ مَلِكًا أَرْضِيًّا مِثْلَ سُلَيْمَانَ، بَلْ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلَى ٱلْمَلَكُوتِ غَيْرِ ٱلْمَنْظُورِ، مَلِكًا لَا يُدَشَّنُ بِٱلتَّتْوِيجِ عَلَى ٱلْعَرْشِ بَلْ بِٱلِٱرْتِفَاعِ عَلَى ٱلصَّلِيبِ.
ٱلْمَسِيحُ يَدْخُلُ أُورُشَلِيمَ لَا لِيَعْتَلِيَ مَنْصَّةَ حُكْمٍ، بَلْ لِيُوَاجِهَ سَاعَةَ ٱلتَّتْمِيمِ، وَلِيُعْلِنَ أَنَّ ٱلْمُلْكَ ٱلَّذِي يَحْمِلُهُ هُوَ مُلْكٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، مُلْكٌ يُعَادُ تَعْرِيفُهُ فِي ضَوْءِ ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلْبَذْلِ وَٱلتَّوَاضُعِ.
وَهُنَا تَبْدَأُ «جَدَلِيَّةُ ٱلْعَرْشِ».
- سُلَيْمَانُ يَرْتَقِي ٱلْعَرْشَ عَبْرَ بَغْلِ دَاوُدَ.
- وَٱلْمَسِيحُ يَرْتَقِي ٱلصَّلِيبَ عَبْرَ جَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ.كِلَاهُمَا ٱبْنُ دَاوُدَ، لٰكِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدْخُلُ أُورُشَلِيمَ لِغَايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ جَذْرِيًّا. وَيَبْقَى ٱلسُّؤَالُ مَطْرُوحًا: لِمَاذَا لَا فَرَسَ مَلَكِيًّا لِكِلَيْهِمَا؟
فِلْسَفَةُ «رَفْضِ ٱلْحِصَانِ» فِي ٱلْمُلُوكِيَّةِ ٱلْكِتَابِيَّةِ[1]
فِي ثَقَافَاتِ ٱلشَّرْقِ ٱلْأَدْنَى ٱلْقَدِيمِ، كَانَ ٱلْفَرَسُ رَمْزًا مُطْلَقًا لِلْحُكْمِ ٱلْعَسْكَرِيِّ وَٱلْهَيْبَةِ وَٱلسِّيَادَةِ. أَنْ يَرْفُضَ سُلَيْمَانُ ٱلْمَسِيرَ ٱلْحَرْبِيَّ، وَأَنْ يَرْفُضَ ٱلْمَسِيحُ ٱلْفَرَسَ أَيْضًا، يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ لَاهُوتًا كِتَابِيًّا يَرْفُضُ أَنْ تُخْتَزَلَ ٱلْمُلُوكِيَّةُ فِي ٱلْقُوَّةِ.
- فِي حَالَةِ سُلَيْمَانَ، رَفْضُ ٱلْفَرَسِ هُوَ إِعْلَانٌ أَنَّ ٱلْمُلْكَ لَا يُؤَسَّسُ عَلَى ٱلْقَهْرِ بَلْ عَلَى ٱلْحِكْمَةِ وَٱلشَّرِيعَةِ.
- فِي حَالَةِ ٱلْمَسِيحِ، رَفْضُ ٱلْفَرَسِ يَعْنِي أَنَّ ٱلْمُلْكَ لَيْسَ صِرَاعًا عَلَى ٱلْأَرْضِ، بَلْ حَدَثَ خَلَاصٍ يَتَخَطَّى ٱلزَّمَانَ وَٱلْمَكَانَ.وَهُنَا تَتَعَمَّقُ ٱلْمُقَارَنَةُ ٱللَّاهُوتِيَّةُ:
- سُلَيْمَانُ رَفَضَ ٱلْفَرَسَ لِكَيْ لَا يُؤَسِّسَ مُلْكًا عَسْكَرِيًّا،
- وَٱلْمَسِيحُ رَفَضَ ٱلْفَرَسَ لِكَيْ لَا يُفْهَمَ مُلْكُهُ بِشَكْلٍ سِيَاسِيٍّ.
هُتَافُ ٱلشَّعْبِ «ٱبْنُ دَاوُدَ» تَتْوِيجٌ أَمْ كَشْفٌ لَاهُوتِيٌّ؟
ٱلْهُتَافُ ٱلشَّعْبِيُّ فِي كِلْتَا ٱلرِّوَايَتَيْنِ يَكْشِفُ أَنَّ ٱلشَّعْبَ كَانَ يَرَى فِي «ٱبْنِ دَاوُدَ» عَلَامَةً عَلَى تَحَقُّقِ ٱلْمَوَاعِيدِ ٱلْقَدِيمَةِ.
- فَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ، ٱلْهُتَافُ هُوَ قَبُولٌ جَمَاعِيٌّ لِشَرْعِيَّةِ ٱلْعَهْدِ.
- وَفِي رِوَايَةِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْهُتَافُ هُوَ ٱعْتِرَافٌ بِأَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَحْمِلُ مَوَاعِيدَ دَاوُدَ، وَلَكِنْ بِصِيغَةٍ «أُخْرَوِيَّةٍ». وَٱلْمُدْهِشُ أَنَّ ٱلشَّعْبَ نَفْسَهُ كَانَ يَنْتَظِرُ مَلِكًا مُحَارِبًا يُخَلِّصُهُمْ مِنَ ٱلرُّومَانِ، وَمَعَ ذٰلِكَ ٱسْتَقْبَلُوا يَسُوعَ بِصِفَتِهِ «ٱبْنَ دَاوُدَ» عَلَى جَحْشٍ صَغِيرٍ، كَأَنَّ ٱلرُّوحَ حَرَّكَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ ٱسْتِمْرَارًا لِسُلَالَةِ ٱلْعَهْدِ، لَا وِفْقَ تَوَقُّعَاتِهِمُ ٱلسِّيَاسِيَّةِ، بَلْ وِفْقَ قَصْدِ ٱللهِ.
نَاثَانُ ٱلنَّبِيُّ ٱلْمِفْتَاحُ ٱلَّذِي يَرْبِطُ ٱلْمَشْهَدَيْنِ[2]
لَا يُمْكِنُ فَهْمُ دُخُولِ سُلَيْمَانَ دُونَ فَهْمِ دَوْرِ نَاثَانَ. فَهُوَ ٱلَّذِي أَحْبَطَ ٱنْقِلَابَ أَدُونِيَّا، وَهُوَ ٱلَّذِي أَعَادَ ٱلْأُمُورَ إِلَى مِعْيَارِ ٱلشَّرِيعَةِ، وَهُوَ ٱلَّذِي كَشَفَ أَنَّ ٱلْمُلْكَ لَيْسَ ٱغْتِصَابًا بَلْ هُوَ تَسْلِيمٌ إِلٰهِيٌّ.
إِنَّ ٱلدَّوْرَ ٱلَّذِي لَعِبَهُ نَاثَانُ لَيْسَ حَدَثًا تَارِيخِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ أَدَبِيٌّ وَلَاهُوتِيٌّ يُوَضِّحُ أَنَّ ٱللهَ لَا يَتْرُكُ ٱلْعَرْشَ لِيُخْتَطَفَ.
وَعِنْدَمَا يَدْخُلُ ٱلْمَسِيحُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، لَا نَجِدُ نَاثَانًا بَشَرِيًّا يَكْشِفُ ٱلِٱنْقِلَابَ، بَلِ ٱلْمَسِيحَ نَفْسَهُ يَكْشِفُ ٱنْقِلَابَ ٱلْعَالَمِ عَلَى ٱللهِ.فَكَمَا فَضَحَ نَاثَانُ ٱنْقِلَابَ أَدُونِيَّا،يَفْضَحُ ٱلْمَسِيحُ ٱنْقِلَابَ ٱلْبَشَرِيَّةِ عَلَى إِرَادَةِ ٱللهِ وَيُقَدِّمُ نَفْسَهُ ٱلْمَلِكَ ٱلَّذِي سَيُعِيدُ ٱلْعَهْدَ إِلَى أَصْلِهِ.
هُنَا تُصْبِحُ ٱلْمُقَارَنَةُ حَاسِمَةً:
- نَاثَانُ حَفِظَ عَهْدَ دَاوُدَ،
- وَيَسُوعُ يُتِمِّمُ عَهْدَ دَاوُدَ.
- ٱلْأَوَّلُ يُوَاجِهُ ٱنْقِلَابًا سِيَاسِيًّا،
- وَٱلثَّانِي يُوَاجِهُ ٱنْقِلَابًا وُجُودِيًّا شَامِلًا.
نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلْجَدَلِيَّةِ
مِنْ خِلَالِ ٱلْمُقَارَنَةِ بَيْنَ دُخُولِ سُلَيْمَانَ عَلَى بَغْلِ دَاوُدَ وَدُخُولِ ٱلْمَسِيحِ عَلَى جَحْشِ ٱبْنِ أَتَانٍ، يَتَّضِحُ أَنَّ دُخُولَ أُورُشَلِيمَ لَيْسَ «ٱسْتِعْرَاضًا مَلَكِيًّا»، بَلْ هُوَ مَسْرَحٌ لَاهُوتِيٌّ يُظْهِرُ:
1. أَنَّ ٱلْمُلْكَ ٱلْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مُلْكًا بَشَرِيًّا، بَلِ ٱمْتِدَادٌ لِلْعَهْدِ.
2. أَنَّ ٱلشَّرْعِيَّةَ تُعْطَى مِنْ فَوْقُ لَا مِنَ ٱلسُّلْطَةِ ٱلْأَرْضِيَّةِ.
3. أَنَّ ٱلرَّمْزَ (بَغْلَ دَاوُدَ / جَحْشَ ٱبْنِ أَتَانٍ) لَيْسَ تَفْصِيلًا بَلْ مِفْتَاحًا لِقِرَاءَةِ ٱلْهُوِيَّةِ ٱلْمَلُوكِيَّةِ.
4. أَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَأْتِ لِيُكَرِّرَ سُلَيْمَانَ، بَلْ لِيُتِمِّمَ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَيُّ مَلِكٍ دَاوُدِيٍّ أَنْ يُنْجِزَهُ.
5. أَنَّ ٱلْهُتَافَ «ٱبْنَ دَاوُدَ» فِي ٱلْحَالَتَيْنِ لَيْسَ لَقَبًا بَشَرِيًّا بَلِ ٱعْتِرَافًا لَاهُوتِيًّا.
هَكَذَا يُصْبِحُ ٱلْحَدَثَانِ مِرْآتَيْنِ:
- ٱلْأَوَّلُ يُعْلِنُ شَرْعِيَّةَ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ،
- وَٱلثَّانِي يُعْلِنُ ٱكْتِمَالَ ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ.
هَدَفُ هٰذَا ٱلْبَحْثِ
مِنْ هٰذَا ٱلْمُنْطَلَقِ، يَسْعَى هٰذَا ٱلْبَحْثُ إِلَى تَقْدِيمِ قِرَاءَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُعَمَّقَةٍ وَغَيْرِ تَقْلِيدِيَّةٍ، تَكْشِفُ ٱلرَّابِطَ بَيْنَ مَشْهَدَيِ ٱلدُّخُولِ هٰذَيْنِ، وَتُحَلِّلُ مُفَارَقَةَ ٱخْتِيَارِ ٱلْحَيَوَانِ ٱلْمُتَوَاضِعِ بَدَلَ ٱلْفَرَسِ ٱلْمَلَكِيِّ، وَتَعْرِضُ دَلَالَاتِ ٱلْهُتَافِ «ٱبْنَ دَاوُدَ»، وَتُبْرِزُ ٱلدَّوْرَ ٱلْحَاسِمَ لِنَاثَانَ فِي تَنْقِيَةِ مَفْهُومِ ٱلْمُلُوكِيَّةِ، وَكَيْفَ يُعِيدُ ٱلْمَسِيحُ صِيَاغَةَ هٰذَا ٱلْمَفْهُومِ جَذْرِيًّا عَبْرَ دُخُولِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ تَمْهِيدًا لِلصَّلِيبِ.
بِهٰذَا يُصْبِحُ فَهْمُ ٱلْمُلُوكِيَّةِ فِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ دِرَاسَةً تَارِيخِيَّةً وَحَسْبُ، بَلْ نَافِذَةً تَكْشِفُ طَبِيعَةَ ٱللّٰهِ، وَدِينَامِيَّةَ ٱلْعَهْدِ، وَمَشْرُوعَ ٱلْخَلَاصِ ٱلَّذِي بَلَغَ مِلْأَهُ فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيح
سِيَاقُ ٱلْمُلُوكِيَّةِ ٱلدَّاوُدِيَّةِ وَصِرَاعُ ٱلْعَرْشِ: مِنَ ٱلْغِيَابِ ٱلدَّاوُدِيِّ إِلَى بُرُوزِ ٱلشَّرْعِيَّةِ ٱلنَّبَوِيَّةِ[3]
تُشَكِّلُ ٱلْمُلُوكِيَّةُ فِي إِسْرَائِيلَ إِطَارًا لَاهُوتِيًّا تَارِيخِيًّا فَرِيدًا، إِذْ لَا تُقَدَّمُ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ كَنِظَامِ حُكْمٍ نَمُوذَجِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ كَوَحْدَةٍ عُضْوِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ ٱلسِّيَاسَةِ وَٱلْعَهْدِ، وَبَيْنَ ٱلسُّلْطَةِ ٱلزَّمَنِيَّةِ وَٱلْإِرَادَةِ ٱلْإِلَهِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ ٱللَّحْظَةِ ٱلْمِفْصَلِيَّةِ ٱلَّتِي يَصِفُهَا سِفْرُ ٱلْمُلُوكِ ٱلْأَوَّلُ (ٱلْأَصْحَاحُ ٱلْأَوَّلُ)، حَيْثُ يَلْتَقِي ضَعْفُ دَاوُدَ ٱلْجَسَدِيُّ فِي شَيْخُوخَتِهِ مَعَ تَفَتُّتِ ٱلْبِنْيَةِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ لِلْعَائِلَةِ ٱلْمَلَكِيَّةِ، لِيُنْتِجَ صِرَاعًا يَكْشِفُ جَوْهَرَ ٱلْمُلُوكِيَّةِ فِي إِسْرَائِيلَ: أَهِيَ إِرْثٌ دَمَوِيٌّ؟ أَمِ ٱمْتِدَادٌ لِعَهْدٍ إِلَهِيٍّ؟ أَمْ مَزِيجٌ مُتَوَتِّرٌ بَيْنَ ٱلِٱثْنَيْنِ
يَتَقَدَّمُ أَدُونِيَّا بْنُ حَجِيثَ فِي هٰذَا ٱلسِّيَاقِ بَوَصْفِهِ ٱلْوَارِثَ ٱلطَّبِيعِيَّ ٱلْمُتَوَقَّعَ بَعْدَ مَوْتِ أَبْشَالُومَ، لٰكِنَّ تَحَرُّكَاتِهِ تَكْشِفُ أَنَّ طُمُوحَهُ ٱلْمَلَكِيَّ لَمْ يَكُنِ ٱسْتِجَابَةً تِلْقَائِيَّةً لِفَرَاغِ ٱلسُّلْطَةِ، بَلْ مَشْرُوعًا سِيَاسِيًّا مُنَسَّقًا يَقُومُ عَلَى أَدَوَاتِ ٱلنُّفُوذِ ٱلتَّقْلِيدِيَّةِ: مَرْكَبَاتٍ، وَفُرْسَانٍ، وَحَاشِيَةٍ تَسْبِقُ ٱلْمَلِكَ كَمَا فِي مَرَاسِمِ ٱلْبِلَاطِ ٱلْمَلَكِيِّ فِي ٱلشَّرْقِ ٱلْأَدْنَى ٱلْقَدِيمِ. وصِفُ ٱلنَّصُّ هٰذَا ٱلسُّلُوكَ بِعِبَارَةٍ مُحَمَّلَةٍ دِلَالِيًّا
«تَرَفَّعَ أَدُونِيَّا… وَصَنَعَ لِنَفْسِهِ مَرْكَبَاتٍ وَفُرْسَانًا» (١ مَل ١: ٥)
إِنَّ وَصْفَ «ٱلتَّرَفُّعِ» لَيْسَ تَوْصِيفًا نَفْسِيًّا، بَلْ إِشَارَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ إِلَى أَنَّ أَدُونِيَّا يُقِيمُ مُلْكَهُ ٱلْخَاصَّ ٱلْمُنْفَصِلَ عَنْ إِرَادَةِ ٱللّٰهِ. فَٱلْمَرْكَبَاتُ ٱلَّتِي تُعَدُّ فِي ٱلْحَضَارَاتِ ٱلْمُجَاوِرَةِ رَمْزًا لِلْمُلْكِ ٱلْعَظِيمِ، تَتَحَوَّلُ فِي ٱلْفِكْرِ ٱلْكِتَابِيِّ إِلَى عَلَامَةِ ٱنْحِرَافٍ (مَز ٢٠: ٧؛ إِش ٣١: ١). وَهٰكَذَا يُظْهِرُ ٱلْكَاتِبُ أَنَّ مَشْرُوعَ أَدُونِيَّا هُوَ مُلْكٌ «يُصْنَعُ» فِي ٱلْأَسْفَلِ، لَا مُلْكٌ «يُعْطَى» مِنْ فَوْقُ
وَتَزْدَادُ ٱلصُّورَةُ وُضُوحًا عِنْدَمَا يُقِيمُ أَدُونِيَّا ٱحْتِفَالًا مَلَكِيًّا فِي «عَيْنِ رُوجِلَ»، يَذْبَحُ فِيهِ ٱلذَّبَائِحَ، وَيَجْمَعُ نُخْبَةً مِنْ رِجَالِ يَهُوذَا، وَيُشَكِّلُ تَحَالُفًا مَعَ أَبِيَاثَارَ وَيُوآبَ. لٰكِنَّ ٱللَّافِتَ هُوَ ٱسْتِبْعَادُ ٱلْأَشْخَاصِ ٱلَّذِينَ يُمَثِّلُونَ شَرْعِيَّةَ ٱلْعَهْدِ
نَاثَانُ ٱلنَّبِيُّ، وَصَادُوقُ ٱلْكَاهِنُ، وَبَنَايَا بْنُ يَهُويَادَاعَ، وَسُلَيْمَانُ نَفْسُهُ.
يُشَكِّلُ هٰذَا ٱلِٱسْتِبْعَادُ إِعْلَانًا ضِمْنِيًّا أَنَّ أَدُونِيَّا يُؤَسِّسُ طَاعَةً سِيَاسِيَّةً لَا تَتْوِيجًا عَهْدِيًّا؛ شَرْعِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى ٱلتَّحَالُفِ لَا عَلَى ٱلْمَسْحَةِ؛ وَٱحْتِفَالًا بِلَا نُبُوَّةٍ، مَا يَعْنِي أَنَّ ٱلْحَدَثَ يَفْتَقِرُ إِلَى «ٱلْعَلَامَةِ ٱلدَّاوُدِيَّةِ» ٱلَّتِي تُحَدِّدُ هُوِيَّةَ ٱلْمُلْكِ ٱلْحَقِيقِيِّ.
فِي خَلْفِيَّةِ هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ، يَظْهَرُ دَاوُدُ نَفْسُهُ غَائِبًا جَسَدِيًّا وَسِيَاسِيًّا، وَهُوَ غِيَابٌ يَفْتَحُ ٱلْمَجَالَ أَمَامَ ٱلْقُوَى ٱلْمُتَصَارِعَةِ لِلْمُنَاوَرَةِ. لٰكِنَّ ضَعْفَ دَاوُدَ لَا يُشَكِّلُ فَقَطْ فَرَاغًا إِدَارِيًّا، بَلْ يُؤَدِّي إِلَى تَأَزُّمٍ لَاهُوتِيٍّ، إِذْ يُصْبِحُ ٱلْعَرْشُ ٱلدَّاوُدِيُّ مُهَدَّدًا بِفَقْدَانِ ٱلصِّلَةِ بِٱلْعَهْدِ ٱلْإِلَهِيِّ ٱلَّذِي أَعْطَى دَاوُدَ سُلْطَانًا فَرِيدًا عَلَى إِسْرَائِيلَ:
«وَكَانَ لَمَّا سَكَنَ ٱلْمَلِكُ فِي بَيْتِهِ وَأَرَاحَهُ ٱلرَّبُّ مِنْ كُلِّ أَعْدَائِهِ حَوْلَهُ، أَنَّ ٱلْمَلِكَ قَالَ لِنَاثَانَ ٱلنَّبِيِّ: ٱنْظُرْ إِنِّي سَاكِنٌ فِي بَيْتٍ مِنْ أَرْزٍ وَتَابُوتُ ٱللّٰهِ سَاكِنٌ دَاخِلَ ٱلشِّقَقِ. فَقَالَ نَاثَانُ لِلْمَلِكِ: ٱذْهَبْ ٱفْعَلْ كُلَّ مَا بِقَلْبِكَ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ مَعَكَ».
«وَفِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ كَانَ كَلَامُ ٱلرَّبِّ إِلَى نَاثَانَ قَائِلًا: ٱذْهَبْ وَقُلْ لِعَبْدِي دَاوُدَ: هٰكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ، أَأَنْتَ تَبْنِي لِي بَيْتًا لِسُكْنَايَ؟… عِنْدَمَا تَتَمَامَى أَيَّامُكَ وَتَرْقُدُ مَعَ آبَائِكَ، أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ ٱلَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَلِكَهُ. أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِي ٱبْنًا… وَيَثْبُتُ بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ إِلَى ٱلْأَبَدِ أَمَامَكَ، كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتًا إِلَى ٱلْأَبَدِ» (٢ صم ٧: ٣–١٦).
وَيَطْرَحُ ٱلنَّصُّ بِذٰلِكَ سُؤَالًا مِحْوَرِيًّا: مَاذَا يَحْدُثُ لِلْمُلْكِ عِنْدَمَا يَغِيبُ حَامِلُ ٱلْعَهْدِ؟ هَلْ يُتْرَكُ لِلْوِرَاثَةِ ٱلطَّبِيعِيَّةِ؟ أَمْ يُعَادُ ضَبْطُهُ عَبْرَ ٱلنُّبُوَّةِ؟
وَهُنَا يَبْرُزُ نَاثَانُ ٱلنَّبِيُّ كَصَوْتٍ لَاهُوتِيٍّ يُفَكِّكُ رِوَايَةَ ٱلِٱنْقِلَابِ، وَيُعِيدُ رَسْمَ حُدُودِ ٱلشَّرْعِيَّةِ. يُدْرِكُ نَاثَانُ أَنَّ مُحَاوَلَةَ أَدُونِيَّا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَغْبَةٍ بِٱلْعَرْشِ، بَلْ خَطَرٌ يُهَدِّدُ بِنْيَةَ ٱلْعَهْدِ نَفْسِهِ. لِذٰلِكَ، لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى دَاوُدَ مُبَاشَرَةً، بَلْ يَخْتَارُ ٱلدُّخُولَ أَوَّلًا إِلَى بَثْشَبَعَ لِيُشَكِّلَ مَعَهَا «جَبْهَةَ ٱلْعَهْدِ»، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ كِلَاهُمَا إِلَى دَاوُدَ لِإِيقَاظِ ٱلذَّاكِرَةِ ٱلْعَهْدِيَّةِ لَدَى ٱلْمَلِكِ.
إِنَّ هٰذَا ٱلتَّدَخُّلَ لَيْسَ خُطْوَةً سِيَاسِيَّةً، بَلْ هُوَ حَرَكَةٌ نُبُوِيَّةٌ تَحْفَظُ ٱلْوَعْدَ ٱلْقَائِلَ إِنَّ «نَسْلَ دَاوُدَ يَجْلِسُ عَلَى عَرْشِهِ». وَهٰكَذَا يُصْبِحُ نَاثَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ لِلْمَعْلُومَاتِ، بَلْ حَارِسًا لِلِٱنْتِبَاهِ ٱللَّاهُوتِيِّ ٱلَّذِي كَادَ يَغِيبُ عَنِ ٱلْبِلَاطِ فِي ظِلِّ شَيْخُوخَةِ ٱلْمَلِكِ.
فِي لَحْظَةٍ حَاسِمَةٍ، يَتَّخِذُ دَاوُدُ ٱلْقَرَارَ ٱلْفَصْلَ عَبْرَ أَعْظَمِ رُمُوزِ ٱلشَّرْعِيَّةِ ٱلدَّاوُدِيَّةِ:
«أَرْكِبُوا سُلَيْمَانَ ٱبْنِي عَلَى بَغْلَتِي» (١ مل ١: ٣٣).
تُعِيدُ هٰذِهِ ٱلْعِبَارَةُ تَرْتِيبَ ٱلْمَشْهَدِ كُلَّه: “فَٱلْبَغْلُ لَيْسَ مَرْكَبَةً عَادِيَّةً، بَلْ هُوَ «عَرْشٌ مُتَنَقِّلٌ خاص بداود وَٱسْتِخْدَامُهُ يُعْلِنُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَرِيثٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ ٱمْتِدَادٌ مُبَاشِرٌ لِلْعَهْدِ.”
وَأَنَّ ٱلْمُلْكَ يُسَلَّمُ عَبْرَ رَمْزٍ إِلٰهِيٍّ نُبُوِيٍّ، لَا عَبْرَ تَوَازُنِ ٱلْقُوَى.
إِنَّ رِوَايَةَ دُخُولِ سُلَيْمَانَ، إِذًا، لَيْسَتْ إِعْلَانًا عَنْ خَلِيفَةِ ٱلْمَلِكِ بِقَدْرِ مَا هِيَ تَأْكِيدٌ أَنَّ ٱلْمُلْكَ فِي إِسْرَائِيلَ هُوَ مَفْهُومٌ لَاهُوتِيٌّ لَا سِيَاسِيٌّ؛ وَأَنَّ ٱلشَّرْعِيَّةَ لَا تُصْنَعُ عَبْرَ ٱلْحُلَفَاءِ، بَلْ تُعْطَى عَبْرَ عِلَاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ بِٱللَّهِ تُعَبِّرُ عَنْهَا ٱلْمَسْحَةُ وَٱلرَّمْزُ، بِمَا فِيهِ بَغْلُ دَاوُدَ نَفْسُهُ.
وَهٰذَا ٱلْبُعْدُ هُوَ مَا سَيُصْبِحُ لَاحِقًا ٱلْمِفْتَاحَ ٱلْأَسَاسِيَّ لِفَهْمِ دُخُولِ ٱلْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، لِأَنَّ يَسُوعَ سَيُعِيدُ كِتَابَةَ هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ ٱلْمَلَكِيِّ، لَا عَبْرَ تَكْرِيسِ مُلْكٍ أَرْضِيٍّ، بَلْ عَبْرَ تَأْسِيسِ مَلُوكِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تُعْلِنُ شَرْعِيَّتَهَا فِي ٱلْوَدَاعَةِ وَٱلصَّلْبِ.
اِنْكِشَافُ ٱلِٱنْقِلَابِ ٱلْمَلَكِيِّ: أَدُونِيَّا بَيْنَ ٱلشَّرْعِيَّةِ ٱلْمُغْتَصَبَةِ وَغِيَابِ ٱلرَّمْزِ ٱلدَّاوُدِيِّ[4]
يُقَدِّمُ الأصحاحُ الأوَّلُ من سِفرِ الملوكِ الأوَّلِ نَموذجًا غنيًّا لِفَهمِ ديناميّةِ الملوكيّةِ في إسرائيلَ، إذ يَكشِفُ النَّصُّ أنّ الصِّراعَ الّذي دارَ حولَ خِلافةِ داوُدَ لم يَكُن مُجرَّدَ نِزاعٍ عائليٍّ أو تَنافُسٍ سياسيٍّ، بل شَكَّلَ لَحظةً حاسِمَةً في اختِبارِ طَبيعةِ السُّلطانِ الّذي يُريدُ اللهُ تَثبيتَهُ في إسرائيلَ. فمُحاوَلةُ أَدونِيّا بنِ حَجيثَ اعتِلاءَ العرشِ جاءَت في سياقٍ يَجمَعُ بينَ المُؤامَرةِ السياسيّةِ والطَّقسيّةِ، ويُعكِسُ تَصوُّرًا مُغايرًا تَمامًا للملوكيّةِ كما تَبَلورَت في العَهدِ الإلهيِّ لداوُدَ.
يَرسِمُ الكاتبُ المُلهَمُ صورةً دقيقةً لِطُموحِ أَدونِيّا، إذ يَفتَتِحُ سَردَ الأحداثِ بالقولِ:
«تَرَفَّعَ أَدونِيّا بنُ حَجيثَ… وصَنَعَ لِنَفسِهِ مَركَباتٍ وفُرسانًا وخَمسينَ رَجُلًا يَجرونَ أمامَه» (١ مل ١: ٥).
هذهِ العِبارةُ ليست تَفصيلًا سَرديًّا بل مِفتاحًا لاهوتيًّا يَفضَحُ طَبيعةَ مَشروعِ أَدونِيّا. فالمَركَباتُ والفُرسانُ، الّتي تُعَدُّ في مَمالِكِ الشَّرقِ القديمِ علامةَ امتِلاكٍ للسُّلطانِ، تَتحوَّلُ هنا إلى رَمزٍ للشَّرعيّةِ المُغتَصَبَةِ. فالمُلكُ في إسرائيلَ لا يُنتَزَعُ عبرَ أدواتِ القوّةِ، لأنَّ الفَرَسَ في اللّاهوتِ الكِتابيِّ (مز ٢٠: ٧) يَرتَبِطُ بالاتّكالِ البَشريِّ الّذي يُناقِضُ الاتّكالَ على الرَّبِّ:
«هؤلاءِ بالمَركَباتِ، وهؤلاءِ بالخَيلِ، أمّا نَحنُ فاسمَ الرَّبِّ إلهِنا نَذكُر».
وبذلكَ يُقَدَّمُ أَدونِيّا منذُ اللَّحظةِ الأُولى بوَصفِهِ مَلِكًا «يَصنَعُ لِنَفسِهِ» سُلطانًا، لا وارِثًا لِسُلطانٍ يَمنَحُهُ اللهُ.
وتَتَّضِحُ بُنيةُ هذا المَشروعِ الانقلابيِّ عندما يُقامُ احتِفالٌ سياسيّ دينيٌّ في «عينِ رُوجل»، حيثُ ذَبَحَ أَدونِيّا الذَّبائحَ ودَعا «جَميعَ إخوَتِهِ بَني المَلِكِ وجَميعَ رِجالِ يَهوذا عَبيدَ المَلِكِ»:
«فذَبَحَ أَدونِيّا غَنَمًا وبَقَرًا ومُسَمَّناتٍ عندَ حَجَرِ الزّاحِفَةِ الّذي بِجانِبِ عينِ رُوجل، ودَعا جَميعَ إخوَتِهِ بَني المَلِكِ وجَميعَ رِجالِ يَهوذا عَبيدَ المَلِك» (١ مل ١: ٩).
غيرَ أنّ النَّصَّ يَلفِتُ الانتِباهَ إلى الغِيابِ المَقصودِ لأربعِ شَخصيّاتٍ رَئيسيّةٍ: صادوقَ الكاهنِ، ناثانَ النَّبيِّ، بَنِيّا بنِ يَهوياداعَ، وسُليمانَ نَفسِهِ. إنَّ استِبعادَ هؤلاءِ من المَشهَدِ ليسَ اعتِباطيًّا، بل يُؤكِّدُ أنّ أَدونِيّا لم يُرِد تَثبيتَ المُلكِ في إطارِ العَهدِ الإلهيِّ، بل أرادَ تَأسيسَ شَرعيّةٍ مُوازيةٍ خارجَ مَسارِ الوُعودِ الإلهيّةِ؛ شَرعيّةٍ سياسيّةٍ بلا مُرتَكَزٍ كَهَنوتيٍّ، وطَقسٍ احتِفاليٍّ بلا مَسحَةٍ.
هذا «الفَراغُ الرَّمزيّ» يُوضِّحُ أنّ مَشروعَ أَدونِيّا لا يَستَنِدُ إلى أيِّ عُنصُرٍ من عَناصِرِ الشَّرعيّةِ الداوديّةِ:
لا بَغلَ داوُدَ،
ولا مَشورةَ النَّبيِّ،
ولا مَسحَةَ الكاهنِ،
ولا مُوافَقةَ المَلِكِ الآبِ.
إنَّهُ مَشروعٌ انقلابيٌّ مُكتَمِلٌ، يَعتَمِدُ القوّةَ والمَظاهرَ، بينما تَعجِزُ أدواتُهُ عن حَملِ رَمزِ العَهدِ الّذي ظَلَّ مُلازِمًا للمُلكِ الحقيقيِّ في إسرائيلَ.
ناثانُ النَّبيُّ كَحارِسٍ لِلعَهدِ وكاشِفٍ لِلانقلاب[5]
يَتَدخَّلُ ناثانُ النَّبيُّ في هذا السِّياقِ بوَصفِهِ الشَّخصيّةَ المِحوَريّةَ الّتي تُعيدُ تَوجيهَ الأحداثِ نحوَ مَسارِها الإلهيِّ الصَّحيحِ. فدَورُ ناثانَ ليسَ دَورَ المُستَشارِ، بل دَورُ المُفَسِّرِ اللّاهوتيِّ لِلحَدَثِ السياسيِّ. يَقرَأُ ناثانُ ما يَجري باعتِبارِهِ تَهديدًا مُباشِرًا لِلعَهدِ الّذي قَطَعَهُ اللهُ مع داوُدَ:
«ابنُكَ يَجلِسُ على كُرسِيِّكَ من بعدِكَ» (٢ صم ٧).
وبذلكَ، يَقِفُ ناثانُ كَحارِسٍ لِلشَّرعيّةِ، لا منطلِقًا من العَلاقاتِ الدّاخليّةِ في البلاطِ، بل من سُلطانِ الكَلِمَةِ النَّبويّةِ الّتي تُلزِمُ المَلِكَ والشَّعبَ مَعًا.
يَدخُلُ ناثانُ إلى بَثشَبعَ ثُمَّ إلى داوُدَ، لا لِيُبلِغَ خَبَرًا فَحسب، بل لِيُقَدِّمَ حُكمًا نَبويًّا على السُّلوكِ الانقلابيِّ. إنَّهُ يُعيدُ فَتحَ «سِجِلِّ العَهدِ»، ويُذَكِّرُ داوُدَ أنّ المُلكَ ليسَ شَأنًا سُلاليًّا فَحسب، بل هو جُزءٌ من مَشروعٍ إلهيٍّ لا يَسمَحُ بأن يُختَطَفَ أو يُزَوَّرَ. وبذلكَ، يُصبِحُ ناثانُ نُقطةَ التَّحوُّلِ الّتي تُفَرِّقُ بينَ مَلوكيّةٍ تُعطى من اللهِ ومَلوكيّةٍ تُصنَعُ في الخَفاءِ.
وتَرتَفِعُ أهميّةُ ناثانَ أكثرَ عندما يُقَدِّمُ لِلمَلِكِ داوُدَ «عَلامَةً» تُظهِرُ انتِقالَ السُّلطانِ بشكلٍ لا يَترُكُ مَجالًا لِلالتِباسِ. وهذهِ العَلامةُ ليست سَيفًا، ولا تاجًا، ولا مَوكِبَ فُرسانٍ، بل أمْرُ داوُدَ قائِلًا:
«أَركِبوا سُليمانَ ابني على بَغلَتي» (١ مل ١: ٣٣).
هُنا يَبلُغُ النَّصُّ قِمَّتَهُ اللّاهوتيّةَ. فالبَغلُ المَلِكيُّ، بِخِلافِ الفَرَسِ العَسكريِّ، يُشكِّلُ رَمزَ الاستِمراريّةِ العَهديّةِ. فامتِطاءُ سُليمانَ بَغلَ داوُدَ يَعني:
١. أنَّ داوُدَ، المَلِكَ المَمسوحَ، هو الّذي يُسَلِّمُ شَرعيّتَهُ إلى خَلَفِهِ.
٢. أنَّ العَرشَ لا يَنتَقِلُ عبرَ قوّةِ الأطرافِ السياسيّةِ بل عبرَ إرادةِ اللهِ.
٣. أنَّ الملوكيّةَ الداوديّةَ ليست نِظامًا مُؤسَّسيًّا بل امتِدادٌ لِمَسارِ النُّبوّةِ.
٤. أنَّ الشَّرعيّةَ لا تُكتَسَبُ بالخِداعِ والاحتِفالِ المُصطَنَعِ، بل تُمنَحُ عبرَ رَمزٍ داوديٍّ لا يَملِكُ أحدٌ أن يَنتَحِلَ هُويّتَهُ.
وهكذا، يَنجَحُ ناثانُ في إعادةِ الأمورِ إلى مَسارِها اللّاهوتيِّ، إذ يَقطَعُ الطَّريقَ على «المَلكيّةِ المَصنوعةِ» ويُؤكِّدُ أنّ المُلكَ الحقيقيَّ هو الّذي يَمتلِكُ عَلامَةَ داوُدَ ومَسحَةَ العَهدِ الّتي تَحمِلُهُ منذُ البِدايةِ.
دُخُولُ سُلَيْمَانَ عَلَى بَغْلِ دَاوُدَ صُعُودٌ شَرْعِيٌّ لَا مَوْكِبٌ اسْتِعْرَاضِيّ
عِنْدَمَا يَمْتَطِي سُلَيْمَانُ بَغْلَ دَاوُدَ، لَا يُقَدِّمُ النَّصُّ مَشْهَدًا احْتِفَالِيًّا عَادِيًّا، بَلْ يُعْلِنُ عَنْ اِنْتِقَالِ السُّلْطَانِ وَفْقَ تَرْتِيبٍ إِلَهِيٍّ، لَا وَفْقَ تَوَازُنَاتٍ بَشَرِيَّةٍ. فَالْمَسَارُ الَّذِي يَبْدَأُ عِنْدَ عَيْنِ جِيحُونَ وَيَصِلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَسِيرَةٍ اِنْتِقَالِيَّةٍ، بَلْ هُوَ:
- مَسَارُ مُلْكٍ يُؤَسَّسُ عِنْدَ النَّبْعِ (جِيحُونَ) رَمْزِ الْحَيَاةِ،
- وَيُعْلَنُ أَمَامَ الشَّعْبِ عَبْرَ صَوْتِ الْبُوقِ،
- وَيُخْتَمُ بِمَسْحَةِ صَادُوقَ،
- فَيَتَحَوَّلُ إِلَى مَلُوكِيَّةٍ «وَدِيرِيَّةٍ» تُحِيطُهَا الْمَشْرُوعِيَّةُ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهَا.
إِنَّ اخْتِيَارَ الْبَغْلِ، فِي ضَوْءِ هَذَا الْإِطَارِ الرَّمْزِيِّ، لَا يُعَبِّرُ عَنْ تَوَاضُعٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ عَنْ لَاهُوتِ مُلْكٍ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْقُوَّةِ بَلْ عَلَى الْخُضُوعِ لِلَّهِ. فَالْبَغْلُ، بِخِلَافِ الْفَرَسِ، لَيْسَ مَرْكَبَةَ اِنْتِصَارٍ بَلْ مَرْكَبَةَ «اِسْتِلَامِ عَهْدٍ».إِنَّهُ كُرْسِيٌّ مُتَنَقِّلٌ يُعْلِنُ أَنَّ مَنْ يَجْلِسُ عَلَيْهِ هُوَ اِمْتِدَادٌ لِدَاوُدَ، لَا فِي السُّلْطَةِ فَقَطْ، بَلْ فِي عِلَاقَةِ دَاوُدَ بِاللَّهِ.
أَهَمِّيَّةُ هٰذَا الإِطَارِ لِفَهْمِ دُخُولِ الْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ[6]
لَا يُمْكِنُ الِانْتِقَالُ إِلَى مَشْهَدِ دُخُولِ الْمَسِيحِ عَلَى جَحْشِ ابْنِ أَتَانٍ مِنْ دُونِ هٰذَا الإِعْدَادِ الْكِتَابِيِّ. فَكَمَا أَنَّ دُخُولَ سُلَيْمَانَ كَشَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ مُلْكٍ قَائِمٍ عَلَى الْوَعْدِ وَمُلْكٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الِانْقِلَابِ، كَذٰلِكَ دُخُولُ الْمَسِيحِ سَيَكْشِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ:
- الْمُلْكِ الْأَرْضِيِّ الْمَوْسُومِ بِالْقُوَّةِ،
- وَالْمُلْكِ الْإِلٰهِيِّ الَّذِي يُعْلِنُ ذَاتَهُ فِي الْوَدَاعَةِ وَالصَّلِيبِ،
- وَالشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تُعْطَى مِنَ السَّمَاءِ،
- وَتِلْكَ الَّتِي تُنْتَزَعُ عَبْرَ أَدَوَاتِ الْعَالَمِ.
فَإِذَا كَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ دَخَلَ لِيَجْلِسَ عَلَى عَرْشِ دَاوُدَ، فَإِنَّ يَسُوعَ سَيَدْخُلُ لِيُعْلَنَ مَلِكًا عَلَى عَرْشٍ آخَرَ: عَرْشِ الْجُلْجُلَةِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الْوَدَاعَةُ إِلَى قُوَّةٍ، وَالْمَوْتُ إِلَى مُلْكٍ، وَالصَّلِيبُ إِلَى تَتْوِيجٍ.
الْمَسَارُ الطَّقْسِيُّ–الْمُلُوكِيُّ لِتَنْصِيبِ سُلَيْمَانَ: مِنْ عَيْنِ جِيحُونَ إِلَى عَرْشِ دَاوُدَ[7]
يُقَدِّمُ سِفْرُ الْمُلُوكِ الْأَوَّلُ (الْأُصْحَاحُ 1) سَرْدًا طَقْسِيًّا دَقِيقًا لِحَدَثِ تَنْصِيبِ سُلَيْمَانَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، إِذْ يَتَحَوَّلُ الْمَشْهَدُ مِنْ مُوَاجَهَةٍ سِيَاسِيَّةٍ مَعَ مَشْرُوعِ أَدُونِيَّا الِانْقِلَابِيِّ إِلَى طَقْسٍ لِيتُورْجِيٍّ تَأْسِيسِيٍّ يَنْبَنِي عَلَى الْعَهْدِ الْإِلٰهِيِّ وَيُظْهِرُ هُوِيَّةَ الْمُلْكِ فِي إِسْرَائِيلَ. لَا يَكْتَفِي النَّصُّ بِوَصْفِ تَتْوِيجِ مَلِكٍ جَدِيدٍ، بَلْ يَكْشِفُ بِنْيَةً لَاهُوتِيَّةً طَقْسِيَّةً يُعَادُ فِيهَا تَرْتِيبُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالشَّعْبِ وَالرَّمْزِ، بِحَيْثُ يُصْبِحُ التَّتْوِيجُ حَدَثًا ذَا هُوِيَّةٍ رُوحِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ السِّيَاسَةِ.
«فَنَزَلَ صَادُوقُ الْكَاهِنُ، وَنَاثَانُ النَّبِيُّ، وَبَنَايَا بْنُ يَهُويَادَاعَ، وَالْجَبَابِرَةُ، وَجَمِيعُ الْكِرِيتِيِّينَ وَالْفِلِيتِيِّينَ، وَأَرْكَبُوا سُلَيْمَانَ عَلَى بَغْلَةِ الْمَلِكِ دَاوُدَ، وَسَارُوا بِهِ إِلَى جِيحُونَ. فَأَخَذَ صَادُوقُ الْكَاهِنُ قَرْنَ الزَّيْتِ مِنَ الْخَيْمَةِ وَمَسَحَ سُلَيْمَانَ، وَضَرَبُوا بِالْبُوقِ، وَقَالَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ». وَصَعِدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الشَّعْبُ يَضْرِبُونَ بِالنَّايِ وَيَفْرَحُونَ فَرَحًا عَظِيمًا، حَتَّى انْشَقَّتِ الْأَرْضُ مِنْ صَوْتِهِمْ» (1 مَل 1: 38–40).
أَوَّلًا: جِيحُونُ النَّبْعُ بِوَصْفِهِ جَذْرَ الشَّرْعِيَّةِ[8]
إِنَّ اخْتِيَارَ دَاوُدَ لِعَيْنِ جِيحُونَ لِيَجْرِيَ فِيهَا تَنْصِيبُ سُلَيْمَانَ لَيْسَ اخْتِيَارًا عَشْوَائِيًّا، بَلْ يَحْمِلُ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَالِيَةً. فَالنَّبْعُ فِي الْوَعْيِ الْكِتَابِيِّ مُرْتَبِطٌ بِالْحَيَاةِ وَالْأَصْلِ وَالتَّجَدُّدِ. تَظْهَرُ جِيحُونُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ كَأَحَدِ أَنْهَارِ الْفِرْدَوْسِ: «وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِي جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ» (تَكْ 2: 13)، مَا يَجْعَلُهَا رَمْزًا لِلْعَوْدَةِ إِلَى «الْبِدَايَةِ الْأُولَى». وَهٰكَذَا يَتَجَاوَزُ تَنْصِيبُ سُلَيْمَانَ حُدُودَ الْفِعْلِ السِّيَاسِيِّ لِيَمْتَدَّ إِلَى حَدَثِ تَجْدِيدٍ عَهْدِيٍّ يُسْتَعَادُ فِيهِ «الْحَيَاةُ الْمَلَكِيَّةُ» مِنْ أَصْلِهَا.
إِنَّ الْمُلُوكِيَّةَ فِي إِسْرَائِيلَ لَا تُـمْنَحُ فِي قَاعَاتِ الْحُكْمِ بَلْ عِنْدَ الْمَنَابِعِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ لَيْسَ «مُنْشِئَ الْحَيَاةِ» بَلْ «خَادِمَ الْحَيَاةِ» الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ. مِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ التَّتْوِيجَ يَبْدَأُ عِنْدَ جِيحُونَ: إِنَّهُ عَوْدَةٌ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي يُعِيدُ تَوْجِيهَ الْمَلِكِ مِنْ كَوْنِهِ صَاحِبَ سُلْطَةٍ إِلَى كَوْنِهِ حَامِلَ عَهْدٍ.
ثَانِيًا: الْمَسْحَةُ الْكَهَنُوتِيَّةُ – تَثْبِيتُ الْعَهْدِ عَبْرَ الزَّيْتِ
يَقُومُ صَادُوقُ الْكَاهِنُ بِمَسْحِ سُلَيْمَانَ بِالزَّيْتِ، فِي حُضُورِ نَاثَانَ النَّبِيِّ وَبَنِيَّا بْنِ يَهُويَادَاعَ، بِمَا يُشَكِّلُ مُثَلَّثَ الشَّرْعِيَّةِ فِي إِسْرَائِيلَ:
- النُّبُوَّةُ (نَاثَانُ) الَّتِي تُفَسِّرُ الْحَدَثَ سِيَاسِيًّا وَرُوحِيًّا،
- وَالْكَهَنُوتُ (صَادُوقُ) الَّذِي يُثَبِّتُهُ طَقْسِيًّا،
- وَالْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ (بَنِيَّا) الَّتِي تَحْمِيهِ عَلَى الْمُسْتَوَى الْعَمَلِيِّ. إِذَا كَانَتِ الْمُلُوكِيَّةُ هِيَ امْتِدَادًا لِعَمَلِ اللهِ فِي التَّارِيخِ، فَالزَّيْتُ هُوَ الْوَسِيطُ الطَّقْسِيُّ الَّذِي يَنْقُلُ هٰذَا الِامْتِدَادَ مِنْ مُسْتَوَى الْوَعْدِ إِلَى مُسْتَوَى الْفِعْلِ. وَهٰكَذَا تُفْهَمُ الْمَسْحَةُ لَا كَطَقْسٍ احْتِفَالِيٍّ، بَلْ كَإِعْلَانٍ لَاهُوتِيٍّ بِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ الَّذِي يَخْتَارُ الْمَلِكَ وَيُثَبِّتُهُ.
وَلِأَنَّ الْمَسْحَةَ تَجْرِي عِنْدَ النَّبْعِ، يَتَوَحَّدُ الزَّيْتُ وَالْمَاءُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، لِتُولَدَ الْمُلُوكِيَّةُ الْجَدِيدَةُ مِنْ رَحِمِ الْحَيَاةِ وَمِنْ سِرِّ حُضُورِ اللهِ.
ثَالِثًا: صَوْتُ الْبُوقِ إِعْلَانٌ جَمَاعِيٌّ لِلشَّرْعِيَّةِ الْعَهْدِيَّةِ
بَعْدَ الْمَسْحَةِ، يُضْرَبُ الْبُوقُ، وَيَرْتَفِعُ هُتَافُ الشَّعْبِ: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ!» (1 مَل 1: 39).
الْبُوقُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ لَيْسَ أَدَاةً صَوْتِيَّةً عَادِيَّةً، بَلْ هُوَ رَمْزُ الْإِعْلَانِ الْإِلٰهِيِّ:
- يُسْتَخْدَمُ فِي تَأْسِيسِ الْعُهُودِ: «وَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أَنَّهُ صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابَةٌ ثَقِيلَةٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَصَوْتُ بُوقٍ شَدِيدٌ جِدًّا، فَارْتَعَدَ الشَّعْبُ الَّذِي فِي الْمَحَلَّةِ» (خُر 19: 16)،
- وَفِي بَدَايَةِ الْأَعْيَادِ: «فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ يَكُونُ لَكُمْ عُطْلَةُ ذِكْرَى هُتَافِ الْبُوقِ مَحْفِلًا مُقَدَّسًا» (لَاوِيِّينَ 23: 24)،
- وَفِي الْحُرُوبِ الَّتِي فِيهَا الرَّبُّ هُوَ الْقَائِدُ: «فَدَعَا يَشُوعُ بْنُ نُونٍ الْكَهَنَةَ وَقَالَ لَهُمْ: احْمِلُوا تَابُوتَ الْعَهْدِ، وَلْيَحْمِلْ سَبْعَةُ أَبْوَاقٍ مِنْ قُرُونِ الْكِبَاشِ أَمَامَ تَابُوتِ الْعَهْدِ» (يَش 6: 6)،
- وَفِي تَتْوِيجِ الْمُلُوكِ الشَّرْعِيِّينَ: «وَلْيَمْسَحْهُ صَادُوقُ الْكَاهِنُ وَنَاثَانُ النَّبِيُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَاضْرِبُوا بِالْبُوقِ وَقُولُوا: لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ» (1 مَل 1: 34).
إِنَّ ضَرْبَ الْبُوقِ بَعْدَ الْمَسْحَةِ يُشَكِّلُ انْتِقَالَ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ دَائِرَةِ النُّبُوَّةِ وَالْكَهَنُوتِ إِلَى دَائِرَةِ الشَّعْبِ. فَالشَّعْبُ يَدْخُلُ الْمَشْهَدَ لَا بِوَصْفِهِ جُمْهُورًا سِيَاسِيًّا، بَلْ كَجَمَاعَةِ تَشْهَدُ عَلَى إِرَادَة الله فِي اخْتِيَارِ هٰذَا الْمَلِكِ دُونَ غَيْرِهِ. هٰكَذَا تُصْبِحُ الْمُلُوكِيَّةُ حَدَثًا شَعْبِيًّا لَاهُوتِيًّا يَتَجَاوَزُ الْأَشْخَاصَ لِيُصْبِحَ شَهَادَةً لِلَّهِ الْعَامِلِ فِي التَّارِيخِ.
رَابِعًا: دُخُولُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَسَارِ إِلَى الْعَرْشِ
«صَعِدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَرَاءَ سُلَيْمَانَ» (1 مَل 1: 40).
هٰذَا الصُّعُودُ لَيْسَ حَرَكَةً جُغْرَافِيَّةً بَيْنَ مَكَانَيْنِ، بَلْ هُوَ حَرَكَةٌ لِيتُورْجِيَّةٌ تَجْعَلُ الشَّعْبَ جُزْءًا مِنْ طَقْسِ التَّتْوِيجِ. فَكَمَا كَانَتْ إِسْرَائِيلُ تَصْعَدُ خَلْفَ تَابُوتِ الْعَهْدِ، هَا هِيَ الْآنَ تَصْعَدُ خَلْفَ الْمَلِكِ الْمَمْسُوحِ، لِأَنَّ الْمُلُوكِيَّةَ الدَّاوُدِيَّةَ هِيَ امْتِدَادٌ لَاهُوتِيٌّ لِحُضُورِ اللهِ، لَا مُجَرَّدَ سُلْطَةٍ زَمَنِيَّةٍ.
إِنَّ الدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ يُعْلِنُ «اسْتِقْرَارَ الْعَهْدِ» فِي الْمَدِينَةِ، فَالْعَرْشُ لَيْسَ مَقْعَدَ حُكْمٍ بِقَدْرِ مَا هُوَ عَلَامَةُ حُضُورٍ إِلٰهِيٍّ فِي شَعْبِهِ. وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ دُخُولُ سُلَيْمَانَ إِلَى طَقْسٍ تَأْسِيسِيٍّ تُنْقَلُ فِيهِ الْمَدِينَةُ مِنْ حَالَةِ الِاضْطِرَابِ إِلَى حَالَةِ الْوَحْدَةِ، وَيُعَادُ فِيهَا تَرْتِيبُ الْحَيَاةِ الْمَلَكِيَّةِ حَوْلَ الْوَعْدِ الْإِلٰهِيِّ.
خَامِسًا: انْكِشَافُ تَهَافُتِ مَشْرُوعِ أَدُونِيَّا أَمَامَ الشَّرْعِيَّةِ الْعَهْدِيَّةِ
يُظْهِرُ النَّصُّ أَنَّ مَشْرُوعَ أَدُونِيَّا لَمْ يَحْتَمِلْ لَحْظَةَ إِعْلَانِ الشَّرْعِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ. فَعِنْدَمَا يَصِلُ إِلَى مَسَامِعِ الْمَدْعُوِّينَ خَبَرُ مَسْحِ سُلَيْمَانَ وَهُتَافِ الشَّعْبِ، «ارْتَجَفَ جَمِيعُ الْمَدْعُوِّينَ» (1 مَل 1: 49). يَسْتَخْدِمُ الْكَاتِبُ فِعْلَ «الِارْتِجَافِ» لِيَصِفَ سُقُوطَ الشَّرْعِيَّةِ الْبَاطِلَةِ أَمَامَ الْوُضُوحِ الْعَهْدِيِّ الَّذِي تَمَّ تَثْبِيتُهُ عَبْرَ الطَّقْسِ الْإِلٰهِيِّ.
هٰكَذَا يَتَقَابَلُ مَشْهَدَانِ:
- مَشْرُوعُ أَدُونِيَّا الْمَبْنِيُّ عَلَى الذَّبَائِحِ وَالْمَرْكَبَاتِ وَالْوَلَائِمِ،
- وَتَتْوِيجُ سُلَيْمَانَ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْمَسْحَةِ وَالْبَغْلِ وَالْبُوقِ وَالنَّبْعِ.
تَكْشِفُ هٰذِهِ الْمُقَارَنَةُ أَنَّ الْمُلْكَ الَّذِي يُبْنَى عَلَى أَدَوَاتِ الْبَشَرِ يَسْقُطُ عِنْدَ أَوَّلِ مُوَاجَهَةٍ مَعَ الْمُلْكِ الَّذِي يُؤَسَّسُ عَلَى عَهْدِ اللهِ.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ: لِمَاذَا الرَّبط بين سليمان والمسيح؟
يُقَدِّمُ هٰذَا الطَّقْسُ الْمَلَكِيُّ نَمُوذَجًا فَرِيدًا يُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ دُخُولِ الْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، لِأَنَّ:
1. كِلَا الدُّخُولَيْنِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَسَارٍ رَمْزِيٍّ يَبْدَأُ خَارِجَ الْعَرْشِ وَيَنْتَهِي دَاخِلَهُ.
2. كِلَاهُمَا يَرْفُضُ مَرْكَبَةَ الْحَرْبِ (الْفَرَسَ) وَيَتَبَنَّى حَيَوَانًا «غَيْرَ مَلَكِيٍّ» بِوَصْفِهِ حَامِلًا لِلشَّرْعِيَّةِ.
3. كِلَاهُمَا يَتَرَافَقُ بِصَوْتِ الشَّعْبِ الَّذِي يُعْلِنُ الْمَلِكَ وِفْقَ إِرَادَةِ اللهِ.
4. كِلَاهُمَا يَحْمِلُ مَعْنَى «الشَّرْعِيَّةِ الْإِلٰهِيَّةِ» مُقَابِلَ الشَّرْعِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ.
5. كِلَاهُمَا يُؤَسِّسُ لِمَفْهُومٍ جَدِيدٍ لِلْمُلْكِ:
سُلَيْمَانُ لِمُلْكِ الْحِكْمَةِ،
وَالْمَسِيحُ لِمُلْكِ الصَّلِيبِ.
الْبُعْدُ الرَّمْزِيُّ لِلْبَغْلِ فِي الْمُلُوكِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ: شَرْعِيَّةُ الْعَهْدِ وَإِعَادَةُ تَعْرِيفِ الْقُوَّةِ الْمَلَكِيَّةِ[9]
يَحْتَلُّ الْبَغْلُ مَوْقِعًا فَرِيدًا فِي مَشْهَدِ تَنْصِيبِ سُلَيْمَانَ، لَيْسَ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةَ نَقْلٍ وَظِيفِيَّةً، بَلْ بِوَصْفِهِ عَلَامَةً لَاهُوتِيَّةً رَمْزِيَّةً تُجَسِّدُ هُوِيَّةَ الْمُلُوكِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ وَامْتِدَادَهَا الْعَهْدِيَّ. فَالِاخْتِيَارُ الدَّقِيقُ لِلْبَغْلِ الْمَلَكِيِّ فِي لَحْظَةِ انْتِقَالِ السُّلْطَةِ مِنْ دَاوُدَ إِلَى سُلَيْمَانَ يَحْمِلُ شُحْنَةً دَلَالِيَّةً تَتَجَاوَزُ الْمُسْتَوَى السِّيَاسِيَّ، لِتَكْشِفَ عَنْ تَصَوُّرٍ كِتَابِيٍّ مُغَايِرٍ لِطَبِيعَةِ الْمُلْكِ، يَرْفُضُ مَنْطِقَ الْقُوَّةِ التَّقْلِيدِيَّ، وَيُعِيدُ تَعْرِيفَ السُّلْطَانِ بِوَصْفِهِ خِدْمَةَ عَهْدٍ لَا اسْتِعْرَاضًا لِهَيْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ.
أَوَّلًا: الْبَغْلُ بِوَصْفِهِ وِعَاءً لِلشَّرْعِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ
يَصْدُرُ دَاوُدُ أَمْرَهُ الْحَاسِمَ:
«أَرْكِبُوا سُلَيْمَانَ ابْنِي عَلَى بَغْلَتِي» (1 مَل 1: 33).
لَا يَسْتَعِيرُ دَاوُدُ بَغْلًا مِنَ الْحَاشِيَةِ، وَلَا يَسْتَبْدِلُهُ بِفَرَسٍ مَلَكِيٍّ، وَلَا يَلْجَأُ إِلَى مَرْكَبَةٍ احْتِفَالِيَّةٍ. بَلْ يَطْلُبُ اسْتِخْدَامَ بَغْلَتِهِ هُوَ، بِمَا يَجْعَلُ هٰذَا الْحَيَوَانَ حَامِلًا لِلشَّرْعِيَّةِ بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ. فَالْبَغْلُ، فِي هٰذَا السِّيَاقِ، هُوَ:
- رَمْزُ الْهُوِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِدَاوُدَ نَفْسِهِ،
- دَلَالَةٌ عَلَى وَحْدَةِ الْعَرْشِ عَبْرَ الْأَجْيَالِ،
- أَدَاةُ تَمَثُّلٍ لِلْمَسَارِ الدَّاوُدِيِّ لَا لِلْمَظَاهِرِ الْعَسْكَرِيَّةِ،
- شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُلْكَ لَا يُنْتَزَعُ بَلْ يُسَلَّمُ بِإِرَادَةِ مُؤَسِّسِهِ.
وَبِذٰلِكَ، يَتَجَاوَزُ الْبَغْلُ كَوْنَهُ عُنْصُرًا لُوجِسْتِيًّا لِيُصْبِحَ كُرْسِيًّا مُتَنَقِّلًا لِلشَّرْعِيَّةِ، يَتَجَسَّدُ فِيهِ انْتِقَالُ الْعَهْدِ مِنَ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ.
ثَانِيًا: الْبَغْلُ كَرَفْضٍ وَاعٍ لِلْفَرَسِ بِوَصْفِهِ رَمْزَ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ
فِي الثَّقَافَاتِ الْمُحِيطَةِ بِإِسْرَائِيلَ، يُعَدُّ الْفَرَسُ رَمْزًا لِلْمَهَابَةِ الْمَلَكِيَّةِ وَالِانْتِصَارِ الْعَسْكَرِيِّ. غَيْرَ أَنَّ اللَّاهُوتَ الْعِبْرِيَّ يَقْلِبُ هٰذِهِ الرَّمْزِيَّةَ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ، فَيَجْعَلُ الْفَرَسَ رَمْزًا لِلِاتِّكَالِ الْبَشَرِيِّ الْمَرْفُوضِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِ الْمَزْمُورِ:
«هٰؤُلَاءِ بِالْمَرْكَبَاتِ وَهٰؤُلَاءِ بِالْخُيُولِ، أَمَّا نَحْنُ فَبِاسْمِ الرَّبِّ إِلٰهِنَا نَذْكُرُ» (مَز 20: 7).
إِنَّ رَفْضَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ اسْتِعْمَالَ الْفَرَسِ لِلدُّخُولِ الْمَلَكِيِّ يُشَكِّلُ:
1. مَوْقِفًا لَاهُوتِيًّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُلُوكِيَّةَ لَيْسَتِ امْتِدَادًا لِلسُّلْطَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ بَلْ لِلْعَهْدِ الْإِلٰهِيِّ.
2. نَقْدًا ضِمْنِيًّا لِلْمُلُوكِ الَّذِينَ يَبْنُونَ شَرْعِيَّتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ.
3. تَجْذِيرًا لِمَفْهُومِ الْقُوَّةِ الْهَادِئَةِ الَّتِي لَا تَعْتَمِدُ عَلَى اسْتِعْرَاضَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ.
- الْبَغْلُ، فِي هٰذَا الْمَعْنَى، هُوَ نَقِيضُ الْفَرَسِ:
- رَمْزُ عَهْدٍ لَا قُوَّةٍ، وَمَسَارُ حِكْمَةٍ لَا حَرْبٍ.
ثَالِثًا: الْبَغْلُ كَرَمْزِ انْتِقَالٍ مِنْ مَمْلَكَةِ الْحَرْبِ إِلَى مَمْلَكَةِ الْحِكْمَةِ
يَحْمِلُ الْبَغْلُ دَلَالَةً إِضَافِيَّةً تَرْتَبِطُ بِطَبِيعَتِهِ «الْهَجِينَةِ»؛ فَهُوَ نِتَاجُ تَزَاوُجٍ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالْفَرَسِ. هٰذِهِ الطَّبِيعَةُ الْوُسْطَى لَيْسَتْ عَلَامَةَ ضَعْفٍ، بَلْ عَلَامَةَ مَرْحَلَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ تُعَبِّرُ عَنِ الِانْتِقَالِ مِنْ:
- نَمُوذَجِ دَاوُدَ الْمَلِكِ الْمُحَارِبِ،
- إِلَى نَمُوذَجِ سُلَيْمَانَ الْمَلِكِ الْحَكِيمِ.
- الْبَغْلُ، يَعْكِسُ هُوِيَّةَ الْمُلُوكِيَّةِ الْجَدِيدَةِ:
- مُلْك يَسْعَى إِلَى الِاسْتِقْرَارِ وَالْبِنَاءِ، لَا إِلَى الصِّرَاعِ الْعَسْكَرِيِّ.
رَابِعًا: الْبَغْلُ بِوَصْفِهِ مَرْكَبَةَ عَهْدٍ
يُحَمِّلُ النَّصُّ الْبَغْلَ مَعْنًى شَبِيهًا بِوَظِيفَةِ «الْعَرْشِ» أَوْ «كُرْسِيِّ الْمَمْلَكَةِ». فَهُوَ لَيْسَ مِلْكِيَّةً شَخْصِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ:
- حَامِلٌ لِذَاكِرَةِ دَاوُدَ،
- شَاهِدٌ عَلَى وُعُودِ اللهِ،
- وِعَاءٌ لِانْتِقَالِ الْوَصِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ،
- وَرَمْزٌ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّارِيخِ وَاللَّاهُوتِ.
فَالْمَلِكُ الَّذِي يَعْتَلِي بَغْلَ دَاوُدَ لَا يَتَّكِئُ عَلَى رَصِيدِهِ الشَّخْصِيِّ، بَلْ يَدْخُلُ إِلَى الْمُلُوكِيَّةِ عَبْرَ رَمْزِ عَهْدٍ سَابِقٍ عَلَيْهِ. وَهٰذَا مَا يُمَيِّزُ الْمُلُوكِيَّةَ فِي إِسْرَائِيلَ عَنْ غَيْرِهَا: أَنَّهَا لَا تُبْنَى عَلَى إِرَادَةِ الْمَلِكِ، بَلْ عَلَى امْتِثَالِ الْمَلِكِ لِإِرَادَةِ اللهِ.
خَامِسًا: دُخُولُ أُورُشَلِيمَ – اسْتِقْرَارُ الْعَهْدِ فِي قَلْبِ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ
إِنَّ دُخُولَ سُلَيْمَانَ إِلَى أُورُشَلِيمَ عَلَى بَغْلِ دَاوُدَ يُمَثِّلُ أَكْثَرَ مِنِ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ؛ فَهُوَ:
- تَثْبِيتٌ لِلْمُلْكِ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الرَّبُّ،
- إِعْلَانٌ بِأَنَّ أُورُشَلِيمَ لَيْسَتْ مَرْكِزًا سِيَاسِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ مَرْكِزًا لِلْعَهْدِ،
- رَبْطٌ بَيْنَ مَسَارِ الْمَاءِ (جِيحُونَ) وَمَسَارِ الْمَلِكِ (أُورُشَلِيمَ)،
- دَمْجٌ بَيْنَ الرَّمْزِ وَالْمَكَانِ لِتَشْكِيلِ بِنْيَةٍ مَلُوكِيَّةٍ ذَاتِ طَابِعٍ لِيتُورْجِيٍّ وَاضِحٍ.
يَدْخُلُ سُلَيْمَانُ الْمَدِينَةَ عَلَى رَمْزِ الْعَهْدِ، لَا عَلَى رَمْزِ الْقُوَّةِ، مَا يَجْعَلُ دُخُولَهُ طَقْسًا مِنْ طُقُوسِ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِيَّةِ الْإِلٰهِيَّةِ فِي قَلْبِ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
الْبُعْدُ الْمُقَارِنُ: نَحْوَ تَمْهِيدٍ لِقِرَاءَةِ دُخُولِ الْمَسِيحِ
إِنَّ تَحْلِيلَ الْبَغْلِ فِي الْمُلُوكِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ لَيْسَ هَدَفًا مَعْزُولًا، بَلْ خُطْوَةٌ تَمْهِيدِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِفَهْمٍ لَاحِقٍ لِدُخُولِ الْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ عَلَى جَحْشِ ابْنِ أَتَانٍ. ذٰلِكَ أَنَّ:
- الْبَغْلَ = رَمْزُ الْمُلُوكِيَّةِ الْعَهْدِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ.
- الْجَحْشَ = رَمْزُ الْمُلُوكِيَّةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ.
وَكِلَاهُمَا يُعَبِّرُ عَنْ:
- رَفْضِ الْفَرَسِ وَمَنْطِقِ الْقُوَّةِ،
- اعْتِمَادِ مَسَارِ الْوُضُوحِ الْإِلٰهِيِّ بَدَلَ الِاسْتِعْرَاضِ الْبَشَرِيِّ،
- تَأْكِيدِ أَنَّ الْمُلْكَ يُعْطَى مِنَ اللهِ لَا يُنْتَزَعُ بِقُوَّةِ الْإِنْسَانِ.
وَهٰكَذَا يُصْبِحُ «الْبَغْلُ» أَسَاسًا رَمْزِيًّا يُمَهِّدُ لِفَهْمِ «الْجَحْشِ»، وَيُظْهِرُ أَنَّ الْمُلُوكِيَّةَ الَّتِي بَدَأَتْ بِالْحِكْمَةِ فِي سُلَيْمَانَ سَتَبْلُغُ كَمَالَهَا بِالْوَدَاعَةِ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
الشَّرْعِيَّةُ الْعَهْدِيَّةُ مُقَابِلَ الشَّرْعِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ: تَهَافُتُ مَشْرُوعِ أَدُونِيَّا وَإِشْرَاقُ مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ[10]
لَا يَكْتَفِي النَّصُّ الْكِتَابِيُّ بِعَرْضِ رُمُوزِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ، بَلْ يَعْمِدُ إِلَى وَضْعِهَا فِي مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ مَشْرُوعِ أَدُونِيَّا، لِيُظْهِرَ بِوُضُوحٍ أَنَّ الْمُلُوكِيَّةَ فِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَتْ مَسْأَلَةَ وِرَاثَةٍ سِيَاسِيَّةٍ وَلَا صِرَاعَ قُوًى، بَلْ وُقُوفٌ دَاخِلَ خَطِّ الْعَهْدِ أَوْ خَارِجَهُ.
وَبِذٰلِكَ تَتَحَوَّلُ رِوَايَةُ خَلِيفَةِ دَاوُدَ إِلَى مُخْتَبَرٍ لَاهُوتِيٍّ يَكْشِفُ طَبِيعَةَ السُّلْطَانِ، وَيُحَدِّدُ مَعَايِيرَ الْمُلُوكِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيُهَيِّئُ الْقَارِئَ لِفَهْمِ طَبِيعَةِ الْمَلَكُوتِ الْمَسِيحَانِيِّ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ.
أَوَّلًا: انْهِيَارُ الشَّرْعِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ ارْتِجَافُ الْمَدْعُوِّينَ وَانْكِشَافُ الْفَرَاغِ اللَّاهُوتِيِّ
يُسَجِّلُ النَّصُّ لَحْظَةً حَاسِمَةً حِينَ يَسْمَعُ الْمَدْعُوُّونَ إِلَى وَلِيمَةِ أَدُونِيَّا صَوْتَ الْبُوقِ الَّذِي أَعْلَنَ مَسْحَ سُلَيْمَانَ:
«فَارْتَجَفَ جَمِيعُ الْمَدْعُوِّينَ» (1 مَل 1: 49).
إِنَّ اخْتِيَارَ الْكَاتِبِ لِفِعْلِ «ارْتَجَفَ» لَا يَعْكِسُ مُجَرَّدَ خَوْفٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ يُعَبِّرُ عَنْ إِدْرَاكٍ فَجَائِيٍّ لِانْكِشَافِ زَيْفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي حَاوَلَ أَدُونِيَّا أَنْ يُقِيمَهَا. فَالْوَلِيمَةُ الَّتِي أُعِدَّتْ لِإِخْفَاءِ الِانْقِلَابِ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَسْرَحٍ لِانْهِيَارِ الْهَيْبَةِ الْمُصْطَنَعَةِ، إِذْ تُوَاجِهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ إِعْلَانَ الشَّرْعِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّذِي حَمَلَ:
- رَمْزَ دَاوُدَ (الْبَغْلَ)
- وَالنُّبُوَّةَ (نَاثَانَ)،
- الْكَهَنُوتَ (صَادُوقَ)،
- كُلَّ الشَّعْبِ (الْهُتَافَ الْعَامَّ)،
- طَقْسَ الْمَسْحَةِ (الزَّيْتَ عِنْدَ جِيحُونَ).
إِنَّ الِارْتِجَافَ يُعَبِّرُ عَنْ انْهِيَارِ «الْأَمَانِ الرَّمْزِيِّ» الَّذِي حَاوَلَ أَدُونِيَّا أَنْ يَبْنِيَهُ عَبْرَ الْمَرْكَبَاتِ وَالذَّبَائِحِ، وَكَأَنَّ النَّصَّ يَقُولُ:
إِنَّ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي لَا تَقُومُ عَلَى الْعَهْدِ تَنْهَارُ أَمَامَ أَوَّلِ تَجَلٍّ لِإِرَادَةِ اللهِ.
ثَانِيًا: التَّفَوُّقُ الْبِنْيَوِيُّ لِمُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ رُمُوزُ الْوَعْدِ مُقَابِلَ رُمُوزِ السُّلْطَةِ
يُقِيمُ النَّصُّ مُقَارَنَةً ضِمْنِيَّةً بَيْنَ مَشْرُوعِ أَدُونِيَّا وَبَيْنَ مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ، تَجْعَلُ الْقَارِئَ يَرَى بِوُضُوحٍ…
| ادونيا | سليمان | عنصر الشرعية |
| لا | نعم | المسحة |
| غياب كامل | بغل داود | رمز داود |
| مستبعد | ناتان | النبوَّة |
| ابياتار (غير شرعي) | صادوق | الكهنوت |
| يوآب (متحرر سابق) | بنيَّا | حماية العرش |
| عين روجل (حي خارجي) | جيجون (نبع الحياة) | الموقع |
| منتقى لأغراض سياسية | حاضر وفاعل | الشعب |
| لا | نعم | البوق |
هٰذِهِ الْمُقَارَنَةُ تَكْشِفُ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَأَسَّسُ عَلَى «تَجْمِيعِ مَوَارِدِ السُّلْطَةِ»، بَلْ عَلَى مُطَابَقَةِ إِرَادَةِ الْمَلِكِ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ.
فَالْمُوَازِي الدَّقِيقُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ سَيَظْهَرُ عِنْدَمَا يُقَارِنُ الْإِنْجِيلِيُّونَ بَيْنَ:
الْمَسِيحِ الَّذِي يَدْخُلُ أُورُشَلِيمَ عَلَى جَحْشِ ابْنِ أَتَانٍ مُسْتَوْفِيًا النُّبُوَّةَ (زَك 9: 9)،
وَبَيْنَ مُلُوكِ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ عَلَى الْخَيْلِ حَامِلِينَ أَدَوَاتِ الْحَرْبِ.
ثَالِثًا: الْعَهْدُ كَقَلْبِ الْمُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانُ بِوَصْفِهِ حَامِلَ الْمَسَارِ الْإِلٰهِيِّ
إِنَّ كُلَّ الْعناصر الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا النَّصُّ لِتَوْصِيفِ مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ: الْبَغْلَ، النَّبْعَ، الْمَسْحَةَ، الْبُوقَ، الْمَدِينَةَ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رُمُوزٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بَلْ تَتَجَمَّعُ لِتُكَوِّنَ مَنْظُومَةً وَاحِدَةً تُعَبِّرُ عَنْ فِكْرَةٍ مَرْكِزِيَّةٍ:
الْمَلِكُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَمْشِي فِي خَطِّ الْعَهْدِ، لَا الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَبْرَ أَدَوَاتِ الْقُوَّةِ.
وَهُنَا يَبْرُزُ سُلَيْمَانُ بِوَصْفِهِ:وَارِثًا شَرْعِيًّا لَيْسَ بِالنَّسَبِ فَقَطْ،بَلْ بِالِامْتِثَالِ لِوَعْدِ اللهِ الَّذِي أَعْلَنَهُ نَاثَانُ لِدَاوُدَ.
إِنَّ الشَّرْعِيَّةَ لَدَى سُلَيْمَانَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اسْتِلَامِ عَرْشٍ مِنْ أَبِيهِ، بَلْ اسْتِلَامُ رِسَالَةٍ.
فَالْعَرْشُ فِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ قِطْعَةَ أَثَاثٍ، بَلْ عَلَامَةُ خِدْمَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُوَجَّهَةٍ لِلشَّعْبِ تَحْتَ سِيَادَةِ اللهِ.
رَابِعًا: هٰذَا النَّمُوذَجُ التَّأْسِيسِيُّ بِوَصْفِهِ خَلْفِيَّةً لَاهُوتِيَّةً لِدُخُولِ الْمَسِيحِ
ان الْغَايَةُ مِنْ تَحْلِيلِ مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ لَيْسَتْ تَقْدِيمَ مَادَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ تَمْهِيدُ الطَّرِيقِ لِقِرَاءَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ لِمَشْهَدِ دُخُولِ الْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، لِأَنَّ:
1. كَمَا سَقَطَتْ شَرْعِيَّةُ أَدُونِيَّا أَمَامَ رَمْزِ الْعَهْدِ،كَذٰلِكَ سَتَسْقُطُ تَوَقُّعَاتُ الْفَرَيسِيِّينَ والشَّعْبِ الْخَاطِئَةُ أَمَامَ رَمْزِ الْجَحْشِ.
2. كَمَا أُعْلِنَ سُلَيْمَانُ مَلِكًا عَبْرَ مَسَارٍ يَرْبِطُ النَّبْعَ بِالْمَدِينَةِ،كَذٰلِكَ سَيُعْلَنُ يَسُوعُ مَلِكًا عَبْرَ مَسَارٍ يَرْبِطُ بَيْتَ عَنْيَا بِالْهَيْكَلِ.
3. كَمَا جَرَى رَفْضُ الْفَرَسِ فِي مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ، كَذٰلِكَ يَتَجَنَّبُ الْمَسِيحُ الْفَرَسَ كَيْ لَا يُفْهَمَ مُلْكُهُ عَلَى أَنَّهُ مُلْكٌ أَرْضِيٌّ.
4. كَمَا كَانَ الْبَغْلُ عَلَامَةَ انْتِقَالِ عَهْدِ دَاوُدَ، كَذٰلِكَ سَيَكُونُ الْجَحْشُ عَلَامَةَ إِعْلَانِ مَلَكُوتِ اللهِ.
بِهٰذَا يُصْبِحُ فَهْمُ مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا التَّارِيخِيَّةِ وَالرَّمْزِيَّةِ شَرْطًا ضَرُورِيًّا لِفَهْمِ ثِقَلِ دُخُولِ الْمَسِيحِ عَلَى جَحْشِ ابْنِ أَتَانٍ، وَلِإِدْرَاكِ لِمَاذَا اعْتَبَرَ الْإِنْجِيلِيُّونَ هٰذَا الْحَدَثَ ذُرْوَةَ الْإِعْلَانِ الْمَلُوكِيِّ فِي حَيَاةِ يَسُوعَ.
خَامِسًا: الشَّرْعِيَّةُ الْعَهْدِيَّةُ كَنَمُوذَجٍ نَقْدِيٍّ لِلْمُلْكِ الْبَشَرِيِّ
إِنَّ مَا يَكْشِفُهُ النَّصُّ مِنْ تَهَافُتِ «الشَّرْعِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ» وَارْتِجَافِ الْمَدْعُوِّينَ هُوَ تَذْكِيرٌ صَارِخٌ بِأَنَّ كُلَّ مُلْكٍ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى الْعَهْدِ الْإِلٰهِيِّ قَابِلٌ لِلسُّقُوطِ، مَهْمَا بَدَا قَوِيًّا فِي الظَّاهِرِ.
وَهٰكَذَا تَتَأَسَّسُ قَاعِدَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ سَتَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا فِي الْمَسِيحِ:
الْمَلَكُوتُ لَا يُبْنَى عَلَى الْقُوَّةِ، بَلْ عَلَى الْحَقِّ. وَالْحَقُّ لَا يُفْرَضُ، بَلْ يُعْلَنُ.
مَعَ نِهَايَةِ هٰذَا التَّحْلِيلِ، سأنتقل معك ايها القارىء مِنْ «مُلُوكِيَّةِ الْحِكْمَةِ» فِي سُلَيْمَانَ إِلَى «مُلُوكِيَّةِ الصَّلِيبِ» فِي يَسُوعَ، حَيْثُ سَيُعَادُ تَعْرِيفُ الْمُلْكِ لَا بِوَصْفِهِ امْتِلَاكًا لِلْمَدِينَةِ، بَلْ بِوَصْفِهِ تَسْلِيمَ الْمَدِينَةِ إِلَى خَلَاصِهَا.
دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ: إِعَادَةُ تَأْسِيسِ الْمُلُوكِيَّةِ بَيْنَ النُّبُوءَةِ وَالْعَهْدِ وَالرَّمْزِ[11]
يُمَثِّلُ دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ ذُرْوَةً لَاهُوتِيَّةً دَاخِلَ الْأَنَاجِيلِ الْإِزَائِيَّةِ، إِذْ يَتَحَوَّلُ هٰذَا الدُّخُولُ مِنْ مَشْهَدٍ احْتِفَالِيٍّ بَسِيطٍ إِلَى إِعْلَانٍ مَلَكُوتِيٍّ يُعِيدُ صِيَاغَةَ مَفْهُومِ الْمُلُوكِيَّةِ فِي ضَوْءِ الْوَعْدِ، وَيَكْشِفُ عَنْ هُوِيَّةِ الْمَسِيحِ بِوَصْفِهِ مَلِكًا لَا يُشْبِهُ مُلُوكَ الْأَرْضِ، بَلْ يُعِيدُ كِتَابَةَ النَّمُوذَجِ الدَّاوُدِيِّ بِمُسْتَوًى جَدِيدٍ يُكَمِّلُهُ وَيَفُوقُهُ.
وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا فِي بَحْثِنَا قَدْ أَظْهَرَ الْبِنْيَةَ الْعَهْدِيَّةَ الرَّمْزِيَّةَ لِدُخُولِ سُلَيْمَانَ عَلَى بَغْلِ دَاوُدَ، فَإِنَّ مَا سَنَعْرِضُهُ الْآنَ يُبَيِّنُ كَيْفَ أَنَّ يَسُوعَ يَأْخُذُ الْعَنَاصِرَ ذَاتِهَا الطَّرِيقَ، الْحَيَوَانَ، الْمَدِينَةَ، الْجَمَاعَةَ، الْهُتَافَ لِيُعِيدَ تَشْكِيلَهَا فِي اتِّجَاهٍ مَلُوكِيٍّ جَدِيدٍ يَتَجَاوَزُ التَّارِيخَ، دُونَ أَنْ يُلْغِيَهُ.
أَوَّلًا: الْخَلْفِيَّةُ النُّبُوِيَّةُ زَكَرِيَّا 9: 9 بِوَصْفِهَا الْمِفْتَاحَ التَّأْوِيلِيَّ
يُرَكِّزُ الْإِنْجِيلِيُّونَ الثَّلَاثَةُ، وَخَاصَّةً مَتَّى (21: 4–5) وَيُوحَنَّا (12: 12–16)، عَلَى نُبُوءَةِ زَكَرِيَّا:
«هُوذَا مَلِكُكَ يَأْتِيكَ وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى جَحْشِ ابْنِ أَتَانٍ».
هٰذِهِ النُّبُوءَةُ لَيْسَتِ اخْتِيَارًا اسْتِعَادِيًّا، بَلْ هِيَ:عَدَسَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ لِفَهْمِ الْحَدَثِ،نَصٌّ تَأْسِيسِيٌّ يُمَيِّزُ مَلَكُوتَ الْمَسِيحِ عَنْ مُلُوكِيَّةِ الْقُوَّةِ،جِسْرٌ مُبَاشِرٌ يَرْبِطُ بَيْنَ مَمْلَكَةِ دَاوُدَ وَمَمْلَكَةِ اللهِ.يَأْتِي الْمَلِكُ «وَدِيعًا»، لَا «جَبَّارًا»، فِي مُفَارَقَةٍ تُعِيدُ تَعْرِيفَ الْقُوَّةِ.وَهٰذَا الْوَصْفُ لَا يَعْنِي ضَعْفًا، بَلْ يَعْنِي أَنَّ الْمَلِكَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ عِنْدِ اللهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَدَوَاتِ الْهَيْمَنَةِ.
وَبِهٰذَا يَضَعُ يَسُوعُ نَفْسَهُ دَاخِلَ خَطِّ الْوَعْدِ الدَّاوُدِيِّ، وَلَكِنْ عَلَى مُسْتَوًى جَدِيدٍ، حَيْثُ لَا تُسْتَبْدَلُ مَمْلَكَةُ الْحَرْبِ بِمَمْلَكَةِ الْحِكْمَةِ كَمَا فِي سُلَيْمَانَ، بَلْ تُسْتَبْدَلُ مَمْلَكَةُ الْقُوَّةِ بِمَمْلَكَةِ الصَّلِيبِ.
ثَانِيًا: اخْتِيَارُ الْحَيَوَانِ جَحْشُ ابْنِ أَتَانٍ أَمْ فَرَسُ الْحَرْبِ؟
كَمَا تَكَلَّمْنَا فِي الصَّفَحَاتِ السَّابِقَةِ عَنْ رَمْزِيَّةِ الْبَغْلِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ، نَنْتَقِلُ الْآنَ لِلتَّكَلُّمِ عَنْ الْجَحْشِ عِنْدَ يَسُوعَ وَرَمْزِيَّتِهِ. الْجَحْشُ هُنَا لَيْسَ حَيَوَانًا اعْتِبَاطِيًّا، بَلْ عُنْصُرٌ رَئِيسِيٌّ لِإِعْلَانِ هُوِيَّتِهِ الْمَلَكِيَّةِ.
1. الْجَحْشُ بِوَصْفِهِ رَفْضًا لَاهُوتِيًّا لِلْعُنْفِ
كَانَ الْفَرَسُ أَدَاةَ الْحَرْبِ الرُّومَانِيَّةِ، وَكَانَتِ الْمَرْكَبَاتُ عَلَامَةَ الْقُوَّةِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ.
اخْتَارَ يَسُوعُ الْجَحْشَ لِيَقُولَ:
مَمْلَكَةُ اللهِ لَيْسَتِ اسْتِمْرَارًا لِلسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ،وَلَا بَدِيلًا وَطَنِيًّا مُسَلَّحًا،وَلَا مَشْرُوعًا سِيَاسِيًّا دُنْيَوِيًّا.
إِنَّ الْجَحْشَ هُوَ «النَّقِيضُ الْإِنْجِيلِيُّ» لِلْفَرَسِ، تَمَامًا كَمَا كَانَ الْبَغْلُ «النَّقِيضَ الدَّاوُدِيَّ» لِلْفَرَسِ. وَكِلَاهُمَا يُعْلِنَانِ أَنَّ الْمُلْكَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ لَا يَتَأَسَّسُ عَلَى الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ.
2. الْجَحْشُ بِوَصْفِهِ إِعَادَةَ قِرَاءَةٍ لَاهُوتِيَّةً لِبَغْلِ دَاوُدَ
يَحْمِلُ الْجَحْشُ مَعْنًى مُشَابِهًا لِمَعْنَى الْبَغْلِ، وَلٰكِنْ مَعَ فَارِقٍ جَوْهَرِيٍّ:
- الْبَغْلُ ← مَمْلَكَةُ الْحِكْمَةِ.
- الْجَحْشُ ← مَمْلَكَةُ الصَّلِيبِ.
وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ يَسُوعَ لَا يُقَلِّدُ سُلَيْمَانَ، بَلْ يُعِيدُ تَفْسِيرَ سُلَيْمَانَ وَيَتَجَاوَزُهُ. وَإِذَا كَانَ الْبَغْلُ إِعْلَانًا لِلشَّرْعِيَّةِ الْعَهْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْجَحْشَ إِعْلَانٌ لِلشَّرْعِيَّةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ الَّتِي تَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْخَلَاصِ.
ثَالِثًا: الطَّرِيقُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا إِلَى الْهَيْكَلِ[12]
كَمَا بَدَأَ دُخُولُ سُلَيْمَانَ مِنْ عَيْنِ جِيحُونَ، يَبْدَأُ دُخُولُ يَسُوعَ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا وَبَيْتِ فَاجِي، وَهُمَا مَكَانَانِ مُرْتَبِطَانِ:
- بِالْقِيَامَةِ (لِعَازَرَ)،
- وَبِالْمَسْحَةِ (الْمَرْأَةِ الَّتِي سَكَبَتِ الطِّيبَ)،
- وَبِالصَّدَاقَةِ،
- وَبِالْحَيَاةِ خَارِجَ أَسْوَارِ أُورُشَلِيمَ.
يُقَدِّمُ هٰذَا الطَّرِيقُ تَرْتِيبًا لِيتُورْجِيًّا جَدِيدًا:يَبْدَأُ الدُّخُولُ مِنْ مَكَانِ الْحَيَاةِ،وَيَمُرُّ عَبْرَ الْجَبَلِ الَّذِي مِنْهُ يُعْلَنُ الْمَلِكُ،وَيَنْتَهِي فِي الْمَدِينَةِ حَيْثُ سَيُقِيمُ اللهُ خَلَاصَهُ.
إِنَّ دُخُولَ يَسُوعَ لَيْسَ حَرَكَةً جُغْرَافِيَّةً، بَلْ طَقْسٌ تَدْشِينِيٌّ يَجْعَلُ الْمَدِينَةَ مَكَانًا لَا لِاسْتِقْبَالِ مَلِكٍ أَرْضِيٍّ، بَلْ لِاسْتِقْبَالِ حَدَثِ خَلَاصٍ سَيُغَيِّرُ التَّارِيخَ.
رَابِعًا: الْجَمَاعَةُ الْهُتَافُ بِوَصْفِهِ إِعْلَانًا مَلَكِيًّا
«هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!»
لِهٰذَا الْهُتَافِ بُعْدٌ مُزْدَوِجٌ:
1. بُعْدٌ دَاوُدِيٌّ الْمَسِيحُ ابْنُ دَاوُدَ
تَرَى الْجُمُوعُ فِي يَسُوعَ وَرِيثًا شَرْعِيًّا لِدَاوُدَ، تَمَامًا كَمَا رَأَى الشَّعْبُ فِي سُلَيْمَانَ مَلِكًا شَرْعِيًّا.
إِنَّ الْعِبَارَةَ «ابْنُ دَاوُدَ» هِيَ اعْتِرَافٌ مَلَكِيٌّ بِامْتِيَازٍ.
2. بُعْدٌ لِيتُورْجِيٌّ «هُوشَعْنَا»
كَلِمَةُ «هُوشَعْنَا» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صَيْحَةِ فَرَحٍ، بَلْ صَلَاةٌ:
«خَلِّصْنَا الآنَ».
وَبِذٰلِكَ، يَتَحَوَّلُ الْهُتَافُ مِنْ إِعْلَانٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى طَلَبٍ لَاهُوتِيٍّ جَمِيعُهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْخَلَاصَ مِنْ مَلِكٍ لَا يُشْبِهُ مُلُوكَ الْأَرْضِ.لٰكِنَّ الْمُفَارَقَةَ سَتَأْتِي لَاحِقًا:
إِنَّ الْخَلَاصَ الَّذِي سَيُقَدِّمُهُ الْمَسِيحُ لَنْ يَكُونَ خَلَاصًا عَسْكَرِيًّا، بَلْ خَلَاصًا صَامِتًا عَلَى الصَّلِيبِ.
خَامِسًا: الْمَدِينَةُ أُورُشَلِيمَ بِوَصْفِهَا مَسْرَحَ الصِّرَاعِ بَيْنَ الْمَلَكُوتِ وَالِانْتِظَارِ الْبَشَرِيِّ
أُورُشَلِيمَ هِيَ الْمَكَانُ نَفْسُهُ الَّذِي دَخَلَهُ سُلَيْمَانُ، لٰكِنَّهَا فِي زَمَنِ يَسُوعَ تَحْمِلُ تَوَتُّرًا جَدِيدًا:
- مَدِينَةُ الْهَيْكَلِ،
- مَدِينَةُ النُّبُوءَاتِ،
- مَدِينَةُ الصِّرَاعِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالسِّيَاسَةِ،
- مَدِينَةُ الرَّفْضِ وَالْقَتْلِ،
- وَمَدِينَةُ الْقِيَامَةِ.
يَدْخُلُ يَسُوعُ الْمَدِينَةَ حَيْثُ سَتَتَجَلَّى ذُرْوَةُ الْمَلَكُوتِ.لٰكِنْ، عَلَى عَكْسِ سُلَيْمَانَ الَّذِي اسْتَقَرّ مُلْكُهُ فَوْرَ الدُّخُولِ، سَيُؤَدِّي دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى:
- مُوَاجَهَةٍ مَعَ السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ،
- إِعْلَانِ تَطْهِيرِ الْهَيْكَلِ،
- تَكْثِيفِ التَّوَتُّرِ،
- وُصُولِ الْمَلِكِ إِلَى «عَرْشِهِ»، أَيْ الصَّلِيبِ.
سَادِسًا: إِعَادَةُ تَعْرِيفِ الْمُلْكِ مِنَ الْحِكْمَةِ إِلَى الصَّلِيبِ
يُقَدِّمُ الْإِنْجِيلُ مُفَارَقَةً عَظِيمَةً:
مَلِكٌ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ بِمَوْكِبٍ شَعْبِيٍّ، لٰكِنَّ «عَرْشَهُ» لَيْسَ عَرْشًا بَلْ خَشَبَةً. هُنَا يَكْمُنُ سِرُّ الدُّخُولِ الْمَسِيحَانِيِّ:
- سُلَيْمَانُ = الْهَيْكَلُ.
- الْمَسِيحُ = الْجَسَدُ الَّذِي هُوَ الْهَيْكَلُ الْحَقِيقِيُّ.
- سُلَيْمَانُ = الْحِكْمَةُ الَّتِي تَحْكُمُ بِالْمَجْدِ.
- الْمَسِيحُ = الْحِكْمَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَى الصَّلِيبِ.
- سُلَيْمَانُ = مَمْلَكَةُ الْأَرْضِ بِحَسَبِ الْعَهْدِ.
- الْمَسِيحُ = مَلَكُوتُ السَّمَاءِ بِحَسَبِ الْخَلَاصِ.
وَبِذٰلِكَ، يَدْخُلُ يَسُوعُ لَا لِيُؤَسِّسَ مَمْلَكَةً جَدِيدَةً، بَلْ لِيُحَوِّلَ الْمَوْتَ نَفْسَهُ إِلَى مَكَانِ تَتْوِيجِهِ. فَالْمَسِيحُ لَمْ يَدْخُلْ أُورُشَلِيمَ لِيَبْدَأَ نِظَامًا مَلَكِيًّا دُنْيَوِيًّا جَدِيدًا، بَلْ لِيَجْعَلَ مِنَ الصَّلِيبِ، وَمِنَ الْمَوْتِ نَفْسِهِ، عَرْشَهُ الْحَقِيقِيَّ، فَيُحَوِّلَ الْهَزِيمَةَ الظَّاهِرِيَّةَ إِلَى لَحْظَةِ التَّتْوِيجِ الْمَلُوكِيِّ الَّتِي تَكْشِفُ مَجْدَهُ وَسُلْطَانَهُ الْخَلَاصِيَّ.
أَنَّ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ تَقْلِيدًا لِسُلَيْمَانَ،وَلَيْسَ اسْتِعَادَةً لِمُلُوكِيَّةٍ دَاوُدِيَّةٍ أَرْضِيَّةٍ،بَلْ هُوَ إِعَادَةُ تَأْسِيسٍ كَامِلَةٌ لِلْمُلْكِ،وَتَحْوِيلُ الرَّمْزِ ذَاتِهِ (الْحَيَوَانِ – الطَّرِيقِ – الْمَدِينَةِ – الْهُتَافِ)مِنْ أَدَوَاتِ إِعْلَانِ سُلْطَةٍ زَمَنِيَّةٍ إِلَى أَدَوَاتِ كَشْفِ مَلَكُوتِ اللهِ.وَبِهٰذَا يُصْبِحُ دُخُولُ يَسُوع إِلَى أُورُشَلِيمَ أَكْثَرَ مِنْ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ:إِنَّهُ كَشْفٌ لَاهُوتِيٌّ يُعْلِنُ أَنَّ الْمَلِكَ الْحَقِيقِيَّ لايَدْخُلُ الْمَدِينَةَ لِيَمْلِكَ عَلَيْهَا،بَلْ يَدْخُلُهَا لِيَمُوتَ لِأَجْلِهَا،وَمِنْ مَوْتِهِ يُولَدُ الْمَلَكُوتُ الَّذِي لَا يَنْقَرِضُ.
مِنْ رُمُوزِ الْمُلُوكِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ إِلَى دِينَامِيَّةِ الْمَلَكُوتِ الْمَسِيحَانِيِّ: قِرَاءَةٌ مُقَارَنَةٌ لِعَنَاصِرِ الدُّخُولِ[13]
يُشَكِّلُ دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَحْظَةً تَفْسِيرِيَّةً تُعِيدُ فِيهَا الْأَنَاجِيلُ قِرَاءَةَ الرُّمُوزِ الْمُلُوكِيَّةِ الْقَدِيمَةِ عَلَى ضَوْءِ الْإِعْلَانِ الْمَسِيحَانِيِّ. فَكُلُّ عُنْصُرٍ مِنْ عَنَاصِرِ هٰذَا الدُّخُولِ الْحَيَوَانِ، الطَّرِيقِ، الْجُمُوعِ، الْهُتَافِ، الْمَدِينَةِ هُوَ اسْتِعَادَةٌ وَاعِيَةٌ لِرُمُوزٍ تَأْسِيسِيَّةٍ فِي تَارِيخِ إِسْرَائِيلَ، وَخَاصَّةً فِي مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الِاسْتِعَادَةَ لَيْسَتْ تَكْرَارًا، بَلْ تَحْوِيلًا جَذْرِيًّا يَنْقُلُ الرَّمْزَ مِنْ مُسْتَوًى تَارِيخِيٍّ عَهْدِيٍّ إِلَى مُسْتَوًى خَلَاصِيٍّ مَسِيحَانِيٍّ.
تأتي الْمُقَارَنَةَ الَّتِي تَرْبِطُ الْحَدَثَيْنِ، بِهَدَفِ الْكَشْفِ عَنِ الْبِنْيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ دُخُولِ يَسُوعَ إِعْلَانًا لَاهُوتِيًّا لَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ دُونَ الْعَوْدَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ وَدَاوُدَ.
أوَّلًا: الْحَيَوَانُ بِوَصْفِهِ مِفْتَاحَ قِرَاءَةِ الرَّمْزِ الْمَلَكِيِّ
فِي الصَّفَحَاتِ السَّابِقَةِ، ظَهَرَ بَغْلُ دَاوُدَ بِوَصْفِهِ حَامِلَ الشَّرْعِيَّةِ الْعَهْدِيَّةِ لِسُلَيْمَانَ.
وَهُنَا يَظْهَرُ جَحْشُ ابْنِ أَتَانٍ بِوَصْفِهِ حَامِلَ الشَّرْعِيَّةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ لِيَسُوعَ.
1. مِنْ «بَغْلِ الْعَهْدِ» إِلَى «جَحْشِ الْخَلَاصِ»
يُسْتَخْدَمُ بَغْلُ دَاوُدَ لِسَبَبٍ مُزْدَوِجٍ:
- دَلَالَةً عَلَى نَقْلِ الْعَهْدِ مِنْ دَاوُدَ إِلَى سُلَيْمَانَ،
- إِعْلَان أَنَّ السُّلْطَةَ لَا تَنْتَقِلُ عَبْرَ الْقُوَّةِ بَلْ عَبْرَ إِرَادَةِ اللهِ.
أَمَّا الْجَحْشُ فَلَا يُعَبِّرُ عَنْ «نَقْلِ عَهْدٍ» بَيْنَ مَلِكَيْنِ، بَلْ عَنْ:
- دُخُولِ مَلِكٍ يَحْمِلُ هُوَ نَفْسُهُ عَهْدًا جَدِيدًا،
- مَلَكُوتٍ لَا يُبْنَى عَلَى الدِّمَاءِ بَلْ عَلَى الْوَدَاعَةِ،
- سُلْطَانٍ لَا يُؤَسَّسُ بِالسَّيْفِ بَلْ بِالصَّلِيبِ.
وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ الْجَحْشُ إِلَى تَتِمَّةٍ رُوحِيَّةٍ لِلْبَغْلِ فِي قِرَاءَةٍ كِتَابِيَّةٍ مُتَرَاكِبَةٍ[14]، بِحَيْثُ يُصْبِحُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْحَيَوَانَيْنِ مِفْتَاحًا لِفَهْمِ اخْتِلَافٍ نَوْعِيٍّ بَيْنَ الْمُلُوكِيَّةِ وَالْمَلَكُوتِ.
٢. الْوَدَاعَةُ بِوَصْفِهَا كَشْفَ الْهُوِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ
يَصِفُ النَّبِيُّ زَكَرِيَّا الْمَلِكَ الْآتِيَ بِأَنَّهُ «وَدِيعٌ».الْوَدَاعَةُ هُنَا لَيْسَتْ فَضِيلَةً أَخْلَاقِيَّةً، بَلْ هُوِيَّةٌ مَلَكِيَّةٌ.فَالْمَلِكُ فِي إِسْرَائِيلَ بِحَسَبِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي يَلْتَزِمُ بِالْعَهْدِ.أَمَّا مَلِكُ زَكَرِيَّا فَهُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْعَهْدَ فِي شَكْلٍ جَدِيدٍ:عَهْدَ مَحَبَّةٍ لَا عَهْدَ سِيَادَةٍ.
تَتَحَوَّلُ الْوَدَاعَةُ مِنْ «صِفَةٍ شَخْصِيَّةٍ» إِلَى «وَسْمٍ مَلُوكِيٍّ»، مَا يَجْعَلُ الْجَحْشَ كُرْسِيَّ مَمْلَكَةٍ غَيْرِ بَشَرِيَّةٍ.
ثَانِيًا: الطَّرِيقُ إِلَى الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي يَهَبُ الْحَيَاةَ وَالْجَبَلِ الَّذِي يَهَبُ الرُّؤْيَةَ
كَمَا بَدَأَ دُخُولُ سُلَيْمَانَ مِنْ عَيْنِ جِيحُونَ (نَبْعِ الْحَيَاةِ)، يَبْدَأُ دُخُولُ يَسُوعَ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا وَبَيْتِ فَاجِي، حَيْثُ:
- تَكَلَّمَتِ الْحَيَاةُ (قِيَامَةُ لِعَازَرَ)،
- وَظَهَرَتِ الْمَحَبَّةُ (مَسْحَةُ الْمَرْأَةِ لِقَدَمَيْ يَسُوعَ)،
- وَبَدَأَ التَّوَتُّرُ بَيْنَ يَسُوعَ وَالسُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ.
1. مَسَارُ سُلَيْمَانَ: مِنَ النَّبْعِ إِلَى الْمَدِينَةِ
يُمَثِّلُ مَسَارُ سُلَيْمَانَ انْتِقَالًا مِنْ:
- مَنْبَعِ الْحَيَاةِ → مَدِينَةِ الْعَهْدِ. هٰذَا الْمَسَارُ يُعْلِنُ اسْتِقْرَارَ الْمُلُوكِيَّةِ دَاخِلَ الْهَيْكَلِ وَمَرْكِزِ الْحُكْمِ.
2. مَسَارُ يَسُوعَ: مِنَ الْقِيَامَةِ إِلَى الصَّلِيبِ
أَمَّا يَسُوعُ، فَمَسَارُهُ انْتِقَالٌ مِنْ:
- بَيْتِ الْقِيَامَةِ → مَدِينَةِ الْمَوْتِ،
- وَمِنْ مَكَانِ الْمَسْحَةِ → مَكَانِ الْحُكْمِ،
- وَمِنْ بَيْتِ الصَّدَاقَةِ → الْهَيْكَلِ حَيْثُ يُرْفَضُ.
بِهٰذَا يَعْكِسُ مَسَارُ يَسُوعَ الْبِنْيَةَ الْقَدِيمَةَ،لٰكِنَّهُ يَعْكِسُهَا لِيَبْنِيَ عَلَيْهَا بِنْيَةً مَعْكُوسَةً فالْمَلِكُ لَا يَدْخُلُ لِيَحْيَا، بَلْ يَدْخُلُ لِيَمُوتَ. وَلَا يَدْخُلُ لِيَنْتَصِبَ عَلَى الْعَرْشِ، بَلْ لِيَنْتَصِبَ عَلَى الصَّلِيبِ.
ثَالِثًا: الْجُمُوعُ بَيْنَ هُتَافِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُتَافِ الِانْتِظَارِ
- هَتَفَ الشَّعْبُ لِسُلَيْمَانَ:
«لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ!»
- وَهَتَفَ الشَّعْبُ لِيَسُوعَ:
«هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ!»
1. تَشَابُهُ الْهُتَافِ
فِي كِلَا الْحَدَثَيْنِ:
- الشَّعْبُ هُوَ الَّذِي يُعْلِنُ هُوِيَّةَ الْمَلِكِ،
- وَالْهُتَافُ لَيْسَ مُجَرَّدَ احْتِفَالٍ، بَلْ إِعْلَانُ اعْتِرَافٍ لَاهُوتِيٍّ.
2. اخْتِلَافٌ جَوْهَرِيٌّ[15]
- هُتَافُ سُلَيْمَانَ هُوَ إِعْلَانُ اعْتِرَافٍ بِمَلِكٍ حَاضِرٍ سَيَبْدَأُ الْحُكْمَ الآنَ.
- أَمَّا هُتَافُ الْجُمُوعِ حَوْلَ يَسُوعَ فَهُوَ انْتِظَارٌ لِخَلَاصٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ.
- إِنَّ «هُوشَعْنَا» هِيَ صِيغَةُ الْتِمَاسٍ،وَصَلَاةٌ،وَصِيغَةُ اعْتِرَافٍ بِأَنَّ الْمَلَكُوتَ الْآتِيَ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ مُلْكٍ سِيَاسِيٍّ.لٰكِنَّ الْمُفَارَقَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الدَّعْوَةَ لِلْخَلَاصِ سَتُسْتَجَابُ بِطَرِيقَةٍ لَا يَتَوَقَّعُهَا الشَّعْبُ:
لَيْسَ بِعَرْشٍ عَلَى جَبَلِ الْهَيْكَلِ، بَلْ بِعَرْشٍ عَلَى جَبَلِ الْجُلْجُلَةِ.
رَابِعًا: الْمَدِينَةُ بِوَصْفِهَا مَسْرَحَ تَلَاقِي السُّلْطَتَيْنِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْإِلٰهِيَّةِ
كَمَا شَكَّلَتْ أُورُشَلِيمَ مَسْرَحَ تَثْبِيتِ مُلُوكِيَّةِ سُلَيْمَانَ، تُصْبِحُ فِي زَمَنِ يَسُوعَ مَسْرَحَ صِرَاعٍ بَيْنَ:
- السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تَرَى فِي يَسُوعَ تَهْدِيدًا،
- السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي سَتُدِينُ الْمَلِكَ الْوَدِيعَ بِالْمَوْتِ،
- وَالْجَمْعِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ ذَاهِبٌ نَحْوَ تَتْوِيجٍ أَرْضِيٍّ.
1. سُلَيْمَانُ يَدْخُلُ لِيَسْتَقِرَّ
- فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، يَعْنِي الدُّخُولُ إِلَى الْمَدِينَةِ بَدْءَ الْحُكْمِ.
- لكن فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ،
2. الْمَسِيحُ يَدْخُلُ لِيَبْدَأَ الْآلَامَ
الدُّخُولُ لَيْسَ بَدَايَةَ حُكْمٍ، بَلْ بَدَايَةُ طَرِيقٍ إِلَى مَوْتٍ خَلَاصِيٍّ. وَبِذٰلِكَ تُعَادُ كِتَابَةُ رَمْزِيَّةِ الْمَدِينَةِ: «الْقُدْسُ» لَا تُصْبِحُ مَكَانَ تَثْبِيتِ مَمْلَكَتِهِ، بَلْ مَكَانَ كَشْفِهَا عَلَى الصَّلِيبِ
خَامِسًا: التَّحَوُّلُ مِنْ مَمْلَكَةِ الْحِكْمَةِ إِلَى مَلَكُوتِ الصَّلِيبِ
يُمَثِّلُ دُخُولُ سُلَيْمَانَ «مَمْلَكَةَ الْحِكْمَةِ»،وَيُمَثِّلُ دُخُولُ يَسُوعَ «مَلَكُوتَ الصَّلِيبِ»وَالْفَارِقُ لَيْسَ فِي الشَّكْلِ، بَلْ فِي جَوْهَرِ الْمُلْكِ:
- سُلَيْمَانُ يُؤَسِّسُ الْهَيْكَلَ حَيْثُ يَسْكُنُ اللهُ بَيْنَ شَعْبِهِ.
- الْمَسِيحُ الَّذِي سَيُهْدَمُ وَيَقُومُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. يُؤَسِّسُ الْجَسَدَ الْهَيْكَلَ
- سُلَيْمَانُ يَحْكُمُ مِنْ كُرْسِيِّ دَاوُدَ
اسْتِنَادًا إِلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ.
- الْمَسِيحُ يَحْكُمُ مِنْ خَشَبَةٍ اسْتِنَادًا إِلَى عَهْدٍ جَدِيدٍ يُكْتَبُ بِالدَّمِ. هٰذَا التَّحَوُّلُ الْجَذْرِيُّ لَا يُلْغِي النَّمُوذَجَ الْقَدِيمَ، بَلْ: يَسْتَحْضِرُهُ، وَيُعِيدُ تَفْسِيرَهُ،وَيُكَمِّلُهُ،وَيُقِيمُهُ عَلَى مُسْتَوًى خَلَاصِيٍّ جَدِيدٍ.
إِنَّ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا عَبْرَ خَلْفِيَّةِ سُلَيْمَانَ، لٰكِنَّ يَسُوعَ:
يَسْتَعِيدُ الرُّمُوزَ ذَاتَهَا (الْحَيَوَانَ، الطَّرِيقَ، الْمَدِينَةَ، الْهُتَافَ)،لٰكِنَّهُ يَقْلِبُ وَظِيفَتَهَا من مَظْهَرٍ مَلُوكِيٍّ إِلَى كَشْفٍ مَلَكُوتِيٍّ،وَمِنْ شَرْعِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ إِلَى شَرْعِيَّةٍ خَلَاصِيَّةٍ،وَمِنْ حُكْمٍ أَرْضِيٍّ إِلَى سِيَادَةٍ إِلٰهِيَّةٍ تَتَجَلَّى بِالصَّلِيبِ.وَهٰكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَشْهَدَيْنِ سُلَيْمَانَ وَيَسُوعَ هُمَا مَشْهَدَانِ لِمَلِكَيْنِ يَدْخُلَانِ الْمَدِينَةَ ذَاتَهَا، لٰكِنَّ أَحَدَهُمَا يَدْخُلُ لِيَمْلِكَ، وَالْآخَرُ يَدْخُلُ لِيَمُوتَ كَيْ يَمْلِكَ إِلَى الْأَبَدِ.
الدُّخُولُ الْمَسِيحَانِيُّ بِوَصْفِهِ تَفْكِيكًا لِلْمُلُوكِيَّةِ الْأَرْضِيَّةِ: الصَّلِيبُ كَعَرْشٍ، وَالْهَيْكَلُ كَجَسَدٍ، وَالْمَدِينَةُ كَمَسْرَحِ كَشْفٍ
تُمَثِّلُ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ النُّقْطَةَ الَّتِي تَتَبَدَّلُ عِنْدَهَا وَظِيفَةُ الرُّمُوزِ كُلِّهَا:فَمَا كَانَ فِي مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ تَأْسِيسًا لِحُكْمٍ أَرْضِيٍّ، يُصْبِحُ فِي الْمَلَكُوتِ الْمَسِيحَانِيِّ تَأْسِيسًا لِخَلَاصٍ كَوْنِيٍّ. وَتَظْهَرُ الْمُفَارَقَةُ الْكُبْرَى حِينَ يُعَادُ تَعْرِيفُ الْعَرْشِ وَالْمَدِينَةِ وَالْهَيْكَلِ وَالْجَمَاعَةِ عَبْرَ حَرَكَةِ دُخُولٍ وَاحِدَةٍ، تَقُودُ لَا إِلَى اعْتِلَاءِ سُلَّمِ الْحُكْمِ، بَلْ إِلَى النُّزُولِ فِي مَسَارِ الْفِدَاءِ. فَيَسُوعُ يُحَوِّلُ هٰذِهِ الْعَنَاصِرَ الْمُلُوكِيَّةِ نَفْسَهَا إِلَى أَدَوَاتِ إِعْلَانِ الْمَلَكُوتِ مَلَكُوتٍ لَا يَقُومُ عَلَى الْهَيْمَنَةِ، بَلْ عَلَى بَذْلِ الذَّاتِ
أَوَّلًا: تَفْكِيكُ الْعَرْشِ مِنَ الْكُرْسِيِّ الْمَلَكِيِّ إِلَى الْعَرْشِ الْخَلَاصِيِّ
- فِي مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ، يُعَدُّ الدُّخُولُ إِلَى الْمَدِينَةِ بَدَايَةَ اعْتِلَاءِ الْعَرْشِ، حَيْثُ تُعْلَنُ الْمَسْحَةُ الْمَلَكِيَّةُ بَدْءَ السُّلْطَةِ.
- أَمَّا فِي دُخُولِ يَسُوعَ، فَيَأْخُذُ الرَّمْزُ الْمَلَكِيُّ مَسَارًا عَكْسِيًّا تَمَامًا.يَسُوعُ يَدْخُلُ لَا لِيَجْلِسَ بَلْ لِيُرْفَعَ يَسُوعُ يَدْخُلُ لَا لِيَجْلِسَ، بَلْ لِيُرْفَعَ.لٰكِنَّ رَفْعَهُ لَيْسَ إِلَى كُرْسِيِّ حُكْمٍ، بَلْ إِلَى الصَّلِيبِ.إِنَّ الصَّلِيبَ فِي مَنْطِقِ الْعَالَمِ هُوَ رَمْزُ الْإِعْدَامِ،
أَمَّا فِي مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ فَهُوَ:
- كُرْسِيُّ الْحُكْمِ،
- مَوْضِعُ التَّتْوِيجِ،
- قَاعَةُ الْعَرْشِ الَّتِي يُعْلِنُ فِيهَا يَسُوعُ ذَاتَهُ مَلِكًا.
وَهٰكَذَا يَتَحَقَّقُ الِانْقِلَابُ: فَالْعَرْشُ يُصْبِحُ خَشَبَةً، وَالْخَشَبَةُ تُصْبِحُ مَرْكَزَ السِّيَادَةِ. هٰذَا هُوَ قَلْبُ الْمَسِيحَانِيَّةِ:السِّيَادَةُ تَتَحَقَّقُ حِينَ تُبْذَلُ الذَّاتُ، لَا حِينَ تُـمَارَسُ السُّلْطَةُ.
2. إِعْلَانُ السُّلْطَةِ فِي الزَّمَنِ عَبْرَ نَزْعِ السُّلْطَةِ
خِلَافًا لِسُلَيْمَانَ الَّذِي يَبْدَأُ حُكْمَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ، يَبْدَأُ يَسُوعُ مُلْكَهُ عِنْدَ:
- تَجْرِيدِهِ مِنْ ثِيَابِهِ،
- إِكْلِيلِ الشَّوْكِ،
- لَوْحَةِ اللَّقَبِ: «مَلِكُ الْيَهُودِ».
بِهٰذَا يُعْلِنُ الْمَلَكُوتُ نَفْسَهُ مِنْ دَاخِلِ نَزْعِ السُّلْطَةِ، وَلَيْسَ مِنْ دَاخِلِ تَثْبِيتِهَا.إِنَّهُ مُلْكٌ لَا يُبْنَى عَلَى التَّمَكُّنِ، بَلْ عَلَى التَّخَلِّي.
ثَانِيًا: تَفْكِيكُ الْهَيْكَلِ مِنَ الْبِنْيَةِ الْحَجَرِيَّةِ إِلَى الْبِنْيَةِ الْجَسَدِيَّةِ
يُشَكِّلُ الْهَيْكَلُ مَرْكَزَ الْمُلُوكِيَّةِ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ، إِذْ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ حُضُورُ اللهِ.
أَمَّا فِي دُخُولِ يَسُوعَ، فَيَتِمُّ تَحْوِيلُ الْهَيْكَلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى جَسَدٍ.
1. تَطْهِيرُ الْهَيْكَلِ بَدَايَةُ التَّحَوُّلِ
بَعْدَ الدُّخُولِ مُبَاشَرَةً، يَطْرُدُ يَسُوعُ الْبَاعَةَ مِنَ الْهَيْكَلِ (مَرْ 11: 15–17).
هٰذَا الْفِعْلُ لَيْسَ إِصْلَاحًا لِطَقْسٍ، بَلْ إِعْلَانٌ لِزَوَالِ زَمَنِ الْهَيْكَلِ الْحَجَرِيِّ.فَالْهَيْكَلُ الْقَدِيمُ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى احْتِوَاءِ حُضُورِ اللهِ.
٣. الْجَسَدُ بِوَصْفِهِ الْهَيْكَلَ الْجَدِيدَ
يَقُولُ يَسُوعُ:«انْقُضُوا هٰذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ» (يُو 2: 19).بِهٰذَا يُسْتَبْدَلُ الْهَيْكَلُ بِالْبِنْيَةِ الْجَسَدِيَّةِ لِلْمَسِيحِ،وَيَتَغَيَّرُ مَرْكَزُ الْحُضُورِ الْإِلٰهِيِّ مِنْ مَكَانٍ إِلَى شَخْصٍ.
مِنْ حَجَرٍ يَحُدُّ الْحُضُورَ إِلَى جَسَدٍ يُوَسِّعُ الْحُضُورَ
هَيْكَلُ سُلَيْمَانَ يَجْمَعُ الشَّعْبَ فِي الْقُدْسِ،أَمَّا جَسَدُ الْمَسِيحِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ فَيَجْمَعُ الْأُمَمَ كُلَّهَا فِي جَسَدِ الْكَنِيسَةِ. وَهٰكَذَا تَتَحَوَّلُ «أُورُشَلِيمُ» إِلَى نُقْطَةِ انْطِلَاقٍ، لَا إِلَى حُدُودِ مُلْكٍ.
ثَالِثًا: تَفْكِيكُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْعَاصِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ إِلَى مَرْكَزِ الْخَلَاصِ الْعَالَمِيِّ[16]
أُورُشَلِيمُ هِيَ مَدِينَةُ الْمَلِكِ فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ. لٰكِنّ فِي مَسَارِ يَسُوعَ تُصْبِحُ:
- مَدِينَةَ الرَّفْضِ،
- مَدِينَةُ الدَّمِ،
- مَدِينَةُ إِتْمَامِ النُّبُوءَاتِ،
- مَدِينَةُ مَوْتِ الْمَلِكِ وَبِدَايَةِ مَلَكُوتِهِ.
1. الْمَدِينَةُ كَمَكَانٍ لِلْمُوَاجَهَةِ
هُنَا تَلْتَقِي ثَلَاثُ قُوًى:
- الدِّينُ (السَّنْهَدْرِينُ)،
- وَالسِّيَاسَةُ (رُومَا)،
- وَالْجَمَاهِيرُ (الْهُتَافُ ثُمَّ الرَّفْضُ).
تَتَوَاجَهُ هٰذِهِ الْقُوًى عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ: مَنْ هُوَ الْمَلِكُ؟
2. الْمَدِينَةُ كَمَكَانٍ لِلْكَشْفِ
تَكْشِفُ أُورُشَلِيمَ أَنَّ مَمْلَكَةَ يَسُوعَ لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا الْعَالَمِ، عَبْرَ:
- صَمْتِ الْمَلِكِ أَمَامَ بِيلاطُسَ،
- قَبُولِهِ الْحُكْمَ،
- غِيَابِ أَيِّ مُقَاوَمَةٍ،
- حَمْلِهِ الصَّلِيبَ بَدَلَ السَّيْفِ.
تَتَحَوَّلُ الْمَدِينَةُ إِلَى مَسْرَحِ كَشْفٍ لَا مَسْرَحِ حُكْمٍ، وَإِلَى مَوْضِعِ تَجَلٍّ لَا إِلَى مَوْضِعِ سُلْطَةٍ.
3. مِنْ مَدِينَةِ التَّتْوِيجِ إِلَى مَدِينَةِ الذَّبْحِ
كَانَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ يَدْخُلَانِ الْمَدِينَةَ لِيُتَوَّجَا.أَمَّا يَسُوعُ فَيَدْخُلُ الْمَدِينَةَ لِيُذْبَحَ،
وَيَجْعَلُ مِنَ الذَّبْحِ تَتْوِيجًا.
رَابِعًا: التَّفْكِيكُ الْإِلٰهِيُّ لِسُلْطَةِ الْجُمُوعِ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ إِلَى الرَّفْضِ
الْجُمُوعُ الَّتِي هَتَفَتْ «هُوشَعْنَا» سَتَصْرُخُ لَاحِقًا «اصْلِبْهُ!».
هٰذَا التَّحَوُّلُ يَكْشِفُ أَنَّ:
- الْوَعْيَ الشَّعْبِيَّ يَبْحَثُ عَنْ مَلِكٍ يُشْبِعُ تَطَلُّعَاتِهِ، لٰكِنَّ الْمَلَكُوتَ يَتَخَطَّى هٰذِهِ التَّطَلُّعَاتِ،فَتَصْطَدِمُ الْجُمُوعُ بِمَلِكٍ لَا يُقَدِّمُ «السِّيَاسَةَ الْمُنْتَظَرَةَ».
1. «هُوشَعْنَا» = خَلَاصٌ الآنَ:هِيَ صَرْخَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لٰكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فَاهِمَةً لِطَبِيعَةِ الْخَلَاصِ الَّذِي يَمْنَحُهُ يَسُوعُ.
٢. الرَّفْضُ = نَتِيجَةُ سُقُوطِ التَّوَقُّعِ السِّيَاسِيِّ حِينَ لَمْ يُقَدِّمْ يَسُوعُ عَرْشًا، بَلْ صَلِيبًا،وَحِينَ لَمْ يُقَدِّمْ قُوَّةً، بَلْ تَوَاضُعًا،انْهَارَ تَصَوُّرُ الشَّعْبِ لِلْمَلِكِ.
٣. كَشْفُ الْهُوِيَّةِ عَبْرَ الْمُفَارَقَةِ
لَا يُعْلَنُ الْمَسِيحُ مَلِكًا عِنْدَمَا تُرَحِّبُ بِهِ الْجُمُوعُ،بَلْ عِنْدَمَا يَتَخَلَّى عَنْهُ الْجَمِيعُ.
خَامِسًا: إِعَادَةُ تَعْرِيفِ الزَّمَنِ الْمَلَكِيِّ مِنَ اللَّحْظَةِ إِلَى الْأَبَدِيَّةِ
- فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ، تَرْتَبِطُ الْمُلُوكِيَّةُ بِالزَّمَنِ:مُدَّةِ الْحُكْمِ، وَاسْتِقْرَارِ الْعَرْشِ، وَبِنَاءِ الْهَيْكَلِ.
- أَمَّا فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ، فَالْمُلُوكِيَّةُ:
- لَيْسَتْ زَمَنًا بَلْ أَبَدِيَّةً،
- لَيْسَتْ حُكُومَةً بَلْ مَلَكُوتًا،
- لَيْسَتْ مُؤَسَّسَةً بَلْ حُضُورًا،
- لَا تَنْتَهِي بِالْمَوْتِ بَلْ تَبْدَأُ مِنْهُ.
١. الزَّمَنُ يُعَادُ تَشْكِيلُهُ بِالصَّلِيبِ: الصَّلِيبُ هُوَ نُقْطَةُ التَّقَاطُعِ بَيْنَ:
- زَمَنِ الْبَشَرِ،
- وَزَمَنِ اللهِ.
فِيهِ يَنْفَتِحُ الزَّمَنُ الْأَرْضِيُّ عَلَى زَمَنِ الْخَلَاصِ.
٢. الْمَلَكُوتُ لَا يُرَى فِي لَحْظَةِ الدُّخُولِ، بَلْ فِي لَحْظَةِ الْمَوْتِ
دُخُولُ الْمَسِيحِ لَيْسَ إِعْلَانَ الْمُلُوكِيَّةِ، بَلْ بَدَايَتَهَا الرَّمْزِيَّةَ. أَمَّا الْإِعْلَانُ الْفِعْلِيُّ فَيَأْتِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْعَظِيمَةِ. «قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الْإِنْسَانِ عَرَفْتُمْ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَأَنِّي لَا أَعْمَلُ مِنْ تِلْقَاءِ ذَاتِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِمَا عَلَّمَنِي الْآبُ» (يُو 8: 28).أَنَّ دُخُولَ الْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ:
- يُفَكِّكُ رُمُوزَ الْمُلُوكِيَّةِ الْأَرْضِيَّةِ،
- يُعِيدُ صِيَاغَةَ كُلِّ رَمْزٍ (الْعَرْشِ – الْمَدِينَةِ – الْهَيْكَلِ – الْجُمُوعِ) بِشَكْلٍ جَدِيدٍ،
- يَنْقُلُ مَفْهُومَ الْحُكْمِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْوَدَاعَةِ،
- يُعِيدُ كِتَابَةَ النَّمُوذَجِ الدَّاوُدِيِّ عَلَى مُسْتَوًى لَاهُوتِيٍّ أَعْلَى،
- يَفْتَحُ الْبَابَ لِلْمَلَكُوتِ، حَيْثُ الْمَلِكُ يَمُوتُ لِيَمْلِكَ.وَهٰكَذَا، إِنَّ الدُّخُولَ الْمَسِيحَانِيَّ لَيْسَ تَتِمَّةً بَسِيطَةً لِسُلَيْمَانَ،بَلْ هُوَ الْقَلْبُ الْكْرِيسْتُولُوجِيُّ لِكُلِّ مَا سَبَقَ.
إِعَادَةُ بِنْيَةِ الرَّمْزِ الْمَسِيحَانِيِّ: مِنَ النُّبُوءَةِ الْمُعْلَنَةِ إِلَى الْمَلَكُوتِ الْمُتَجَسِّدِ[17]
إِنَّ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَا يُقْرَأُ دَاخِلَ إِطَارٍ تَارِيخِيٍّ فَقَطْ، بَلْ دَاخِلَ بِنْيَةٍ رَمْزِيَّةٍ تَمْتَدُّ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ إِلَى الْعَهْدِ الْجَدِيدِ.فَالْحَدَثُ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يُحَقِّقَ نُبُوءَةَ زَكَرِيَّا، وَلَا بِأَنْ يَسْتَعِيدَ رُمُوزَ سُلَيْمَانَ، بَلْ يُعِيدُ بِنَاءَ هٰذِهِ الرُّمُوزِ نَفْسِهَا وَيُحَوِّلُهَا أَدَاةً لِإِعْلَانِ هُوِيَّةِ الْمَلِكِ الْمَسِيحَانِيِّ الَّذِي لَا يُشْبِهُ أَيَّ مَلِكٍ ظَهَرَ فِي تَارِيخِ إِسْرَائِيلَ. وَتَكْشِفُ الْمُقَارَنَةُ الدَّقِيقَةُ أَنَّ الرُّمُوزَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُ وَظِيفَةً سِيَاسِيَّةً عَهْدِيَّةً فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ، تَتَحَوَّلُ فِي زَمَنِ يَسُوعَ إِلَى رُمُوزٍ خَلَاصِيَّةٍ، تَفْتَحُ أُفُقًا جَدِيدًا لِلْفَهْمِ اللَّاهُوتِيِّ.
أَوَّلًا: النُّبُوءَةُ بِوَصْفِهَا بِنْيَةً تَأْوِيلِيَّةً مِنِ انْتِظَارِ الْمَلِكِ إِلَى حُضُورِ الْمَلَكُوتِ
يَتَعَامَلُ الْإِنْجِيلِيُّونَ مَعَ دُخُولِ يَسُوعَ لَا بِوَصْفِهِ حَدَثًا مَعْزُولًا، بَلْ بِوَصْفِهِ تَحْقِيقًا وَاعِيًا لِنُبُوءَاتٍ قَدِيمَةٍ، وَخَاصَّةً:
- «ابْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا ابْنَةَ أُورُشَلِيمَ، هُوذَا مَلِكُكِ آتٍ إِلَيْكِ بَارًّا وَمَنْصُورًا وَدِيعًا، رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ، عَلَى جَحْشِ ابْنِ أَتَانٍ» (زَكَرِيَّا 9: 9)،
- وَ«مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ» (مَزْمُور 118: 26).
نُبُوءَاتُ الْمَسِيَّا الدَّاوُدِيِّ.
1. النُّبُوءَةُ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ: إِطَارُ تَفْسِيرٍ لِحَدَثٍ مَلَكِيٍّ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، تُنظم النُّبُوءَةُ حَدَثَ اخْتِيَارِ سُلَيْمَانَ ابْنًا لِدَاوُدَ فَالنُّبُوءَةُ تُفَسِّرُ الْمَسْحَةَ،وَتُثَبِّتُ الشَّرْعِيَّةَ.
2. النُّبُوءَةُ فِي دُخُولِ الْمَسِيحِ: اللَّاهُوتُ يَسْبِقُ الْحَدَثَ
عِنْدَ يَسُوعَ، النُّبُوءَةُ لَا تُفَسِّرُ الْحَدَثَ فَقَطْ، بَلْ تُنْشِئُهُ:فَيَسُوعُ «يَفْعَلُ» مَا تَقْتَضِيهِ النُّبُوءَةُ، لِكي يَكْشِفَ أَنَّهُ الْمَوْضُوعُ النِّهَائِيُّ لِكُلِّ نُبُوءَاتِ إِسْرَائِيلَ. وَبِذٰلِكَ يُصْبِحُ الدُّخُولُ الْمَسِيحَانِيُّ: اسْتِعَادَةً لِلنُّبُوءَةِ،لٰكِنْ أَيْضًا تَجَاوُزًا لَهَا، بِحَيْثُ يَتَجَسَّدُ الْمَلَكُوتُ قَبْلَ أَنْ يُعْلَنَ.
3. النُّبُوءَةُ تَتَحَوَّلُ مِنْ وَعْدٍ إِلَى حُضُورٍ
مَعَ يَسُوعَ، تَتَحَرَّرُ النُّبُوءَةُ مِنْ كَوْنِهَا «لُغَةَ انْتِظَارٍ»،وَتُصْبِحُ «لُغَةَ حُضُورٍ»:الْمَلَكُوتُ لَيْسَ بَعِيدًا، بَلْ حَاضِرٌ فِي الشَّخْصِ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ.
ثَانِيًا: وَظِيفَةُ الْهَيْكَلِ مِنْ مَرْكَزِ الْعِبَادَةِ إِلَى مِحْوَرِ الْمُوَاجَهَةِ
أَنَّ يَسُوعَ يُعِيدُ تَعْرِيفَ الْهَيْكَلِ بِوَصْفِهِ جَسَدَهُ. لٰكِنَّ مَا يَجِبُ تَعْمِيقُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ الْهَيْكَلَ فِي مَشْهَدِ الدُّخُولِ يُصْبِحُ:
- مَرْكَزًا لِلشَّرْعِيَّةِ،
- وَمِيدَانًا لِلصِّرَاعِ،
- وَبُؤْرَةً لَاهُوتِيَّةً لِلتَّغْيِيرِ.
1. الْهَيْكَلُ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ: مَكَانُ اسْتِقْرَارِ اللهِ سُلَيْمَانُ يَبْنِي الْهَيْكَلَ لِيُعْلِنَ:
- نِهَايَةَ مَرْحَلَةِ الْبَدَاوَةِ،
- ثَبَاتِيَّةَ الْحُضُورِ الْإِلٰهِيِّ،
- مَرْكَزَ الْحُكْمِ الْمَلَكِيِّ.
2. الْهَيْكَلُ فِي زَمَنِ يَسُوعَ: مَكَانُ انْكِشَافِ الْفَسَادِ
لَا يَدْخُلُ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ لِيَجْلِسَ عَلَى هَيْئَةِ مُعَلِّمٍ فَقَطْ،بَلْ لِيَكْشِفَ:
- فَسَادَ الْبَاعَةِ،
- تَلَاعُبَ السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ،
- انْفِصَالَ الْعِبَادَةِ عَنِ الْعَدْلِ. وَبِذٰلِكَ يُصْبِحُ الْهَيْكَلُ سَاحَةَ إِدَانَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ سَاحَةَ حُكْمٍ.
3. الْهَيْكَلُ يَتَحَوَّلُ إِلَى جَسَدٍ
يُقَدِّمُ يَسُوعُ نَفْسَهُ بَدِيلًا لِلْهَيْكَلِ:«أُقِيمُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».هٰكَذَا يَتَفَكَّكُ الْهَيْكَلُ الْحَجَرِيُّ وَيُولَدُ الْهَيْكَلُ الْجَسَدِيُّ،لِيُصْبِحَ الدُّخُولُ الْمَسِيحَانِيُّ إِعْلَانًا…بِانْتِهَاءِ زَمَنِ الْحِجَارَةِ،وَبِدَايَةِ زَمَنِ الْجَسَدِ،أَيْ زَمَنِ الْمَلَكُوتِ.
ثَالِثًا: وَظِيفَةُ الْمَدِينَةِ مِنْ عَاصِمَةٍ مَلَكِيَّةٍ إِلَى نُقْطَةِ الْتِقَاءِ التَّارِيخِ بِالْخَلَاصِ
فِي الْمُلُوكِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ، كَانَتْ أُورُشَلِيمُ:
- الْعَاصِمَةَ،
- الْمَعْقِلَ السِّيَاسِيَّ،
- مَرْكَزَ الْعَهْدِ،
- رَمْزَ الِانْتِصَارِ.
أَمَّا فِي دُخُولِ الْمَسِيحِ، فَتَتَحَوَّلُ الْمَدِينَةُ إِلَى:
- مَسْرَحِ كَشْفٍ،
- مَعْبَرٍ إِلَى الذَّبِيحَةِ،
- نُقْطَةِ الْتِقَاءِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالزَّمَنِ الْإِلٰهِيِّ.
1. الْقُدْسُ كَمَكَانٍ لِرَفْضِ الْمَلِكِ
عَلَى عَكْسِ سُلَيْمَانَ الَّذِي اسْتَقْبَلَتْهُ الْمَدِينَةُ،تُصْبِحُ أُورُشَلِيمُ فِي زَمَنِ يَسُوعَ:
- مَكَانَ الْمُحَاكَمَةِ،
- مَرْكَزَ الرَّفْضِ،
- ورَمْزَ مُقَاوَمَةِ الْمَلَكُوتِ.
الْقُدْسُ كَمَكَانِ وِلَادَةِ الْمَلَكُوتِ
لٰكِنَّ الْمُفَارَقَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي تَرْفُضُ الْمَلِكَ تُصْبِحُ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ:
- يُعْلِنُ الْمَلِكُ ذَاتَهُ،
- وَيُصْلَبُ،
- وَيَقُومُ.
- فَيَتَحَوَّلُ الرَّفْضُ إِلَى وِلَادَةٍ، وَيَتَحَوَّلُ الْمَوْتُ إِلَى مَلَكُوتٍ.
رَابِعًا: الْجَمَاعَةُ مِنْ شَعْبٍ يُثَبِّتُ شَرْعِيَّةَ الْمَلِكِ إِلَى شَعْبٍ يَدْخُلُ فِي سِرِّ الْمَلَكُوتِ
تُظْهِرُ رِوَايَةُ الدُّخُولِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَحَوَّلُ هِيَ أَيْضًا:
- مِنْ جُمْهُورٍ يُعْلِنُ الْمُلُوكِيَّةَ،
- إِلَى كَنِيسَةٍ تُعْلِنُ الْمَلَكُوتَ.
1. فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ: الْجَمَاعَةُ شَاهِدَةٌ
الشَّعْبُ يَهْتِفُ اعْتِرَافًا بِمُلُوكِيَّةِ الْمَلِكِ الْأَرْضِيِّ.
2. فِي زَمَنِ يَسُوعَ: الْجَمَاعَةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَوْضُوعِ الْخَلَاصِ الْجُمُوعُ تَهْتِفُ:«هُوشَعْنَا» = «خَلِّصْنَا الآنَ».لٰكِنَّهُمْ يَجْهَلُونَ طَبِيعَةَ هٰذَا الْخَلَاصِ؛فَهُمْ يَنْتَظِرُونَ تَحْرِيرًا سِيَاسِيًّا،أَمَّا يَسُوعُ فَيُقَدِّمُ تَحْرِيرًا وُجُودِيًّا.
٢. الْجَمَاعَةُ تَصِيرُ «كَنِيسَةً» عَبْرَ الْمُفَارَقَة
الْكَنِيسَةُ لَا تُولَدُ يَوْمَ الدُّخُولِ،وَلَا يَوْمَ الْهُتَافِ،بَلْ يَوْمَ الْمَوْتِ وَالْقِيَامَةِ.وَهٰكَذَا يُصْبِحُ الْهُتَافُ بَذْرَةً،والْمَوْتُ إِنْبَاتًا،وَالْقِيَامَةُ ثَمَرَةَ الْمَلَكُوتِ.
خَامِسًا: إِعَادَةُ صِيَاغَةِ الزَّمَنِ مِنْ لَحْظَةٍ مَلَكِيَّةٍ إِلَى زَمَنِ خَلَاصٍ
فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ، لَحْظَةُ الدُّخُولِ هِيَ:
- لَحْظَةُ بَدَايَةِ الْحُكْمِ،
- لَحْظَةُ مسْحَةِ،
- لَحْظَةُ تَّتْوِيجِ.
عِنْدَ يَسُوعَ، فَلَحْظَةُ الدُّخُولِ هِيَ:
- بِدَايَةُ النِّهَايَةِ،
- خُطْوَةٌ نَحْوَ الصَّلِيبِ،
- لَحْظَةُ «انْكِسَارِ الزَّمَنِ» لِصَالِحِ الْأَبَدِيَّةِ.
١. الزَّمَنُ الْمَلَكِيُّ يَنْتَهِي، وَالزَّمَنُ الْخَلَاصِيُّ يَبْدَأُ مَعَ يَسُوعَ، لَا يُصْبِحُ الزَّمَنُ مُجَرَّدَ إِطَارٍ،بَلْ يُصْبِحُ أَدَاةَ خَلَاصٍ:يَمْتَدُّ الزَّمَنُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الصَّلِيبِ،
وَمِنَ الصَّلِيبِ إِلَى الْقِيَامَةِ،وَمِنَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْكَنِيسَةِ.
أَنَّ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَا يَجْمَعُ رُمُوزَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ فَحَسْبُ،بَلْ يُعِيدُ بِنَاءَ كُلِّ رَمْزٍ لِيَكْشِفَ:
- أَنَّ النُّبُوءَةَ تَتَحَقَّقُ بِالْحُضُورِ،
- وَأَنَّ الْهَيْكَلَ يَتَحَوَّلُ إِلَى جَسَدٍ،
- وَأَنَّ الْمَدِينَةَ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَسْرَحِ خَلَاصٍ،
- وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَحَوَّلُ إِلَى كَنِيسَةٍ،
- وَأَنَّ الزَّمَنَ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسَارِ فِدَاءٍ.
وَفِي الْقَلْبِ مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ، يَقِفُ الْمَلِكُ الْوَدِيعُ، الرَّافِعُ الصَّلِيبَ،كَعَلَامَةِ انْتِقَالٍ مِنَ الْمُلُوكِيَّةِ الْأَرْضِيَّةِ إِلَى الْمَلَكُوتِ الْأَبَدِيِّ.
الِانْقِلَابُ اللَّاهُوتِيُّ: مِنْ مَنْطِقِ السُّلْطَةِ إِلَى مَنْطِقِ الْمَلَكُوتِ فِي ضَوْءِ الدُّخُولِ الْمَسِيحَانِيِّ[18]
يُمَثِّلُ دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَحْظَةَ التَّحَوُّلِ الْكُبْرَى فِي الْفِكْرِ الْمَسِيحَانِيِّ، إِذْ تَتَبَدَّدُ فِيهَا كُلُّ الْقِرَاءَاتِ الْبَشَرِيَّةِ لِلسُّلْطَةِ، وَيُعَادُ فِيهَا تَشْكِيلُ مَفْهُومِ الْمُلْكِ لَيْسَ عَلَى أَسَاسِ الْقُوَّةِ وَلَا الْإِرْثِ وَلَا الْمَكَانِ، بَلْ عَلَى أَسَاسِ بَذْلِ الذَّاتِ.
تَتَّضِحُ دِينَامِيَّةُ التَّحَوُّلِ عَبْرَ مُقَارَنَةٍ بَيْنَ ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ: السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَالِانْتِظَارِ الشَّعْبِيِّ، وَالْبِنْيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ لِلْمَلَكُوتِ.
أَوَّلًا: تَفْكِيكُ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ غِيَابُ أَدَوَاتِ الْقُوَّةِ بِوَصْفِهِ إِعْلَانًا مَلَكِيًّا
يَتَعَمَّدُ يَسُوعُ فِي دُخُولِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ غِيَابَ كُلِّ مَا يَرْمِزُ إِلَى السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ، فَيَتَحَوَّلُ الْغِيَابُ ذَاتُهُ إِلَى لُغَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ تُظْهِرُ أَنَّ مَلَكُوتَهُ لَيْسَ مِنْ هٰذَا الْعَالَمِ.
1. غِيَابُ الْفَرَسِ رَفْضُ الظُّهُورِ الْعَسْكَرِيِّ
فِي الْمَمَالِكِ الْقَدِيمَةِ، يَدُلُّ الْفَرَسُ عَلَى الْقُدْرَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ. وَعِنْدَ سُلَيْمَانَ، كَانَ رَفْضُ الْفَرَسِ خِيَارًا لَاهُوتِيًّا. أَمَّا عِنْدَ يَسُوعَ، فَغِيَابُ الْفَرَسِ هُوَ رَفْضٌ كَامِلٌ لِمَنْطِقِ الْقُوَّةِ.
- لَا فَرَسَ،
- لَا مَرْكَبَةَ،
- لَا حَرَسَ مَلَكِيًّا،
- لَا مَوْكِبَ مُسَلَّحًا.
إِنَّ مَلَكُوتَ يَسُوعَ لَا يَقُومُ عَلَى الرَّدْعِ،بَلْ عَلَى الِانْكِشَافِ الْكَامِلِ.
2. غِيَابُ السَّيْفِ رَفْضُ الدِّفَاعِ عَنِ الذَّاتِ
عِنْدَمَا حَاوَلَ بُطْرُسُ اسْتِخْدَامَ السَّيْفِ، رَفَضَ يَسُوعُ ذٰلِكَ قَائِلًا: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى غِمْدِهِ، فَكُلُّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِالسَّيْفِ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ» (مَتَّى 26: 52).
إِنَّهُ إِعْلَانٌ صَرِيحٌ بِأَنَّ:الْمَلَكُوتَ لَا يُحْفَظُ بِالْقُوَّةِ،وَلَا يَنْمو بِالْعُنْفِ،وَلَا يُؤَسَّسُ بِالْمُوَاجَهَةِ.
3. غِيَابُ الْبِنَاءِ السِّيَاسِيِّ رَفْضُ التَّحَالُفَاتِ
لَمْ يَسْعَ يَسُوعُ إِلَى دَعْمٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ تَحَالُفٍ حِزْبِيٍّ.لَمْ يَنْتَمِ إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ، وَلَا الصَّدُّوقِيِّينَ، وَلَا الْغُيُورِينَ، وَلَا الْهِيرُودُسِيِّينَ. مَلَكُوتُهُ مُطْلَقُ الِاسْتِقْلَالِ عَنِ الْأَنْظِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ،لِأَنَّهُ مَلَكُوتٌ يُصَاغُ فِي الدَّاخِلِ، لَا فِي الْبُنَى الْخَارِجِيَّةِ.
ثَانِيًا: تَفْكِيكُ الِانْتِظَارِ الشَّعْبِيِّ صِدَامٌ بَيْنَ الْخَيَالِ السِّيَاسِيِّ وَالْمَلَكُوتِ الرُّوحِيِّ
الْجُمُوعُ الَّتِي هَتَفَتْ «هُوشَعْنَا» كَانَتْ تَتَوَقَّعُ:
- تَحْرِيرًا مِنْ رُومَا،
- إِعَادَةَ مَمْلَكَةِ دَاوُدَ،
- مَلِكًا أَرْضِيًّا يُعِيدُ مَجْدَ إِسْرَائِيلَ.لٰكِنَّ دُخُولَ يَسُوعَ يَكْشِفُ التَّفَاوُتَ الْجَذْرِيَّ بَيْنَ انْتِظَارِ الشَّعْبِ وَمَشِيئَةِ اللهِ.
1. الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ مَمْلَكَةً، وَالْمَسِيحُ يُقَدِّمُ مَلَكُوتًا
- الْمَمْلَكَةُ = نِظَامٌ سِيَاسِيٌّ.
- الْمَلَكُوتُ = حُضُورُ اللهِ.هٰذَا الِاخْتِلَافُ الْعَمِيقُ هُوَ سَبَبُ الصِّدَامِ بَيْنَ الْجُمُوعِ وَيَسُوعَ.
2. الشَّعْبُ يَطْلُبُ الْعَرْشَ، وَيَسُوعُ يَتَّجِهُ نَحْوَ الصَّلِيبِ
إِنَّ الشَّعْبَ يُهَيِّئُ لَهُ طَرِيقَ التَّتْوِيجِ،بَيْنَمَا يَسُوعُ يُهَيِّئُ لَهُمْ طَرِيقَ الْخَلَاصِ.مُفَارَقَةٌ كَهٰذِهِ تَجْعَلُ مِنَ الْهُتَافِ بَدَايَةَ سُوءِ فَهْمٍ عَمِيقٍ.
3. الشَّعْبُ يُرِيدُ مَلِكًا يَنْتَصِرُ، وَالْمَسِيحُ يُقَدِّمُ مَلِكًا يَمُوتُ
لَا يَسْتَطِيعُ الْوَعْيُ الشَّعْبِيُّ أَنْ يَفْهَمَ:
- قُوَّةَ الْوَدَاعَةِ،
- سِيَادَةَ الصَّمْتِ،
- حُكْمَ الصَّلِيبِ.وَلِذٰلِكَ سَيَصْرُخُونَ بَعْدَ أَيَّامٍ: «اصْلِبْهُ!»،لَيْسَ لِأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَهُ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ تَصَوُّرَهُمْ لِلْمَلِكِ.
ثَالِثًا: إِعَادَةُ تَأْسِيسِ الْهُوِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ الصَّلِيبُ هُوَ الْعَرْشُ الْوَحِيدُ
إِنَّ لَحْظَةَ دُخُولِ الْمَسِيحِ هِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يُعْلَنُ فِيهَا أَنَّ الْهُوِيَّةَ الْمَلَكِيَّةَ لَا تُفْهَمُ إِلَّا بِالصَّلِيبِ.
1. الصَّلِيبُ كَتَتْوِيجٍ
فِي الْأَدَبِ الْإِنْجِيلِيِّ، تَرْتَبِطُ الْإِشَارَةُ إِلَى «رَفْعِ» الْمَسِيحِ بِمَوْتِهِ:«وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ، هٰكَذَا يَجِبُ أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الْإِنْسَانِ» (يُو 3: 14).
الرَّفْعُ هُوَ التَّتْوِيجُ.وَالصَّلِيبُ هُوَ:مَكَانُ الْحُكْمِ،وَكُرْسِيُّ الْمَلِكِ،وَعَلَامَةُ السِّيَادَةِ.
2. تَاجٌ مِنْ شَوْكٍ إِعَادَةُ بِنَاءِ رَمْزِ التَّاجِ
تَاجُ الشَّوْكِ لَيْسَ إِهَانَةً، بَلْ هُوَ:
- عَكْسُ تَاجِ الذَّهَبِ،
- نَقْدٌ لِلسُّلْطَةِ الْبَشَرِيَّةِ،
- كَشْفٌ لِهُوِيَّةِ الْمَلِكِ الْحَقِيقِيِّ:مَلِكٌ يَحْكُمُ عَبْرَ الْأَلَمِ لَا عَبْرَ الْإِخْضَاعِ.
3. لَقَبُ «مَلِكِ الْيَهُودِ» إِعْلَانُ مَلَكُوتٍ خَارِجِ السَّيْطَرَةِ السِّيَاسِيَّةِ
اللَّحْظَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ فِيهَا لَوْحَةُ «مَلِكِ الْيَهُودِ» عَلَى الصَّلِيبِ هِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا مَعْنَى الْمَلَكُوتِ:
- مَلِكٌ يَمُوتُ، لٰكِنَّهُ يَمْلِكُ،
- مَلِكٌ يُهَانُ، لٰكِنَّهُ يُمَارِسُ السِّيَادَةَ.
- مَلِكٌ يُرْفَضُ، لٰكِنَّهُ يُخَلِّصُ.
رَابِعًا: إِعَادَةُ تَعْرِيفِ النَّجَاحِ الْمَلَكِيِّ مِنَ الِانْتِصَارِ الْخَارِجِيِّ إِلَى الِانْتِصَارِ الدَّاخِلِيِّ
فِي مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ، كَانَ النَّجَاحُ الْمَلَكِيُّ يُقَاسُ عَبْرَ:
- الِاسْتِقْرَارِ،
- الْحِكْمَةِ،
- الْبِنَاءِ،
- الِازْدِهَارِ.
أَمَّا فِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ، فَيُقَاسُ النَّجَاحُ عَبْرَ:
- الصَّلِيبِ،
- الْغُفْرَانِ،
- مَحَبَّةِ الْأَعْدَاءِ،
- انْتِصَارِ الرُّوحِ عَلَى الْعَالَمِ.
1. نَجَاحُ سُلَيْمَانَ: حِكْمَةُ الْأَرْضِإِنَّهُ نَجَاحٌ تَارِيخِيٌّ.
2. نَجَاحُ الْمَسِيحِ: حِكْمَةُ السَّمَاءِإِنَّهُ نَجَاحٌ أَبَدِيٌّ.
3. النَّجَاحُ الْمَلَكِيُّ فِي الْمَسِيحِ: قُوَّةٌ تُعْلَنُ مِنْ دَاخِلِ الْهَشَاشَةِ
يُعْلِنُ الْمَسِيحُ عَلَى لِسَانِ بُولُسَ الرَّسُولِ الْقُوَّةَ مِنْ خِلَالِ الضَّعْفِ، فَيَقُولُ فِي رِسَالَتِهِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَهْلِ كُورِنْتُسَ:«فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ نِعْمَتِي، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ تَبْلُغُ غَايَتَهَا فِي الضَّعْفِ. فَإِذًا أَسُرُّ مَسَرًّا بِأَنْ أَفْتَخِرَ بِضُعْفِي، لِتَحُلَّ نِعْمَةُ الْمَسِيحِ عَلَيَّ» (2 كُور 12: 9).هٰذَا الْإِعْلَانُ هُوَ قَلْبُ الِانْقِلَابِ الْمَسِيحَانِيِّ:
- الْقُوَّةُ = وَدَاعَةٌ،
- السِّيَادَةُ = تَضْحِيَةٌ،
- الْحُكْمُ = خِدْمَةٌ،
- الِانْتِصَارُ = الْقِيَامَةُ.
خَامِسًا: إِعَادَةُ صِيَاغَةِ السُّلْطَةِ السُّلْطَةُ بِوَصْفِهَا مَحَبَّةً[19]
السُّلْطَةُ فِي الْمَلَكُوتِ لَيْسَتْ:
- سَيْطَرَةً،
- هَيْمَنَةً،
- فَرْضًا.
بَلْ هِيَ:
- مَحَبَّةً،
- بَذْل،
- دَعْوَة
1. السُّلْطَةُ المُتَجَسِّدَةُ فِي الْمَسِيح
السُّلْطَةُ لَيْسَتْ حَقًّا، بَلْ عَطَاءً، وَلَيْسَتْ مَكَانَةً، بَلْ تَنَازُلًا. وَلَيْسَتْ قُدْرَةً، بَلْ خِدْمَةً.
2. السُّلْطَةُ الَّتِي لَا تُمارَسُ بَلْ تُظْهِرُ الْمَلَكُوت
الْمَلَكُوتُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُمارَسَةِ السُّلْطَةِ لِيُظْهِرَ وُجُودَهُ، إِنَّهُ يُعْلِنُ ذَاتَهُ عَبْرَ:
- الْغُفْرَان
- والْمَحَبَّة
- وَالتَّوَاضُع
- وَالْقُرْبِ مِنَ الْمُتَأَلِّمِينَ
السُّلْطَةُ بِوَصْفِهَا تَخَلِّيً: كُلَّمَا تَخَلَّى الْمَلِكُ عَنْ ذَاتِهِ،كُلَّمَا ظَهَرَ مَلَكُوتُهُ أَكْثَرَ. هٰكَذَا تُلْغَى السُّلْطَةُ الْبَشَرِيَّةُ لِصَالِحِ سُلْطَانِ الْمَلَكُوتِ.
نستنتج مما تقدم أَنَّ الدُّخُولَ الْمَسِيحَانِيَّ يُعْلِنُ ثَوْرَةً لَاهُوتِيَّةً عَلَى مَنْطِقِ الْعَالَمِ: فالْقُوَّةُ تُسْتَبْدَلُ بِالْوَدَاعَةِ،وَالْعَرْشُ يُسْتَبْدَلُ بِالصَّلِيبِ،وَالْمُلْكُ يُسْتَبْدَلُ بِالْمَلَكُوتِ،وَالسَّيْطَرَةُ تُسْتَبْدَلُ بِالْمَحَبَّةِ.وَهٰكَذَا يُصْبِحُ يَسُوعُ الْمَلِكَ الَّذِي: لَا يَفْرِضُ سُلْطَانَهُ، وَلَا يَخْضَعُ لِانْتِظَارِ الشَّعْبِ،وَلَا يَطْلُبُ حِمَايَةً سِيَاسِيَّةً، وَلَا يَسْتَعْمِلُ أَدَوَاتِ الْقُوَّةِ، بَلْ يُعْلِنُ مَلَكُوتَهُ مِنْ دَاخِلِ التَّجَرُّدِ، وَالضَّعْفِ الظَّاهِرِ، وَالْعَطَاءِ الْكَامِلِ.الْمَلَكُوتُ يَبْدَأُ يَوْمَ الدُّخُولِ،لٰكِنَّهُ يُعْلَنُ يَوْمَ الصَّلِيبِ، وَيَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُكْشَفُ لِلْكَنِيسَةِ فِي الزَّمَنِ.
تَحَوُّلُ الْهُوِيَّةِ الْمَسِيحَانِيَّةِ فِي الدُّخُولِ إِلَى أُورُشَلِيمَ: مِنَ الشَّرْعِيَّةِ الدَّاوُدِيَّةِ إِلَى السِّيَادَةِ الْكَوْنِيَّ [20]يُشَكِّلُ دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ نُقْطَةَ انْعِطَافٍ مِحْوَرِيَّةً فِي الْبِنَاءِ الْكِرِيسْتُولُوجِيِّ لِلْأَنَاجِيلِ، لِأَنَّهُ الْحَدَثُ الَّذِي تَتَعَرَّى فِيهِ التَّوَقُّعَاتُ الْبَشَرِيَّةُ لِلْمَلِكِ الْمُنْتَظَرِ، وَتَنْكَشِفُ فِيهِ هُوِيَّةُ الْمَسِيحِ الْحَقِيقِيَّةُ بَوَصْفِهِ مَلِكًا لَا يَنْتَمِي فَقَطْ إِلَى نَسْلِ دَاوُدَ التَّارِيخِيِّ، بَلْ إِلَى سِيَادَةِ اللهِ الْكَوْنِيَّةِ.
فَاللَّقَبُ الَّذِي تَهْتِفُ بِهِ الْجُمُوعُ «ابْنُ دَاوُدَ» صَحِيحٌ كِتَابِيًّا، لٰكِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ لِاحْتِوَاءِ سِرِّ الْمَسِيحَانِيَّةِ. أَمَّا اللَّقَبُ الَّذِي يُعَرِّفُ بِهِ يَسُوعُ نَفْسَهُ «ابْنُ الْإِنْسَانِ» فَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ أُفُقَ الْمَلَكُوتِ، وَيَكْشِفُ بُعْدًا خَلَاصِيًّا يَتَجَاوَزُ الرُّؤْيَةَ الْقَوْمِيَّةَ الضَّيِّقَةَ الْمُرْتَبِطَةَ بِمَمْلَكَةِ دَاوُدَ.
أَوَّلًا: لَقَبُ «ابْنُ دَاوُدَ» الشَّرْعِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ وَالِانْتِظَارُ الْمَلَكِيُّ
يَسْتَقْبِلُ يَسُوعَ فِي لَحْظَةِ الدُّخُولِ هُتَافُ الشَّعْبِ:«هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ!».يَأْتِي هٰذَا الْهُتَافُ مَحْمُولًا عَلَى خَلْفِيَّةٍ كِتَابِيَّةٍ طَوِيلَةٍ، يَشْكِّلُ فِيهَا لَقَبُ «ابْنِ دَاوُدَ» مِحْوَرًا أَسَاسِيًّا لِلْأَمَلِ الْمَسِيحانِيِّ الْمُنْتَظَرِ.
1. الْبُعْدُ الْكِتَابِيُّ لِلَّقَبِ
يَسْتَنِدُ اللَّقَبُ إِلَى وُعُودِ اللهِ لِدَاوُدَ «أُقِيمُ نَسْلَكَ مِنْ بَعْدِكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ، وَأُثَبِّتُ مُلْكَهُ، وَهُوَ يَبْنِي بَيْتًا لِاسْمِي، وَأُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مُلْكِهِ إِلَى الْأَبَدِ. أَكُونُ لَهُ أَبًا، وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا.» (٢ صَمُوئِيلَ ٧)، حَيْثُ يَتَعَهَّدُ الرَّبُّ بِإِقَامَةِ نَسْلٍ أَبَدِيٍّ لَهُ. وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ الْإِعْلَانُ النَّبَوِيُّ إِلَى أَسَاسٍ لِلرَّجَاءِ الْيَهُودِيِّ بِمَلِكٍ مُحَرِّرٍ يُعِيدُ: وَحْدَةُ الشَّعْبِ،حُكْمُ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ،وَالِاسْتِقْلَالُ السِّيَاسِيُّ. مِنْ هُنَا، فَإِنَّ هُتَافَ الشَّعْبِ لَيْسَ اعْتِبَاطِيًّا، بَلْ هُوَ قِرَاءَةٌ وَاعِيَةٌ لِلْمَسِيحِ عَلَى خَلْفِيَّةٍ دَاوُدِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ.
2. الْبُعْدُ الشَّعْبِيُّ لِلَّقَبِ
يَرَى الشَّعْبُ فِي يَسُوعَ: وَارِثًا لِدَاوُدَ، وَمُحَرِّرًا مِنَ الِاحْتِلَالِ،وَمَلِكًا قَادِرًا عَلَى اسْتِعَادَةِ الْمَمْلَكَةِ التَّارِيخِيَّةِ.إِنَّ هُتَافَ «هُوشَعْنَا» (خَلِّصْنَا الآنَ) هُوَ صَرْخَةٌ تَمْزُجُ بَيْنَ الِانْبِهَارِ وَالرَّجَاءِ السِّيَاسِيِّ.
3. مَحْدُودِيَّةُ اللَّقَبِ
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صِحَّتِهِ الْكِتَابِيَّةِ، يَبْقَى لَقَبُ «ابْنِ دَاوُدَ» مَحْدُودًا لِأَنَّهُ:
يَرْتَبِطُ بِمَمْلَكَةٍ أَرْضِيَّةٍ،وَيَعْكِسُ تَوَقُّعًا قَوْمِيًّا، وَيَحْصُرُ الْخَلَاصَ فِي إِطَارٍ سِيَاسِيٍّ. يَسُوعُ يَقْبَلُ اللَّقَبَ لِأَنَّهُ صَادِقٌ،لٰكِنَّهُ لَا يَسْمَحُ لَهُ بِأَنْ يَسْجِنَهُ دَاخِلَ إِطَارٍ تَارِيخِيٍّ ضَيِّقٍ.
ثَانِيًا: لَقَبُ «ابْنِ الإِنْسَان» الْهُوِيَّةُ الْخَلَاصِيَّةُ وَالْمُلُوكِيَّةُ الْكَوْنِيَّة[21]
فِي مُقَابِلِ اللَّقَبِ الدَّاوُدِيِّ الَّذِي يُطْلِقُهُ الشَّعْبُ، يُقَدِّمُ يَسُوعُ نَفْسَهُ عَبْرَ لَقَبٍ آخَرَ: «ابْنِ الإِنْسَان»، وَهُوَ اللَّقَبُ الأَكْثَرُ حُضُورًا فِي الأَنَاجِيلِ عَلَى لِسَانِهِ.
1. الْجُذُورُ الدَّانِيَالِيَّةُ لِلَّقَب
يَسْتَنِدُ هَذَا اللَّقَبُ إِلَى رُؤْيَا دَانِيَالَ رَأَيْتُ فِي رُؤَى اللَّيْلِ، فَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ بَشَرٍ آتٍ، فَبَلَغَ إِلَى الشَّيْخِ الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ إِلَى أَمَامِهِ، فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمُلْكًا، فَجَمِيعُ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسُنِ عَبَدُوهُ، وَسُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ لَا يَزُولُ، وَمُلْكُهُ لَا يَنْقَرِضُ. (دَانِيَال 7: 13–14) حَيْثُ يَظْهَرُ «ابْنُ الإِنْسَان» كَشَخْصٍ:يُعْطَى سِيَادَةً أَبَدِيَّةً،مَلَكُوتًا لَا يَزُولُ،سُلْطَانًا عَلَى الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَاللُّغَاتِ،سُلْطَةً لَا تَسْقُطُ تَحْتَ قَيْدِ الزَّمَنِ. هَذَا اللَّقَبُ لَا يُشِيرُ إِلَى نَسَبٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ إِلَى سِيَادَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
2. الِاسْتِخْدَامُ الْمَسِيحَانِيُّ لِلَّقَب
يَرْتَبِطُ لَقَبُ «ابْنِ الإِنْسَان» فِي كَلَامِ يَسُوعَ بِثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ:
- الآلَامُ: «يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَان…»
- الصَّلْبُ: «كَمَا رُفِعَ مُوسَى الْحَيَّةَ… هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَان…»
- الْقِيَامَةُ وَالْمَجْدُ: «سَيَرَوْنَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَجْدِ أَبِيهِ…»
وَبِذَلِكَ يُصْبِحُ اللَّقَبُ إِطَارًا لَاهُوتِيًّا يُعَبِّرُ عَنْ:
- مَسَارِ الْخَلَاصِ،
- الطَّرِيقِ إِلَى الْمَجْدِ عَبْرَ الأَلَمِ،
- مَلَكُوتٍ يَتَأَسَّسُ بِالصَّلِيبِ.
3. تَفَوُّقُ اللَّقَبِ عَلَى التَّصَوُّرِ الشَّعْبِيِّ
لَا يَرْفُضُ يَسُوعُ اللَّقَبَ الدَّاوُدِيَّ، لَكِنَّهُ «يَتَجَاوَزُهُ» بِلَقَبٍ يَشْرَحُ ذَاتَهُ وَمَلَكُوتَهُ عَلَى مُسْتَوًى:خَلَاصِيٍّ، كَوْنِيٍّ، إِلَهِيٍّ.
ثَالِثًا: الدُّخُولُ الْمَسِيحَانِيُّ كَجِسْرٍ بَيْنَ اللَّقَبَيْنِ الْتِقَاءُ الشَّرْعِيَّةِ بِالرِّسَالَةِ
يُشَكِّلُ دُخُولُ الْمَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ نُقْطَةَ التَّمَاسِ بَيْنَ اللَّقَبَيْنِ بِطَرِيقَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ:
1. الشَّعْبُ يُعْلِنُ الشَّرْعِيَّةَ التَّارِيخِيَّةَ («ابْنَ دَاوُدَ»)وَهَذَا الإِعْلَانُ يُثْبِتُ التَّجَذُّرَ الدَّاوُدِيَّ لِلْمَسِيحِ، وَيُظْهِرُ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ غَرِيبًا عَنْ وُعُودِ اللهِ الْقَدِيمَةِ.
2. يَسُوعُ يُعْلِنُ الشَّرْعِيَّةَ السَّمَاوِيَّةَ («ابْنَ الإِنْسَان») وَبِهَذَا يَكْشِفُ أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اسْتِمْرَارٍ لِمُلْكِ دَاوُدَ، بَلْ هُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَأْتِي بِالْمَلَكُوتِ نَفْسِهِ.
3. الدُّخُولُ بِوَصْفِهِ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ
يَمْتَزِجُ اللَّقَبَانِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ:
- «ابْنُ دَاوُدَ» = الِامْتِدَادُ التَّارِيخِيُّ،
- «ابْنُ الإِنْسَان» = الِامْتِدَادُ السَّمَاوِيُّ. فَيَتَحَوَّلُ الدُّخُولُ إِلَى:لَحْظَةِ اعْتِرَافٍ شَعْبِيٍّ،وَلَحْظَةِ إِعْلَانٍ لَاهُوتِيٍّ، وَمَسْرَحِ انْتِقَالٍ مِنْ مُلْكِ الأَرْضِ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.
رَابِعًا: الْمُفَارَقَةُ الْكْرِيسْتُولُوجِيَّةُ مَلِكٌ أَرْضِيٌّ مُنْتَظَرٌ وَمَلِكٌ سَمَاوِيٌّ مُعْلَنٌ
يُظْهِرُ الدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ صِدَامًا بَيْنَ رُؤْيَتَيْنِ لِلْمَلِكِ:
1. رُؤْيَةُ الشَّعْبِ: مَلِكٌ أَرْضِيٌّ مُنْتَصِرٌ
- عَرْشٌ،
- هَيْبَةٌ سِيَاسِيَّةٌ،
- تَحْرِيرٌ وَطَنِيٌّ،
- قُوَّةٌ ظَاهِرَةٌ.
2. رُؤْيَةُ الْمَسِيحِ: مَلِكٌ سَمَاوِيٌّ مُتَأَلِّمٌ
- صَلِيبٌ بَدَلَ الْعَرْشِ،
- وَدَاعَةٌ بَدَلَ الْهَيْبَةِ،
- ذَبِيحَةٌ بَدَلَ انْتِصَارٍ،
- خَلَاصٌ لَا يَخُصُّ أُمَّةً وَاحِدَةً بَلِ الْعَالَمَ كُلَّهُ.
3. تَحْقِيقُ الْمُنْتَظَرِ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُنْتَظَرَةٍ
نَعَمْ، يَسُوعُ هُوَ ابْنُ دَاوُدَ،لَكِنَّ مَجْدَهُ الدَّاوُدِيَّ يَتَحَقَّقُ عَلَى خَشَبَةٍ،لَا عَلَى كُرْسِيٍّ.
خَامِسًا: اكْتِمَالُ اللَّقَبَيْنِ فِي الصَّلِيبِ وَالْقِيَامَةِ
- لَا يُفْهَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّقَبَيْنِ إِلَّا عَلَى ضَوْءِ الصَّلِيبِ:
1. ابْنُ دَاوُدَ يَمُوتُ
لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِي ضَعْفِ الْبَشَرِ وَيُوَاجِهُ الْمَوْتَ كَإِنْسَانٍ كَامِلٍ.
2. ابْنُ الإِنْسَانِ يَقُومُ
لِأَنَّهُ يَحْمِلُ السِّيَادَةَ الإِلَهِيَّةَ الَّتِي تَتَخَطَّى حُدُودَ الْمَوْتِ.
3. كَمَالُ الْوَعْدِ الدَّاوُدِيِّ يَتَحَقَّقُ فِي الْقِيَامَةِ
فِي ضَوْءِ الْقِيَامَةِ: تُعَادُ قِرَاءَةُ دَاوُدِيَّةِ يَسُوعَ، يَتَحَوَّلُ النَّسَبُ الأَرْضِيُّ إِلَى نَسَبٍ مَلَكُوتِيٍّ، وَتَظْهَرُ كَوْنِيَّةُ مُلْكِهِ. إِنَّ الْمَسِيحَ لَا يُبْطِلُ الْوَعْدَ الْقَدِيمَ، بَلْ يَرْفَعُهُ إِلَى مُسْتَوَاهُ الإِلَهِيِّ، وَيَجْعَلُ «كُرْسِيَّ دَاوُدَ» رَمْزًا لِعَرْشٍ أَبَدِيٍّ لَا يَزُولُ.
أَنَّ الدُّخُولَ الْمَسِيحَانِيَّ يَكْشِفُ:تَجَذُّرَ يَسُوعَ فِي الشَّرْعِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ («ابْنَ دَاوُدَ»)،مَعَ تَجَاوُزِهِ لِهَذِهِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوَ سِيَادَةٍ خَلَاصِيَّةٍ–كَوْنِيَّةٍ («ابْنَ الإِنْسَان»)،وَأَنَّ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ يَجِدُ كَمَالَهُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ،وَأَنَّ الْمُلْكَ الأَرْضِيَّ يَجِدُ تَحَقُّقَهُ الْكَامِلَ فِي الْمَلَكُوتِ،وَأَنَّ الصَّلِيبَ هُوَ نُقْطَةُ الْتِقَاءِ اللَّقَبَيْنِ:الإِنْسَانُ ابْنُ دَاوُدَ،
- وَالإِلَهُ ابْنُ الإِنْسَانِ،
- وَالْمَلِكُ الَّذِي يَمُوتُ لِيَمْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. وَبِذَلِكَ يُصْبِحُ دُخُولُ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَدَثَ الْهُوِيَّةِ الْمُزْدَوِجَةِ:
- هُوَ ابْنُ دَاوُدَ الَّذِي يُحَقِّقُ وُعُودَ التَّارِيخِ،
- وَهُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْتَتِحُ مَلَكُوتَ اللهِ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ.
الْبِنْيَةُ الدِّرَامِيَّةُ لِلدُّخُولِ الْمَسِيحَانِيِّ: بَيْنَ الْمَسْرَحِ الْمَلَكِيِّ الْخَارِجِيِّ وَالسِّرِّ الْخَلَاصِيِّ الدَّاخِلِيِّ[22]
إِنَّ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَا يُفْهَمُ فَقَطْ بِوَصْفِهِ حَدَثًا تَارِيخِيًّا أَوْ طَقْسًا شَعْبِيًّا، بَلْ بِوَصْفِهِ دِرَامَا لَاهُوتِيَّةً مُرَكَّبَةً، يَبْلُغُ فِيهَا الرَّمْزُ ذُرْوَتَهُ، وَيَتَحَوَّلُ «الْمَشْهَدُ الْمَلَكِيُّ» الظَّاهِرُ أَمَامَ الْجُمُوعِ إِلَى «مَسْرَحٍ إِلَهِيٍّ» بَاطِنِيٍّ تَكْشِفُ مِنْ خِلَالِهِ هُوِيَّةُ الْمَسِيحِ وَرِسَالَتُهُ.مَظْهِرَ التَّوَتُّرَ الْمِحْوَرِيَّ بَيْنَ مَا تَرَاهُ الْجُمُوعُ وَمَا يُحَقِّقُهُ الْمَلَكُوتُ، وَبَيْنَ مَا يَتَوَقَّعُهُ التَّارِيخُ وَمَا يَفْعَلُهُ اللهُ.
أَوَّلًا: ثُنَائِيَّةُ الْمَسْرَحِ – بَيْنَ رُؤْيَةِ الْجُمُوعِ وَرُؤْيَةِ الْمَلِكِ
يَتَوَزَّعُ مَشْهَدُ الدُّخُولِ عَلَى مُسْتَوَيَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ:
1. الْمَشْهَدُ الظَّاهِرُ: فَرَحٌ، أَغْصَانٌ، هُتَافٌ، مَوْكِبٌ.
2. الْمَشْهَدُ الْبَاطِنُ: وَدَاعَةٌ، مَسْحَةٌ خَفِيَّةٌ، طَرِيقٌ نَحْوَ الصَّلِيبِ.
هَذِهِ الثُّنَائِيَّةُ تَجْعَلُ الْحَدَثَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلِاخْتِزَالِ:
إِنَّهُ دُخُولٌ «مَلَكِيٌّ» مِنْ حَيْثُ الشَّكْلُ، وَدُخُولٌ «فِدَائِيٌّ» مِنْ حَيْثُ الْجَوْهَرُ.
1. الْمَسْرَحُ الظَّاهِرُ مَشْهَدُ مَلِكٍ أَرْضِيٍّ
تَرَى الْجُمُوعُ: يَسُوعَ عَلَى حَيَوَانٍ بَسِيطٍ،هُتَافَاتٍ تُشْبِهُ دُخُولَ الْمُلُوكِ،رُمُوزًا دَاوُدِيَّةً،فَرَحً جَمَاهِيرِيًّا،إِيقَاعًا طَقْسِيًّا.تَقْرَأُ الْجُمُوعُ الْمَشْهَدَ عَبْرَ سُلَيْمَانَ:مَلِكٌ يَدْخُلُ لِيَنْتَصِرَ.
2. الْمَسْرَحُ الْبَاطِنُ مَشْهَدُ الْمَلَكُوتِ
لَكِنَّ يَسُوعَ يَرَى:طَرِيقًا نَحْوَ الآلَامِ،بِدَايَةَ مَسَارِ الصَّلِيبِ،لَحْظَةَ تَكْمِيلِ النُّبُوءَاتِ،بِدَايَةَ «سَاعَةِ» اللهِ،انْتِقَالَ الزَّمَانِ مِنْ تَارِيخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى تَارِيخِ الْخَلَاصِ.تَقْرَأُ السَّمَاءُ الْمَشْهَدَ عَبْرَ ابْنِ الإِنْسَانِ:مَلِكٌ يَدْخُلُ لِيَمُوتَ.
ثَانِيًا: لَحْظَةُ الِانْفِصَالِ عِنْدَمَا يَبْدَأُ الْمَلَكُوتُ حَيْثُ يَنْتَهِي الْهُتَافُ
فِي الْبِنَاءِ السَّرْدِيِّ لِلْإِنْجِيلِ، هُنَاكَ لَحْظَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ:
الْهُتَافِ الشَّعْبِيِّ،وَالصَّمْتِ الَّذِي يُحِيطُ بِيَسُوعَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ.
1. الْهُتَافُ يُعْلِنُ مَا يَعْرِفُهُ الشَّعْبُ: الْجُمُوعُ تَنْطِقُ بِمَا هُوَ مَأْلُوفٌ:مَلِكٌ دَاوُدِيٌّ،مُخَلِّصٌ سِيَاسِيٌّ، زَعِيمٌ شَعْبِيٌّ.
2. الصَّمْتُ يُعْلِنُ مَا يَعْرِفُهُ اللهُ:
بَعْدَ الدُّخُولِ، يَنْتَهِي الْهُتَافُ، وَتَبْدَأُ لَحْظَةُ:
تَطْهِيرِ الْهَيْكَلِ،مُوَاجَهَةِ السُّلْطَةِ،كَشْفِ النِّفَاقِ،بِدْءِ الْمَسَارِ نَحْوَ الآلَامِ.الصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ غِيَابًا، بَلْ لُغَةٌ:لُغَةُ الْمَلَكُوتِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى الأَصْوَاتِ لِيُعْلِنَ ذَاتَهُ.
ثَالِثًا: التَّحَوُّلُ مِنَ الِاحْتِفَالِ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ إِعَادَةُ تَرْكِيبِ الزَّمَنِ السَّرْدِيِّ
يُعِيدُ الإِنْجِيلِيُّونَ تَرْتِيبَ الزَّمَنِ بِحَيْثُ يَتَحَوَّلُ «أُسْبُوعُ الآلَامِ» إِلَى مِحْوَرٍ وُجُودِيٍّ:
1. مِنْ يَوْمِ التَّتْوِيجِ إِلَى أُسْبُوعِ الأَلَمِ
- فِي الْمُلُوكِ الأَرْضِيِّينَ:
- الدُّخُولُ → بِدَايَةُ الْحُكْمِ.
- أَمَّا فِي يَسُوعَ:
- الدُّخُولُ → بِدَايَةُ الْفِدَاءِ.
2. مِنِ اسْتِقْبَالِ الْمَلِكِ إِلَى مُحَاكَمَةِ الْمَلِكِ
- فِي الرِّوَايَةِ الْكِتَابِيَّةِ: يَبْدَأُ الْحُكْمُ بِإِنْصَاتِ الشَّعْبِ لِلْمَلِكِ،
- أَمَّا هُنَا: يَبْدَأُ الْمَلَكُوتُ بِمُحَاكَمَةِ الْمَلِكِ أَمَامَ الشَّعْبِ. يُصْبِحُ الْمَلِكُ نَفْسُهُ مَوْضُوعَ الْحُكْمِ،وَهَذَا الِانْقِلَابُ يَنْسِفُ مَنْطِقَ الْمُلُوكِيَّةِ الأَرْضِيَّةِ مِنْ جُذُورِهِ.
رَابِعًا: الْبُعْدُ السِّرِّيُّ لِلدُّخُولِ تَفْعِيلُ «سَاعَةِ» يَسُوعَ
يَتَحَدَّثُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا عَنْ «السَّاعَةِ» الَّتِي يَنْتَظِرُهَا يَسُوعُ، وَهِيَ لَيْسَتْ سَاعَةَ التَّتْوِيجِ بَلْ سَاعَةَ الصَّلِيبِ.
1. الدُّخُولُ كَبِدَايَةٍ لِلسَّاعَةِ
عِنْدَ دُخُولِ يَسُوعَ، يَقُولُ النَّصُّ:«اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ» (يُو 12: 23).
- التَّمْجِيدُ هُنَا = الصَّلِيبُ،
- وَالصَّلِيبُ = لَحْظَةُ الْمَلَكُوتِ،
- وَالْمَلَكُوتُ = مِلْءُ الإِعْلَانِ.
الْحَدَثُ كَطَقْسِ عُبُورٍ
- الدُّخُولُ هُوَ لَحْظَةُ «عُبُورٍ»:
- مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِرْسَالِ،
- مِنَ التَّعْلِيمِ إِلَى الْبَذْلِ،
- مِنَ الْوَدَاعَةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْمَجْدِ الْخَلَاصِيِّ،
- مِنْ مَمْلَكَةِ الأَرْضِ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.يُصْبِحُ الْمَشْهَدُ كُلُّهُ احْتِفَالًا بِالْعُبُورِ نَحْوَ الْمَوْتِ،لَا احْتِفَالًا بِالْمَلِكِ الأَرْضِيِّ.
خَامِسًا: الرَّمْزِيَّةُ الْمُزْدَوَجَةُ لِلْحَيَوَانِ – مِنْ بَغْلِ دَاوُدَ إِلَى جَحْشِ يَسُوعَ
تَحْمِلُ ثُنَائِيَّةُ الْحَيَوَانَيْنِ (الْبَغْلِ والْجَحْشِ) رَمْزًا دِرَامِيًّا فَرِيدًا:
1. بَغْلُ دَاوُدَ = إِعْلَانُ الْمُلُوكِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ
- شَرْعِيَّةٌ،
- حِكْمَةٌ،
- تَثْبِيتُ الْعَهْدِ.
2. جَحْشُ يَسُوعَ = إِعْلَانُ الْمَلَكُوتِ الْخَلَاصِيِّ
- وَدَاعَةٌ،
- صَلِيبٌ،
- كَشْفُ سِرِّ اللهِ.
الْحَيَوَانُ كَأَدَاةِ تَأْوِيلٍ
يُصْبِحُ الْحَيَوَانُ أَدَاةً دِرَامِيَّةً،بَالِغَةَ الدِّقَّةِ: فَمَا يَحْمِلُهُ الْمَلِكُ يُعْلِنُ طَبِيعَةَ مَلَكُوتِهِ.الْبَغْلُ يَحْمِلُ مَلِكًا لِيَحْكُمَ.الْجَحْشُ يَحْمِلُ مَلِكًا لِيَمُوتَ.
سَادِسًا: الْمَدِينَةُ كَمَسْرَحٍ لِلذِّرْوَةِ مِنْ مَكَانِ الِاسْتِقْرَارِ إِلَى مَكَانِ التَّمَزُّقِ[23]
فِي مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ، كَانَتْ أُورُشَلِيمَ: مَرْكَزَ الْحُكْمِ،مَكَانَ الِاسْتِقْرَارِ،مَدِينَةَ الْعَهْدِ. لَكِنْ فِي عَهْدِ يَسُوعَ، تُصْبِحُ أُورُشَلِيمَ: مَدِينَةَ الرَّفْضِ،مَدِينَةَ الدَّمِ،مَدِينَةَ الذِّرْوَةِ. الِاسْتِقْرَارُ فيها يَتَحَوَّلُ إِلَى مُوَاجَهَةٍ مَا كَانَ فِي الْقَدِيمِ تَأْسِيسًا لِلْمُلْكِ،يَصِيرُ فِي الْجَدِيدِ تَأْسِيسًا لِلْفِدَاءِ.
الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَتْ مَنْزِلَ الْمَلِكِ، تُصْبِحُ مَقْبَرَةَ الْمَلِكِ
لَا يَتَتَوَّجُ يَسُوعُ عَلَى كُرْسِيٍّ،بَلْ عَلَى صَلِيبٍ مَنْصُوبٍ خَارِجَ أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ.
أَنَّ الدُّخُولَ الْمَسِيحَانِيَّ يَحْمِلُ بِنْيَةً دِرَامِيَّةً مُرَكَّبَةً، فِيهَا:
سَطْحٌ يَرَى الْمَلِكَ،وَعُمْقٌ يَرَى الْفِدَاءَ.وَتَتَجَلَّى الدِّرَامَا فِي التَّوَتُّرِ بَيْنَ:هُتَافِ الشَّعْبِ وَصَمْتِ الْمَلِكِ،مَنْطِقِ الأَرْضِ وَمَنْطِقِ السَّمَاءِ،لَقَبِ «ابْنِ دَاوُدَ» وَلَقَبِ «ابْنِ الإِنْسَان»،احْتِفَالِ الدُّخُولِ وَمُحَاكَمَةِ الآلَامِ.وَفِي قَلْبِ هَذِهِ الْبِنْيَةِ يَقِفُ الْمَسِيحُ الَّذِي:يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ بِسَلَامٍ،يَسِيرُ نَحْوَ الصَّلِيبِ بِحُرِّيَّةٍ،وَيُحَوِّلُ تَارِيخَ إِسْرَائِيلَ إِلَى مَسْرَحِ خَلَاصٍ لِلْعَالَمِ.
التَّوَتُّرُ بَيْنَ الرُّمُوزِ الطَّقْسِيَّةِ وَالشِّيفْرَةِ الْخَلَاصِيَّةِ فِي الدُّخُولِ إِلَى أُورُشَلِيمَ[24]
يُمَثِّلُ الدُّخُولُ الْمَسِيحَانِيُّ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَدَثًا غَنِيًّا بِالرُّمُوزِ، تَتَدَاخَلُ فِيهِ الطَّبَقَةُ الطَّقْسِيَّةُ الشَّعْبِيَّةُ بِالطَّبَقَةِ الْخَلَاصِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ، بِحَيْثُ تُصْبِحُ الْمَدِينَةُ مَسْرَحًا لِجَدَلِيَّةٍ لَاهُوتِيَّةٍ تُعِيدُ تَعْرِيفَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ اللهِ وَشَعْبِهِ.وَتَكْشِفُ طَبِيعَةَ التَّبَايُنِ بَيْنَ مَا أَرَادَهُ الشَّعْبُ عَبْرَ الرُّمُوزِ وَمَا أَعْلَنَهُ يَسُوعُ عَبْرَ الْفِعْلِ الرَّمْزِيِّ ذَاتِهِ، فَيَضِيقُ الْمَجَالُ بَيْنَ «تَوَقُّعَاتِ الأَرْضِ» وَ«إِعْلَانَاتِ السَّمَاءِ»، إِلَى أَنْ يَصِلَ التَّوَتُّرُ إِلَى ذُرْوَتِهِ فِي الصَّلِيبِ.
أَوَّلًا: الرُّمُوزُ الطَّقْسِيَّةُ الشَّعْبِيَّةُ قِرَاءَةٌ تَقْلِيدِيَّةٌ لِحَدَثٍ مَلَكِيٍّ
عِنْدَ دُخُولِ يَسُوعَ، يَسْتَخْدِمُ الشَّعْبُ مَجْمُوعَةً مِنَ الرُّمُوزِ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَى الْمِخْيَالِ[25] الْمَلُوكِيِّ التَّقْلِيدِيِّ:
1. الأَغْصَانُ رَمْزُ الِانْتِصَارِ
تُرْمِزُ الأَغْصَانُ، خُصُوصًا النَّخِيلَ، إِلَى:
الْفَرَحِ الْقَوْمِيِّ،
الِاحْتِفَالِ بِالْمَلِكِ الْغَالِبِ،
الصُّورَةِ الْمَكَّابِيَّةِ لِلتَّحْرِيرِ، أَيْ مَسِيحًا مُحَرِّرًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكَّابِيِّينَ، قَائِدًا ثَوْرِيًّا يَنْتَصِرُ بِالسَّيْفِ وَيُقِيمُ السِّيَادَةَ الْقَوْمِيَّةَ.لِهَذَا كَانَتِ الأَغْصَانُ تُسْتَعْمَلُ لِاسْتِقْبَالِ الْمُلُوكِ بَعْدَ الِانْتِصَارَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ،مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ الشَّعْبَ يَقْرَأُ الْحَدَثَ ضِمْنَ إِطَارِ «مَلِكٍ مُحَرِّرٍ».
2. الثِّيَابُ عَلَى الطَّرِيقِ خُضُوعُ الشَّعْبِ لِلْمَلِكِ
يَضَعُ النَّاسُ ثِيَابَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ كَتَعْبِيرٍ عَنْ:الْوَلَاءِ،والِاعْتِرَافِ بِالسُّلْطَانِ،والِاسْتِعْدَادِ لِاتِّبَاعِ الْمَلِكِ فِي مَشْرُوعِهِ السِّيَاسِيِّ.
الْهُتَافُ «هُوشَعْنَا» صَرْخَةُ خَلَاصٍ سِيَاسِيٍّ[26]
كَلِمَةُ «هُوشَعْنَا» (הוֹשַׁעְנָא) تَعْنِي:«خَلِّصْنَا الآنَ».وَهِيَ صَرْخَةٌ ذَاتُ مَضْمُونٍ مُبَاشِرٍ:خَلَاصٌ فَوْرِيٌّ،تَغْيِيرٌ سِيَاسِيٌّ،تَدَخُّلٌ إِلَهِيٌّ لِصَالِحِ الأُمَّةِ.بِهَذِهِ الرُّمُوزِ، يُسْقِطُ الشَّعْبُ عَلَى يَسُوعَ صُورَةَ مَلِكٍ سِيَاسِيٍّ مُنْتَظَرٍ.
ثَانِيًا: الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ الرَّمْزِيَّةُ لِيَسُوعَ تَأْسِيسُ شِيفْرَةٍ خَلَاصِيَّةٍ جَدِيدَةٍ
فِي مُقَابِلِ الرُّمُوزِ الشَّعْبِيَّةِ الْمُوَجَّهَةِ نَحْوَ الأَرْضِ، يَنْحَتُ يَسُوعُ مَعَانِيَ رَمْزِيَّةً مُغَايِرَةً تُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ:
1. الْجَحْشُ إِعْلَانُ مَلِكٍ بِلَا عُنْفٍ
رُكُوبُ الْجَحْشِ يُعْلِنُ:رَفْضَ الْمَنْطِقِ الْعَسْكَرِيِّ،رَفْضَ الدُّخُولِ كَقَائِدٍ زَمَنِيٍّ،تَقْدِيمَ مُلُوكِيَّةٍ تَنْبَعُ مِنَ الْوَدَاعَةِ لَا مِنَ السَّيْفِ.
إِنَّهُ شِعَارٌ مَلَكُوتِيٌّ:لَا خَلَاصَ سِيَاسِيًّا بِالْقُوَّةِ، بَلْ خَلَاصٌ إِنْسَانِيٌّ عَبْرَ الْفِدَاءِ.
الْوَدَاعَةُ عَكْسُ صُورَةِ الْمَلِكِ الْغَالِبِ
الْوَدَاعَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ فَضِيلَةً،بَلْ رَمْزٌ مَلَكُوتِيٌّ يَكْشِفُ أَنَّ:السِّيَادَةَ فِي الْمَسِيحِيَّةِ لَا تَقُومُ عَلَى الْقَهْرِ،وَالتَّقَدُّمَ لَا يَقُومُ عَلَى السَّيْطَرَةِ،وَالِانْتِصَارَ الْحَقِيقِيَّ يَتَحَقَّقُ بِالْمَحَبَّةِ.
3. الْمَسَارُ نَحْوَ الصَّلِيبِ قَلْبُ الْمَعْنَى
يَسِيرُ يَسُوعُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ مُقَدِّمَةً لِلْعَرْشِ،بَلْ مُقَدِّمَةً لِلصَّلِيبِ.
وَبِهَذَا، يُعِيدُ تَحْدِيدَ الإِطَارِ الرَّمْزِيَّ لِلْحَدَثِ،بِحَيْثُ تَرْتَفِعُ كُلُّ الْعَلَامَاتِ مِنْ مُسْتَوَى السِّيَاسَةِ إِلَى مُسْتَوَى الْخَلَاصِ.
ثَالِثًا: التَّبَايُنُ الْجَذْرِيُّ بَيْنَ رُؤْيَتَيْنِ الشَّعْبُ يَقْرَأُ الْمَاضِيَ، وَيَسُوعُ يَفْتَحُ الْمُسْتَقْبَلَ
1. الشَّعْبُ يَقْرَأُ يَسُوعَ بِنَظَّارَاتٍ دَاوُدِيَّةٍ مَكَّابِيَّةٍ يَرَى الشَّعْبُ فِي يَسُوعَ: سُلَيْمَانَ جَدِيدًا،قَائِدًا وَطَنِيًّا مُحَرِّرًا سِيَاسِيًّا،مَعَهُ اسْتِعَادَةٌ لِمَجْدِ الْمَاضِي.
2. أَمَّا يَسُوعُ فَيُقَدِّمُ نَفْسَهُ كَـ «ابْنِ الإِنْسَانِ» الآتِي مِنَ الأَبَدِيَّةِ
الرُّؤْيَةُ الْمَسِيحِيَّةُ أَعْمَقُ: مَلَكُوتٌ لَا يُشْبِهُ مَمْلَكَةً،تَحْرِيرٌ مِنَ الْخَطِيئَةِ وَلَيْسَ مِنْ رُومَا،خَلَاصٌ يَتَجَاوَزُحُدُودَ إِسْرَائِيلَ،مَشْرُوعُ فِدَاءٍ لَا مَشْرُوعُ سُلْطَةٍ.
3. نُقْطَةُ الصِّدَامِ اخْتِلَافٌ فِي مَعْنَى «الْخَلَاصِ»
خَلَاصُ الشَّعْبِ سِيَاسِيٌّ،أمَّاخَلَاصُ يَسُوعَ رُوحِيٌّ إِنْسَانِيٌّ كَوْنِيٌّ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ هُوَ الْعَامِلُ الْبِنْيَوِيُّ الَّذِي سَيُحَوِّلُ «هُوشَعْنَا» إِلَى «اصْلُبْهُ».
رَابِعًا: كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الرُّمُوزُ إِلَى مُحَاكَمَةٍ؟ التَّوَتُّرُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الصَّلِيبِ
كُلُّ رَمْزٍ حَمَلَهُ الشَّعْبُ ارْتَدَّ عَلَيْهِ فِي لَحْظَةِ الآلَامِ:
1. الأَغْصَانُ مِنْ نَصْرَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ إِلَى خَيْبَةٍ تَارِيخِيَّةٍ فَشِلَ يَسُوعُ فِي تَحْقِيقِ حُلْمِ التَّحْرِيرِ الْعَسْكَرِيِّ فَأَصْبَحَ الْهُتَافُ بِلَا مَضْمُونٍ سِيَاسِيٍّ، وَمَعَهُ انْهَارَ وَلَاءُ الْجَمَاهِيرِ.
الثِّيَابُ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ دَرَجَةِ الْوَلَاءِ إِلَى دَرَجَةِ الِادِّعَاءِ
مَنْ قَدَّمَ ثَوْبَهُ أَمْسِ،يُقَدِّمُ الْيَوْمَ صُرَاخًا: «اصْلِبْهُ».لِأَنَّ رَمْزَهُ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى تَوَقُّعَاتٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ.لَقَبُ «ابْنِ دَاوُدَ» مِنْ عَلَامَةِ الِانْتِصَارِ إِلَى دَلِيلِ الِاتِّهَامِ إِذَا كَانَ «ابْنُ دَاوُدَ» مَلِكًا،فَلِمَاذَا لَمْ يَنْتَصِرْ؟
هَكَذَا تَحَوَّلَ اللَّقَبُ نَفْسُهُ إِلَى سَبَبٍ لِلِاسْتِنْكَارِ.
خَامِسًا: نَجَاحُ يَسُوعَ فِي فَشَلِ الشَّعْبِ الْمُفَارَقَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ الْكُبْرَى
تَتَجَلَّى الْمُفَارَقَةُ الْمَسِيحَانِيَّةُ فِي أَنَّ يَسُوعَ نَجَحَ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الدُّخُولِ،وَالشَّعْبَ فَشِلَ فِي فَهْمِهِ.. فالشَّعْبُ رَأَى مَلِكًا وَلَمْ يَرَ مُخَلِّصًا لأنَّ رُؤْيَتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّافِعِ السِّيَاسِيِّ.اما يَسُوعُ رَأَى الصَّلِيبَ مِنْ وَرَاءِ الْهُتَافِ لِأَنَّهُ يَقْرَأُ التَّارِيخَ مِنْ مَنْظُورِ السَّمَاءِ.
فَشَلُ الِانْتِظَارِ الشَّعْبِيِّ سَمَحَ بِتَحَقُّقِ الِانْتِظَارِ الإِلَهِيِّ لَوْ أَنَّ يَسُوعَ اسْتَجَابَ لِهُتَافِ الْجُمُوعِ،لَمَا تَحَقَّقَ الصَّلِيبُ،وَلَمَا تَكَمَّلَ الْفِدَاءُ.
سَادِسًا: الدَّلَالَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ لِلِانْفِصَالِ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْمَعْنَى
لَا يُفْهَمُ الدُّخُولُ الْمَسِيحَانِيُّ إِلَّا عَلَى ضَوْءِ الصَّلِيبِ.
- الدُّخُولُ = إِعْلَانُ الْمَلِكِ،
- الصَّلِيبُ = إِعْلَانُ الْمَلَكُوتِ،
- الْقِيَامَةُ = إِعْلَانُ السِّيَادَةِ.
- كُلُّ مَا فَشِلَ الشَّعْبُ فِي فَهْمِهِ،تُعِيدُ الْكَنِيسَةُ قِرَاءَتَهُ الْيَوْمَ عَبْرَ سِرِّ الْفِصْحِ.
التَّوَتُّرَ الْعَمِيقَ بَيْنَ الرُّمُوزِ الشَّعْبِيَّةِ الطَّقْسِيَّةِ،وَالرُّمُوزِ الإِلَهِيَّةِ الْخَلَاصِيَّةِ.وتُظهِرُ أَنَّ الدُّخُولَ الْمَسِيحَانِيَّ لَيْسَ طَقْسًا مَلَكِيًّا بَلْ إِعْلَانَ انْقِلَابٍ شَامِلٍ:
- انْقِلَابٍ فِي مَعْنَى الْمُلُوكِيَّةِ،
- انْقِلَابٍ فِي مَفْهُومِ الْخَلَاصِ،
- انْقِلَابٍ فِي فَهْمِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ،
- انْقِلَابٍ فِي مَوْقِعِ الشَّعْبِ مِنَ الْحَدَثِ،
- انْقِلَابٍ فِي قِرَاءَةِ التَّارِيخِ نَفْسِهِ.وَهَكَذَا يُصْبِحُ الْجَحْشُ رَمْزًا لِمَلِكٍ لَا يُشْبِهُ الْمُلُوكَ،وَالْهُتَافُ رَمْزًا لِرَجَاءٍ لَا يَتَحَقَّقُ سِيَاسِيًّا،وَالدُّخُولُ مُقَدِّمَةً لِمَسْرَحِ الْفِدَاءِ عَلَى الصَّلِيبِ.
جَدَلِيَّةُ الِانْقِلَابِ الْمَلَكُوتِيِّ: مِنْ هُتَافِ الْجَمَاهِيرِ إِلَى دِينَامِيَّةِ الْفِدَاءِ
بَعْدَ أَنْ كَشَفْنَا الْبِنْيَةَ الْمُتَوَتِّرَةَ بَيْنَ الرَّمْزِ الطَّقْسِيِّ وَبَيْنَ الشِّيفْرَةِ الْخَلَاصِيَّةِ الَّتِي أَعَادَ يَسُوعُ تَأْسِيسَهَا فِي دُخُولِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، نَتَعَمَّقُ هُنَا فِي الْبِنْيَةِ الدِّينَامِيَّةِ الَّتِي تُحَوِّلُ الْهُتَافَ الشَّعْبِيَّ إِلَى مَسَارٍ فِدَائِيٍّ، وَتَكْشِفُ كَيْفَ انْتَقَلَتِ الْمَدِينَةُ مِنْ كَوْنِهَا مَسْرَحًا لِاسْتِقْبَالِ الْمَلِكِ إِلَى مَسْرَحٍ لِمُحَاكَمَةِ الْمُخَلِّصِ.
إِنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ لَيْسَ حَدَثًا عَرَضِيًّا، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْهِنْدَسَةِ الْخَلَاصِيَّةِ الَّتِي أَعَادَ يَسُوعُ رَسْمَهَا عَبْرَ قَلْبِ مَعْنَى الْمَلَكُوتِ وَإِعَادَةِ تَوْجِيهِ التَّارِيخِ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ.
أَوَّلًا: مَنْطِقُ الْجَمَاهِيرِ الِانْفِعَالُ بِوَصْفِهِ سُلْطَةً سِيَاسِيَّةً[27]
تَعْتَمِدُ الْجَمَاهِيرُ فِي قِرَاءَتِهَا لِلدُّخُولِ الْمَسِيحَانِيِّ عَلَى مَنْطِقِ الِانْفِعَالِ الْجَمْعِيِّ، الَّذِي لَا يَنْطَلِقُ مِنْ رُؤْيَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ، بَلْ مِنْ رَغْبَةٍ سِيَاسِيَّةٍ آنِيَّةٍ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذَا الْمَنْطِقِ فِي ثَلَاثَةِ عَنَاصِرَ بِنْيَوِيَّةٍ:
1. انْفِعَالٌ لَحْظِيٌّ لَا يَنْشَأُ مِنْ إِيمَانٍ بَلْ مِنْ رَغْبَةٍ بِالْخَلَاصِ السِّيَاسِيِّ
يُرِيدُ الشَّعْبُ مُخَلِّصًا سَرِيعًا، فَيَقْرَأُ الْحَدَثَ بِعُيُونِ الْحَاجَةِ، لَا بِعُيُونِ الْوَحْيِ.
2. تَقَلُّبُ الِانْفِعَالِ بِحَسَبِ النَّتَائِجِ وَلَيْسَ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ
الْهُتَافُ لَيْسَ ثَمَرَةَ إِيمَانٍ مُتَجَذِّرٍ،بَلْ ثَمَرَةَ تَوَقُّعٍ سِيَاسِيٍّ.يَنْجَحُ المُخَلِّصُ = نَهْتِفُ لَا يَنْجَحُ = نَثُورُ عَلَيْهِ.
٣. تَحَوُّلُ الجَمَاهِيرِ مِنْ قُوَّةِ دَعْمٍ إِلَى قُوَّةِ ضَغْط الجَمَاهِيرُ تَمْلِكُ قُدْرَةً مُزْدَوِجَة تَصْنَعُ احْتِفَالَ الدُّخُولِ، وَتَصْنَعُ أَيْضًا مَنَاخَ المُحَاكَمَةِ.هكَذَا يَتَحَوَّلُ الشَّعْبُ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ لِلْمَلِكِ إِلَى مُحَاكِمٍ لِلْمَلَكُوتِ.
ثَانِيًا: يَسُوعُ يُعِيدُ تَعْرِيفَ المُلُوكِيَّةِ كَسْرُ البِنْيَةِ السِّيَاسِيَّةِ لِلْهُتَافِ
فِي مُقَابِلِ انْفِعَالِ الجَمَاهِيرِ، يَعْتَمِدُ يَسُوعُ بِنْيَةً مَلَكُوتِيَّةً مُخْتَلِفَةً جَذْرِيًّا، لَا تُقَاسُ بِالقُوَّةِ بَلْ بِالحَقِّ، وَلَا تُبْنَى عَلَى السَّيْطَرَةِ بَلْ عَلَى الفِدَاءِ:
١. المُلُوكِيَّةُ بِوَصْفِهَا انْحِدَارًا لَا ارْتِقَاءً
الدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ صُعُودًا إِلَى العَرْشِ، بَلْ انْحِدَارٌ إِلَى العُبُودِيَّةِ الخَلَاصِيَّةِ (العُمْقُ الفِصْحِيُّ لِلصَّلِيبِ).
٢. المُلُوكِيَّةُ بِوَصْفِهَا كَشْفًا لِلْهُوِيَّةِ لَا تَثْبِيتًا لِلسُّلْطَةِ
لَا يَأْتِي يَسُوعُ لِيُثْبِتَ مَلِكًا، بَلْ لِيَكْشِفَ عَنْ سِرِّ الابْنِ الَّذِي يَهَبُ حَيَاتَهُ لِلْخَلَاصِ.
٣. المُلُوكِيَّةُ بِوَصْفِهَا فِعْلَ وَدَاعَةٍ وَلَيْسَ مَشْرُوعَ سُلْطَةٍ لَا يُقَدِّمُ يَسُوعُ بَرْنَامَجًا سِيَاسِيًّا،بَلْ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ حُبٍّ.وَبِذَلِكَ، يُفَكِّكُ يَسُوعُ آلِيَّةَ الهُتَافِ نَفْسَهَا،وَيَنْقُلُهَا مِنْ كَوْنِهَا وَلَاءً سِيَاسِيًّا إِلَى كَوْنِهَا عَلامَةً فِصْحِيَّةً.
ثَالِثًا: لَحْظَةُ الِانْهِيَارِ عِنْدَمَا يَفْشَلُ الرَّمْزُ فِي حَمْلِ السِّرِّ
الرُّمُوزُ الطِّقْسِيَّةُ الَّتِي رَفَعَهَا الشَّعْبُ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ المَعْنَى الخَلَاصِيِّ. وَعِنْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ يَسُوعَ لَا يُحَقِّقُ أَحْلَامَهُمْ، انْهَارَتِ البُنَى الرَّمْزِيَّةُ نَفْسُهَا:
١. انْهِيَارُ الأَغْصَانِ سُقُوطُ مَشْرُوعِ الِانْتِصَارِ الوَطَنِيِّ
المَلِكُ الَّذِي لَا يَنْتَصِرُ بِالسَّيْفِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْفَظَ هُتَافَ «هُوشَعْنَا» كَصَرْخَةٍ قَوْمِيَّةٍ.
٢. انْهِيَارُ الثِّيَابِ سُقُوطُ الوَلَاءِ المَبْنِيِّ عَلَى التَّوَقُّعَاتِ
الثَّوْبُ الَّذِي فُرِشَ أَمَامَ الجَحْشِ يُصْبِحُ شَاهِدًا عَلَى وَلَاءٍ هَشٍّ لَا يَصْمُدُ أَمَامَ الصَّلِيبِ.
٣. انْهِيَارُ الأَلْقَابِ مِنْ «ابْنِ دَاوُدَ» إِلَى مُتَّهَمٍ بِالخِيَانَةِ
يَفْهَمُ الشَّعْبُ اللَّقَبَ بِلُغَةٍ سِيَاسِيَّةٍ،فَيُصْبِحُ يَسُوعُ بِنَظَرِهِمْ مَلِكًا فَاشِلًا لَا مَسِيحًا مُخَلِّصًا.هكَذَا، يَنْهَارُ الرَّمْزُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ أَرْضِيًّا.
رَابِعًا: كَيْفَ يُحَوِّلُ يَسُوعُ الفَشَلَ الشَّعْبِيَّ إِلَى فَتْحٍ خَلَاصِيٍّ؟
التَّحَوُّلُ اللَّاهُوتِيُّ الجَوْهَرِيُّ هُوَ أَنَّ يَسُوعَ لَا يُصْلِحُ الِانْهِيَارَ،بَلْ يُحَوِّلُهُ إِلَى مَادَّةِ فِدَاءٍ.
١. مِنْ فَشَلٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى انْتِصَارٍ فِصْحِيٍّ
عَدَمُ تَحْقِيقِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ يَفْتَحُ البَابَ لِتَحْرِيرٍ أَعْمَقَ: تَحْرِيرِ الإِنْسَانِ مِنَ الخَطِيئَةِ.
٢. مِنْ سُقُوطِ الهُتَافِ إِلَى ارْتِفَاعِ الصَّلِيبِ
يَرْتَفِعُ الصَّلِيبُ فَوْقَ انْهِيَارِ الهُتَافِ،لِيُصْبِحَ المَعْنَى حَيْثُ فَشِلَ الرَّمْزُ.
٣. مِنَ انْهِيَارِ التَّوَقُّعِ إِلَى كَشْفِ قَصْدِ اللَّهِ
بِقَدْرِ مَا فَشِلَ الشَّعْبُ فِي قِرَاءَةِ يَسُوعَ،نَجَحَتِ السَّمَاءُ فِي إِعْلَانِ سِرِّهَا.بِهذَا يَتَحَوَّلُ الِانْهِيَارُ مِنْ مَأْسَاةٍ بَشَرِيَّةٍ إِلَى ضَرُورَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ.
خَامِسًا: المَعْنَى البِنْيَوِيُّ لِلتَّحَوُّلِ مِنْ مَدِينَةٍ تَسْتَقْبِلُ مَلِكًا إِلَى مَدِينَةٍ تُحَاكِمُ اللَّهَ
تَبْلُغُ الدِّرَامَا ذُرْوَتَهَا عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ أُورُشَلِيمُ مِنْ مَدِينَةٍ تَنْتَظِرُ مَلِكًا إِلَى مَدِينَةٍ تُحَاكِمُ الِابْنَ.
١. اسْتِقْبَالُ المَلِكِ لَمْ يُؤَسِّسْ مَلَكُوتًا
لِأَنَّ المَلَكُوتَ لَا يُبْنَى بِالهُتَافِ بَلْ بِالصَّلِيبِ.
٢. المُحَاكَمَةُ غَيَّرَتْ وَظِيفَةَ المَدِينَةِ
صَارَتِ المَدِينَةُ، بَدَلَ أَنْ تَكُونَ عَاصِمَةَ المُلكِ،مَسْرَحًا لِدِرَامَا الفِدَاءِ.
٣. دَوْرُ أُورُشَلِيمَ فِي اللَّاهُوتِ المَسِيحِيِّ
لَيْسَتْ مَدِينَةَ التَّتْوِيجِ،بَلْ مَدِينَةَ الصَّلِيبِ،وَمِنَ الصَّلِيبِ تَبْدَأُ سِيَادَةُ القِيَامَةِ.المَدِينَةُ لَمْ تَعُدِ المَرْكَزَ السِّيَاسِيَّ لِشَعْبٍ،بَلْ مَرْكَزَ الخَلَاصِ لِلْعَالَمِ.
أَنَّ التَّوَتُّرَ الَّذِي رَأَيْنَاهُ لَا يُحَلُّ بِالرُّمُوزِ بَلْ بِالصَّلِيبِ،
وَأَنَّ انْفِصَالَ المَعْنَى عَنِ الحَدَثِ خِلَالَ الدُّخُولِ هُوَ جَوْهَرُ الِانْقِلَابِ المَلَكُوتِيِّ:
الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ مَلِكًا أَرْضِيًّا،وَالسَّمَاءُ تُعْلِنُ ابْنَ الإِنْسَانِ المَصْلُوبَ. وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ خَيْبَةَ لِلْهُتَافِ،بَلْ إِتْمَامَهُ الحَقِيقِيَّ. فَحَيْثُ انْتَهَى الِانْفِعَالُ الشَّعْبِيُّ بَدَأَ الوَحْيُ،وَحَيْثُ صَمَتَتِ الأَغْصَانُ نَطَقَ الخَشَبُ،وَحَيْثُ فَشِلَ المَلِكُ الأَرْضِيُّ قَامَ مَلِكُ القِيَامَةِ.
تَفْكِيكُ البِنْيَةِ السِّيَاسِيَّةِ لِلْهُتَافِ: مِنْ وَهْمِ المُلُوكِيَّةِ الزَّمَنِيَّةِ إِلَى وَحْدَةِ التَّدْبِيرِ الفِصْحِيِّ[28]
الِانْتِقَالُ مِنْ «الِانْتِظَارِ السِّيَاسِيِّ» الَّذِي حَمَلَتْهُ الجُمُوعُ فِي دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى «الِانْتِظَارِ الخَلَاصِيِّ» الَّذِي يُفَكِّكُهُ يَسُوعُ عَبْرَ عُبُورِهِ الفِصْحِيِّ. فَالدُّخُولُ إِلَى المَدِينَةِ لَا يُقْرَأُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّلِيبِ، بَلْ هُوَ دِرَامَا لَاهُوتِيَّةٌ تَبْدَأُ بِالهُتَافِ وَتَنْتَهِي بِالخَشَبَةِ، وَتَرْبِطُ بَيْنَهُمَا بِنْيَةٌ وَاحِدَةٌ: وَحْدَةُ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ الَّتِي تَقْلِبُ المَعْنَى وَتَرْفَعُ الرَّمْزَ مِنْ سِيَاقِ الأَرْضِ إِلَى سِيَاقِ السَّمَاءِ.
أَوَّلًا: هُتَافٌ لَا يَنْتَمِي إِلَى المَلَكُوتِ مَحْدُودِيَّةُ القِرَاءَةِ السِّيَاسِيَّةِ
إِنَّ هُتَافَ «هُوشَعْنَا» كَمَا رَأَيْنَا سَابِقًا، لَمْ يَكُنْ تَعْبِيرًا لِيتُورْجِيًّا فِصْحِيًّا، بَلْ صَرْخَةً سِيَاسِيَّةً تَحْمِلُ ثَلَاثَةَ مُكَوِّنَاتٍ وَاضِحَةٍ:
١. اسْتِعْجَالُ الخَلَاصِ
«خَلِّصْنَا الآنَ» لَيْسَتْ طَلَبًا لِلْفِدَاءِ، بَلْ مَطْلَبًا بِالتَّغْيِيرِ الفَوْرِيِّ.
٢. اخْتِزَالُ المَلَكُوتِ فِي مَشْرُوعٍ قَوْمِيٍّ
يَرْبِطُ الشَّعْبُ خَلَاصَهُ بِالخَلَاصِ الوَطَنِيِّ فَقَطْ،فَيَخْتَزِلُ المَسِيحَ إِلَى قَائِدٍ مَكَّابِيٍّ جَدِيدٍ.
٣. رَفْضُ الِانْتِظَارِ الإِلَهِيِّ
لَا تَتَوَافَقُ الرَّغْبَةُ السِّيَاسِيَّةُ مَعَ وَتِيرَةِ السَّمَاءِ،لِأَنَّ المَشْرُوعَ الإِلَهِيَّ لَا يَتَحَقَّقُ بِضَغْطِ الجَمَاهِيرِ بَلْ بِحِكْمَةِ التَّدْبِيرِ.وَهكَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الهُتَافَ لَا يَحْمِلُ عُمْقَ الوَحْيِ بَلْ ضِيقَ التَّوَقُّعِ الشَّعْبِيِّ.
ثَانِيًا: يَسُوعُ يُفَكِّكُ «الهُوشَعْنَا» لَاهُوتِيًّا إِعَادَةُ تَوْجِيهِ الصَّرْخَةِ
لَا يُهْمِلُ يَسُوعُ صَرْخَةَ الشَّعْبِ، لَكِنَّهُ يُعِيدُ صِيَاغَتَهَا ضِمْنَ مَشْرُوعِ الفِدَاءِ:
١. مِنْ خَلَاصٍ فَوْرِيٍّ إِلَى خَلَاصٍ جَذْرِيٍّ يَحْمِلُ يَسُوعُ الصَّرْخَةَ،لَكِنَّهُ يُوَجِّهُهَا مِنَ السِّيَاسَةِ إِلَى الصَّلِيبِ. فَالخَلَاصُ الحَقِيقِيُّ لَا يَتَحَقَّقُ بِالتَّحْرِيرِ العَسْكَرِيِّ بَلْ بِتَحْرِيرِ القَلْبِ.
٢. مِنِ انْتِصَارٍ زَمَنِيٍّ إِلَى انْتِصَارٍ فِصْحِيٍّ
يَرْفُضُ يَسُوعُ تَحْوِيلَ الهُتَافِ إِلَى شَرْعِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ،وَيُحَوِّلُهُ إِلَى مَسَارٍ يَقُودُ إِلَى غَسْلِ الأَرْجُلِ، وَالآلَامِ، وَالقِيَامَةِ.
٣. مِنْ جُمْهُورٍ يُمْلِي إِلَى مَسِيحٍ يُعْلِنُ
لَا يَسْمَحُ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ أَنْ تُحَدِّدَ شَكْلَ مَلَكُوتِهِ،بَلْ يَكْشِفُ لَهُمْ أَنَّ المَلَكُوتَ يُعْلَنُ وَلَا يُمْلَى.إِنَّ تَحْوِيلَ يَسُوعَ لِلْهُتَافِ هُوَ أَحَدُ مَفَاتِيحِ اللَّاهُوتِ المَسِيحَانِيِّ فِي الأَنَاجِيلِ.
ثَالِثًا: الصَّمْتُ كَأَدَاةٍ لَاهُوتِيَّةٍ لَحْظَةُ انْهِيَارِ الصَّوْتِ الأَرْضِيِّ
فِي مَسَارِ الدُّخُولِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، يَتَقَدَّمُ الصَّمْتُ تَدْرِيجِيًّا:
١. صَمْتُ يَسُوعَ أَمَامَ التَّوَقُّعَاتِ يَسُوعُ لَا يُعَلِّقُ عَلَى الهُتَافِ،لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّلِيبَ سَيَفْضَحُ مَحْدُودِيَّةَ التَّوَقُّعِ.
٢. صَمْتُ الشَّعْبِ أَمَامَ حَادِثَةِ الصَّلْبِ
الهُتَافُ المُرْتَفِعُ يَنْقَلِبُ إِلَى صَمْتِ خَوْفٍ،ثُمَّ إِلَى صُرَاخٍ آخَرَ: «اصْلِبْهُ».
٣. صَمْتُ السَّمَاءِ قَبْلَ القِيَامَةِ
بَيْنَ الجُمُعَةِ العَظِيمَةِ وَالفَجْرِ الفِصْحِيِّ يُصْبِحُ الصَّمْتُ رَحِمَ القِيَامَةِ،حَيْثُ يُصَاغُ المَلَكُوتُ مِنْ جَدِيدٍ. إِنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ غِيَابًا لِلْكَلِمَةِ، بَلْ نُضْجًا لَهَا.
رَابِعًا: مِنَ الهُتَافِ إِلَى الخَشَبَةِ انْكِشَافُ جَوْهَرِ المَسِيحَانِيَّةِ
يَتَحَقَّقُ التَّحَوُّلُ الجَذْرِيُّ حِينَ يَتَحَوَّلُ هُتَافُ الجَمَاهِيرِ مِنْ إِعْلَانٍ مَلَكِيٍّ إِلَى دَلِيلٍ اتِّهَامِيٍّ:
١. الهُتَافُ يُسْتَخْدَمُ كَبُرْهَانٍ ضِدَّ يَسُوعَ
مِنْ هَتَفُوا «ابْنَ دَاوُدَ» صَارُوا يَقُولُونَ لِلسُّلُطَاتِ:«هذَا يَدَّعِي أَنْ يَكُونَ مَلِكًا».
٢. الرَّمْزُ يَتَحَوَّلُ إِلَى حُجَّةٍ لِلْمَوْتِ
الثِّيَابُ، الأَغْصَانُ، وَالأَلْقَابُ أَصْبَحَتْ مَوَادَّ فِي مَلَفِّ المُحَاكَمَةِ.
٣. الصَّلِيبُ يُعِيدُ تَشْكِيلَ المَعْنَى
عَلَى الصَّلِيبِ،يَصِيرُ يَسُوعُ مَلِكًا لَا بِنَظَرِ الشَّعْبِ بَلْ بِنَظَرِ الآبِ:«مَلِكُ اليَهُودِ» لَيْسَ تُهْمَةً، بَلْ وَحْيًا. هكَذَا يَتَحَقَّقُ مَعْنًى لَمْ تَسْتَطِعِ الجَمَاهِيرُ أَنْ تَرَاهُ: العَرْشُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الخَشَبَةُ.
خَامِسًا: تَفْكِيكُ الثُّنَائِيَّةِ لَا دُخُولَ بِلَا صَلِيبٍ، وَلَا صَلِيبَ بِلَا دُخُولٍ يُقِيمُ اللَّاهُوتُ المَسِيحَانِيُّ تَوَازُنًا دَقِيقًا بَيْنَ الحَدَثَيْنِ:
١. الدُّخُولُ يُعْطِي الصَّلِيبَ لُغَتَهُ التَّارِيخِيَّةَ لَوْلَا الدُّخُولُ،لَبَدَا الصَّلِيبُ مُجَرَّدَ إِعْدَامٍ سِيَاسِيٍّ،لَكِنَّ الدُّخُولَ يَرْبِطُهُ بِالبِشَارَةِ.
٢. الصَّلِيبُ يُعْطِي الدُّخُولَ مَعْنَاهُ الفِصْحِيَّ لَوْلَا الصَّلِيبُ،لَكَانَ الدُّخُولُ حَدَثًا شَعْبِيًّا عَابِرًا،لَكِنَّ الصَّلِيبَ يَجْعَلُهُ مِفْتَاحَ الخَلَاصِ.
٣. القِيَامَةُ تُوَحِّدُ الحَدَثَيْنِ فِي مَعْنًى وَاحِد فِي القِيَامَةِ يَتَوَحَّدُ الهُتَافُ وَالصَّلِيبُ،وَتُصْبِحُ المُلُوكِيَّةُ مُلُوكِيَّةَ نُورٍ لَا مُلُوكِيَّةَ سَيْفٍ. بِهذَا تُفْهَمُ المَسِيحَانِيَّةُ بِوَصْفِهَا وَحْدَةً لَا تُجَزَّأُ.
سَادِسًا: القِرَاءَةُ الكَنَسِيَّةُ اليَوْمَ إِعَادَةُ بِنَاءِ الهُتَافِ عَلَى ضَوْءِ الفِدَاءِ[29]
تُعِيدُ الكَنِيسَةُ اليَوْمَ قِرَاءَةَ دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ عَبْرَ ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ:
١. المُسْتَوَى اللِّيتُورْجِيُّ
الهُتَافُ اللِّيتُورْجِيُّ فِي أَحَدِ الشَّعَانِينِ لَيْسَ تَكْرَارًا لِهُتَافِ الشَّعْبِ،بَلْ إِعْلَانًا فِصْحِيًّا لِانْتِصَارِ القِيَامَةِ.
٢. المُسْتَوَى الرُّوحِيُّ
تَطْلُبُ الكَنِيسَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَلَّا يَسْتَقْبِلُوا المَسِيحَ بِهُتَافٍ سِيَاسِيٍّ،بَلْ بِنِيَّةٍ قَلْبِيَّةٍ تَنْفَتِحُ عَلَى الصَّلِيبِ.
٣. المُسْتَوَى الكْرِيسْتُولُوجِيُّ
يَسُوعُ هُوَ مَلِكٌ،لَكِنَّ مَمْلَكَتَهُ لَيْسَتْ مِنْ هذَا العَالَمِ، وَصَوْلَجَانُهُ هُوَ الخَشَبَةُ.بِهذَا يَتَحَوَّلُ الهُتَافُ مِنْ صَرْخَةٍ زَمَنِيَّةٍ إِلَى صَلَاةٍ فِصْحِيَّةٍ.
أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ هُوَ حَدَثٌ يُعَادُ بِنَاؤُهُ عَبْرَ الصَّلِيبِ،وَأَنَّ الهُتَافَ الشَّعْبِيَّ يَنْهَارُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَ سِرِّ المَسِيحِيَّةِ.الهُتَافُ يُسْقِطُ مَمْلَكَةً،لَكِنَّ الصَّلِيبَ يُؤَسِّسُ مَلَكُوتًا.
الجَمَاهِيرُ تَبْحَثُ عَنْ مَلِكٍ يُشْبِهُهَا،وَالسَّمَاءُ تُعْلِنُ مَلِكًا يُخَلِّصُهَا.وَحَيْثُ سَقَطَتِ الأَغْصَانُ،ارْتَفَعَ الخَشَبُ.وَحَيْثُ تَغَيَّرَ الهُتَافُ،ثَبَتَ الفِدَاءُ.وَحَيْثُ رَفَضَتِ المَدِينَةُ المَلِكَ،اسْتُعْلِنَ اللَّهُ مَلُوكِيَّةَ الِابْنِ.
مِنْ تَفَكُّكِ الهُتَافِ إِلَى تَشَكُّلِ الكَنِيسَةِ: وِلَادَةُ جَمَاعَةِ العَهْدِ الجَدِيدِ مِنْ قَلْبِ الصَّلِيبِ.[30]
الحَدَثُ لَا يَنْتَهِي عِنْدَ سُقُوطِ الهُتَافِ أَوْ تَبَدُّدِ الرُّمُوزِ، بَلْ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ تَشَكُّلِ وَاقِعٍ جَدِيدٍ: وِلَادَةِ جَمَاعَةِ العَهْدِ الجَدِيدِ الَّتِي تَتَأَسَّسُ لَا عَلَى الِانْفِعَالِ الشَّعْبِيِّ بَلْ عَلَى الثَّبَاتِ الرَّسُولِيِّ، وَلَا عَلَى الأَغْصَانِ بَلْ عَلَى الخَشَبَةِ، وَلَا عَلَى انْتِظَارَاتِ الأَرْضِ بَلْ عَلَى مَنْطِقِ السَّمَاءِ.
أَوَّلًا: فَرَاغُ الجَمَاهِيرِ حِينَ يَتَرَاجَعُ الصَّوْتُ السِّيَاسِيُّ
بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، يَحْدُثُ فَرَاغٌ لَاهُوتِيٌّ وَبَشَرِيٌّ مَعًا:
١. الجَمَاهِيرُ تَتَبَخَّرُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الِاحْتِفَالِ
الهُتَافُ كَانَ مُرْتَبِطًا بِاللَّحْظَةِ،وَعِنْدَمَا تَغَيَّرَ المَنْطِقُ، تَغَيَّرَ الحُضُورُ.
٢. غِيَابُ الشَّعْبِ يَكْشِفُ هَشَاشَةَ الرُّؤْيَةِ الأَرْضِيَّةِ
لَمْ تَسْتَطِعِ الجَمَاهِيرُ أَنْ تُرَافِقَ يَسُوعَ مِنَ الأَغْصَانِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَلَا مِنَ الدَّهْشَةِ إِلَى الجُلْجُثَةِ.
٣. انْكِشَافُ السَّطْحِيَّةِ فِي القِرَاءَةِ المَسِيحَانِيَّةِ
غِيَابُ الجَمَاهِيرِ لَيْسَ خِيَانَةً فَقَطْ،بَلْ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي حَمَلُوهَا لَيْسَتْ رُؤْيَا وَحْيٍ،بَلْ مِرْآةَ حَاجَاتِهِمْ.وَهكَذَا يُصْبِحُ الفَرَاغُ شَرْطًا لِوِلَادَةِ جَمَاعَةٍ جَدِيدَةٍ.
ثَانِيًا: ثَبَاتُ التَّلَامِيذِ مِنْ تَشَتُّتٍ إِلَى إِعَادَةِ تَجْمِيعٍ
فِي مُقَابِلِ تَبَخُّرِ الجَمَاهِيرِ، تَتَحَرَّكُ بِنْيَةٌ أُخْرَى: بِنْيَةُ التَّلَامِيذِ.
١. التَّشَتُّتُ الأَوَّلِيُّ انْهِيَارُ البِنْيَةِ القَدِيمَةِ
فِي لَحْظَةِ القَبْضِ،يَتَشَتَّتُ التَّلَامِيذُ،لِأَنَّهُمْ أَيْضًا كَانُوا أَسْرَى «المَلَكُوتِ السِّيَاسِيِّ».
٢. إِعَادَةُ التَّجْمِيعِ ظُهُورُ بِنْيَةٍ جَدِيدَةٍ
بَعْدَ القِيَامَةِ،لَا يَعُودُ التَّلَامِيذُ إِلَى دَوْرِهِمُ السَّابِقِ،بَلْ يُعَادُ تَشْكِيلُهُمْ جَمَاعَةً رِسَالِيَّةً.
٣. مِنْ تَلَامِيذَ لِلْمَلَكُوتِ الأَرْضِيِّ إِلَى شُهُودٍ لِلْمَلَكُوتِ السَّمَاوِيِّ
يَتَحَوَّلُ التَّلَامِيذُ مِنْ جَمَاعَةٍ تَنْتَظِرُ مَجْدًا أَرْضِيًّا إِلَى جَمَاعَةٍ تَشْهَدُ لِمَجْدٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ:مَجْدِ المَصْلُوبِ القَائِمِ.بِهذَا، تَبْدَأُ الكَنِيسَةُ بِوَصْفِهَا بِنْيَةً فِصْحِيَّةً.
ثَالِثًا: الخَشَبَةُ بَدَلَ الأَغْصَانِ قَلْبُ المَرْجِعِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ
تَحْمِلُ هذِهِ اللَّحْظَةُ انْقِلَابًا عَمِيقًا فِي المَرْجِعِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ:
١. الأَغْصَانُ رُمُوزٌ تَقُودُ إِلَى خَيْبَةٍ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إِلَى انْتِصَارٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِالمَفْهُومِ السِّيَاسِيِّ.
٢. الخَشَبَةُ رَمْزٌ يَقُودُ إِلَى مَعْنًى
لِأَنَّهَا تَكْشِفُ هُوِيَّةَ الِابْنِ وَتُدَشِّنُ العَهْدَ الجَدِيدَ.
٣. انْتِقَالُ المَرْجِعِيَّةِ مِنَ الهُتَافِ إِلَى الإِفْخَارِسْتِيَا
الهُتَافُ طَقْسٌ شَعْبِيٌّ، أَمَّا الإِفْخَارِسْتِيَا فَسِرٌّ فِصْحِيٌّ يُؤَسِّسُ الجَمَاعَةَ عَلَى حُضُورِ المَسِيحِ، لَا عَلَى انْفِعَالِ اللَّحْظَةِ.بِهذَا، تَنْتَقِلُ الجَمَاعَةُ مِنِ احْتِفَالٍ خَارِجِيٍّ إِلَى سِرٍّ دَاخِلِيٍّ.
رَابِعًا: إِعَادَةُ تَعْرِيفِ الِانْتِمَاءِ مِنْ شَعْبٍ قَوْمِيٍّ إِلَى جَمَاعَةٍ فِصْحِيَّةٍ
أَهَمُّ انْقِلَابٍ فِي الدَّلَالَاتِ هُوَ انْتِقَالُ الِانْتِمَاءِ مِنَ الهُوِيَّةِ القَوْمِيَّةِ إِلَى الهُوِيَّةِ الخَلَاصِيَّةِ.
١. الِانْتِمَاءُ القَوْمِيُّ لَا يَحْتَمِلُ الصَّلِيبَ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى القُوَّةِ، لَا عَلَى الضَّعْفِ الخَلَاصِيِّ.
٢. الِانْتِمَاءُ الفِصْحِيُّ يُولَدُ مِنَ الجَنْبِ المَطْعُونِ: لِيُولَدَ شَعْبٌ جَدِيدٌ «لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ»بَلْ مِنَ المَاءِ وَالدَّمِ.
٣. الكَنِيسَةُ: جَمَاعَةٌ تَتَأَسَّسُ عَلَى الفِدَاءِ لَا عَلَى الأَرْضِ:المَلَكُوتُ الَّذِي يَبْدَأُ فِي أُورُشَلِيمَ يُعَادُ تَشْكِيلُهُ فِي العُلِّيَّةِ وَيُعْلَنُ فِي الجُلْجُثَةِ وَيُرْسَلُ إِلَى العَالَمِ فِي العَنْصَرَةِ.هكَذَا يُصْبِحُ الحَدَثُ المَحَلِّيُّ مَشْرُوعًا كَوْنِيًّا.
خَامِسًا: مِنْ مَدِينَةِ الرَّفْضِ إِلَى أُمِّ الكَنَائِسِ إِعَادَةُ صِيَاغَةِ جُغْرَافِيَّا الخَلَاصِ
تَتَحَوَّلُ أُورُشَلِيمُ مِنْ مَكَانِ سُقُوطِ الهُتَافِ إِلَى نُقْطَةِ انْطِلَاقِ الرِّسَالَةِ:
١. أُورُشَلِيمُ مَدِينَةُ الرَّفْضِ رَفَضَتِ المَلَكُوتَ لِأَنَّهَا قَرَأَتْهُ سِيَاسِيًّا
٢. أُورُشَلِيمُ مَدِينَةُ الفِدَاءِ عَلَى أَرْضِهَا ارْتَفَعَ الصَّلِيبُ، وَفِي تُرَابِهَا وُضِعَ الجَسَدُ، وَمِنْ قَبْرِهَا انْشَقَّ الفَجْرُ.
٣. أُورُشَلِيمُ مَدِينَةُ الإِرْسَالِ
مِنْهَا انْطَلَقَتِ الكَنِيسَةُ الأُولَى،لَا بِشَرْعِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ،بَلْ بِقُوَّةِ القِيَامَةِ.إِنَّ الجُغْرَافِيَّا الخَلَاصِيَّةَ تَبْدَأُ مِنْ حَيْثُ سَقَطَتِ التَّوَقُّعَاتُ.
سَادِسًا: البِنْيَةُ الجَدِيدَةُ لِلْمَلَكُوتِ مِنَ الهُتَافِ إِلَى الرِّسَالَةِ
مِنْ خِلَالِ رُسُوخِ الكَنِيسَةِ الَّتِي تُولَدُ بَعْدَ الصَّلِيبِ، يَظْهَرُ التَّحَوُّلُ الفِعْلِيُّ:
١. هُتَافٌ يَتَلَاشَى
لِأَنَّهُ صَوْتُ زَمَنٍ.
٢. صَلِيبٌ يَبْقَى
لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ أَبَدِيَّةٌ.
٣. رِسَالَةٌ تَنْتَشِرُ
لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ الرُّوحِ، لَا ثَمَرَةُ الجَمَاهِيرِ. بِهذَا، يُولَدُ شَعْبٌ لَا يَصْنَعُ الحَدَثَ بَلْ يَشْهَدُ لَهُ.
أَنَّ انْهِيَارَ الهُتَافِ لَيْسَ نِهَايَةَ الرِّوَايَةِ،بَلْ بِدَايَةَ الكَنِيسَةِ.اخْتِفَاءُ الجَمَاهِيرِ فَتَحَ الطَّرِيقَ لِوِلَادَةِ جَمَاعَةِ العَهْدِ الجَدِيدِ،وَتَشَتُّتُ التَّلَامِيذِ مَهَّدَ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِهِمْ رُسُلًا،وَانْهِيَارُ الرَّمْزِ السِّيَاسِيِّ سَمَحَ بِبُزُوغِ السِّرِّ الفِصْحِيِّ. فَحَيْثُ اخْتَفَى الصَّوْتُ الأَرْضِيُّ ظَهَرَ صَوْتُ الرُّوحِ،
وَحَيْثُ سَقَطَتِ الأَغْصَانُ ارْتَفَعَتِ الخَشَبَةُ،وَحَيْثُ انْطَفَأَتِ الجَمَاهِيرُ وُلِدَتِ الكَنِيسَةُ،وَحَيْثُ فَشِلَ الشَّعْبُ نَجَحَ التَّدْبِيرُ،وَحَيْثُ صَمَتَتِ المَدِينَةُ نَطَقَ القَبْرُ.
إِعَادَةُ بِنَاءِ الوَعْيِ المَسِيحَانِيِّ: القِرَاءَةُ الفِصْحِيَّةُ لِلدُّخُولِ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي الكَنِيسَةِ الأُولَى[31]
فَمَا كَانَ يُفْهَمُ قَبْلَ الصَّلِيبِ كَحَدَثٍ سِيَاسِيٍّ شَعْبِيٍّ، صَارَ يُقْرَأُ بَعْدَ القِيَامَةِ بِوَصْفِهِ لَحْظَةً لَاهُوتِيَّةً تُؤَسِّسُ مَعْنَى المَلَكُوتِ. وَبِهذَا، يَنْتَقِلُ الحَدَثُ مِنْ مُسْتَوَى الِانْفِعَالِ الأَرْضِيِّ إِلَى مُسْتَوَى الوَعْيِ الفِصْحِيِّ، وَمِنْ مَشْهَدِيَّةِ الجَمَاهِيرِ إِلَى خِبْرَةِ الجَمَاعَةِ المُؤْمِنَةِ.
أَوَّلًا: التَّحَوُّلُ فِي القِرَاءَةِ مِنْ حَدَثٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى وَحْيٍ فِصْحِيٍّ
بَعْدَ القِيَامَةِ، لَمْ يَعُدِ الدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَدَثًا تَارِيخِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ أَصْبَحَ:
١. مَدْخَلًا إِلَى سِرِّ المَسِيحِ
فَالحَدَثُ يَكْتَسِبُ مَعْنَاهُ مِنَ النِّهَايَةِ، لَا مِنْ بِدَايَتِهِ.الدُّخُولُ يُقْرَأُ عَلَى ضَوْءِ الصَّلِيبِ، وَالصَّلِيبُ يُفْهَمُ عَلَى ضَوْءِ القِيَامَةِ.
٢. جُزْءًا مِنَ البِنْيَةِ الكْرِيسْتُولُوجِيَّةِ لِلإِنْجِيلِ
لَمْ يَعُدِ الدُّخُولُ حَدَثًا مُنْعَزِلًا،بَلْ جُزْءًا مِنْ سَرْدِيَّةِ التَّدْبِيرِ: تَجَسُّدٌ، رِسَالَةٌ، صَلِيبٌ ،قِيَامَةٌ.
٣. نُبُوءَةً لَاهُوتِيَّةً مُتَحَقِّقَةً
أَصْبَحَ الحَدَثُ يُفْهَمُ بِوَصْفِهِ تَحْقِيقًا لِزَكَرِيَّا ٩: ٩،لَكِنْ بِتَحَوُّلٍ عَمِيقٍ فِي المَعْنَى: لَمْ يَعُدِ المَلِكُ الآتِي مَلِكًا سِيَاسِيًّا، بَلْ مَلِكًا فَادِيًا.هكَذَا انْتَقَلَ الحَدَثُ مِنْ أُفُقٍ قَوْمِيٍّ إِلَى أُفُقٍ خَلَاصِيٍّ.
ثَانِيًا: إِعَادَةُ تَأْوِيلِ الرُّمُوزِ مِنْ أَغْصَانِ النَّخْلِ إِلَى أَغْصَانِ القِيَامَةِ
الكَنِيسَةُ الأُولَى أَعَادَتْ تَفْسِيرَ كُلِّ رَمْزٍ مِنْ رُمُوزِ الأَحَدِ الشِّعَانِيِّ:
١. الأَغْصَانُ مِنِ انْتِصَارٍ قَوْمِيٍّ إِلَى انْتِصَارِ القِيَامَةِ
لَمْ تَعُدْ رُمُوزًا لِعَوْدَةِ مَلِكٍ أَرْضِيٍّ، بَلْ إِعْلَانًا لِمَلِكٍ يَقُومُ مِنَ المَوْتِ.
٢. الجَحْشُ مِنْ عَلَامَةِ تَوَاضُعٍ إِلَى عَلَامَةِ تَدْبِيرٍ
لَمْ يَعُدْ رَمْزًا سِيَاسِيًّا سَلْبِيًّا،بَلْ رَمْزًا لِمَلَكُوتٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى سَيْفٍ لِيُعْلَنَ.
٣. الهُتَافُ مِنْ مُطَالَبَةٍ زَمَنِيَّةٍ إِلَى صَلَاةٍ فِصْحِيَّةٍ
«هُوشَعْنَا» لَمْ تَعُدْ «خَلِّصْنَا الآنَ سِيَاسِيًّا»،بَلْ صَارَتْ «امْنَحْنَا الخَلَاصَ فِي المَسِيحِ القَائِمِ».يَتَحَوَّلُ الرَّمْزُ لِأَنَّ الكَنِيسَةَ قَرَأَتْهُ مِنْ دَاخِلِ السِّرِّ، لَا مِنْ خَارِجِ الحَدَثِ.
ثَالِثًا: مَنْطِقُ الذَّاكِرَةِ الكَنَسِيَّةِ تَثْبِيتُ القِرَاءَةِ الفِصْحِيَّةِ
فِي الكَنِيسَةِ الأُولَى، لَمْ يَكُنْ هَدَفُ الرُّسُلِ مُجَرَّدَ سَرْدِ الأَحْدَاثِ، بَلْ تَثْبِيتَ ذَاكِرَةٍ جَدِيدَةٍ لِلْمَلَكُوتِ.وَتَعْمَلُ الذَّاكِرَةُ الكَنَسِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ:
١. مُسْتَوًى سَرْدِيٌّ (Narrative)
تُرْوَى الأَحْدَاثُ بِصِيغَةٍ جَدِيدَةٍ تَعْكِسُ المَعْنَى الفِصْحِيَّ.
٢. مُسْتَوًى لِيتُورْجِيٌّ
تُدْمِجُ الكَنِيسَةُ الحَدَثَ فِي السَّنَةِ الطَّقْسِيَّةِ،فَيُصْبِحُ «أَحَدُ الشَّعَانِينِ» مَدْخَلًا لِأُسْبُوعِ الآلَامِ.
٣. مُسْتَوًى لَاهُوتِيٌّ
يُعَادُ تَفْسِيرُ الدُّخُولِ ضِمْنَ مَسَارِ الفِدَاءِ،فَتُصْبِحُ أُورُشَلِيمُ لَيْسَتْ عَاصِمَةَ مَلِكٍ بَلْ نُقْطَةَ انْطِلَاقِ خَلَاصٍ.هكَذَا تَتَحَوَّلُ الذَّاكِرَةُ مِنْ ذَاكِرَةٍ شَعْبِيَّةٍ إِلَى ذَاكِرَةٍ فِصْحِيَّةٍ.
رَابِعًا: تَثْبِيتُ الهُوِيَّةِ الكَنَسِيَّةِ الجَدِيدَةِ الكَنِيسَةُ بِوَصْفِهَا شَعْبَ المَلَكُوتِ
مَعَ القِيَامَةِ، تَنْشَأُ جَمَاعَةٌ جَدِيدَةٌ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى الجُغْرَافِيَّا، بَلْ إِلَى السِّرِّ.
١. شَعْبٌ يُولَدُ مِنَ الرُّوحِ لَا مِنَ العِرْقِ
الهُتَافُ الشَّعْبِيُّ كَانَ عِرْقِيًّا وَطَنِيًّا،أَمَّا الجَمَاعَةُ الجَدِيدَةُ فَتُولَدُ مِنْ مَعْمُودِيَّةِ الرُّوحِ.
٢. شَعْبٌ يَقُومُ عَلَى الإِيمَانِ لَا الِانْفِعَالِ
لَا تُبْنَى الكَنِيسَةُ عَلَى العَاطِفَةِ،بَلْ عَلَى شَهَادَةِ الرُّسُلِ.
٣. شَعْبٌ رِسَالِيٌّ لَا سِيَاسِيٌّ
تَتَحَوَّلُ أُورُشَلِيمُ مِنْ مَرْكَزٍ قَوْمِيٍّ إِلَى مَرْكَزٍ رِسَالِيٍّ،وَمِنِ انْتِظَارِ مَلِكٍ إِلَى إِعْلَانِ مَلَكُوتٍ. بِهذَا تَنْشَأُ الكَنِيسَةُ لَا كَاسْتِمْرَارٍ لِشَعْبٍ قَدِيمٍ،بَلْ كَجَمَاعَةٍ جَدِيدَةٍ مَوْلُودَةٍ مِنَ الصَّلِيبِ.
خَامِسًا: إِعَادَةُ صِيَاغَةِ مَعْنَى المُلُوكِيَّةِ مِنْ سُلْطَةٍ إِلَى مَحَبَّةٍ
بَعْدَ القِيَامَةِ، تُعَادُ صِيَاغَةُ المُلُوكِيَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ جَذْرِيًّا:
١. المُلُوكِيَّةُ قُوَّةُ حُبٍّ لَا قُوَّةَ حُكْمٍ
مَلَكُوتُ المَسِيحِ لَا يُمَارِسُ السُّلْطَةَ،بَلْ يُمَارِسُ العَطَاءَ حَتَّى المَوْتِ.
٢. المُلُوكِيَّةُ حُضُورٌ لَا امْتِلَاكٌ
يَمْلِكُ المَسِيحُ القُلُوبَ لَا الأَرَاضِيَ.
٣. المُلُوكِيَّةُ فِدَاءٌ لَا انْتِصَارًا حَرْبِيًّا
الصَّلِيبُ هُوَ مَعْرَكَةُ الِانْتِصَارِ، وَالقِيَامَةُ هِيَ إِعْلَانُ المُلْكِ.إِنَّهُ انْقِلَابٌ شَامِلٌ فِي مَعْنَى المُلكِ.
سَادِسًا: تَأْسِيسُ قِرَاءَةٍ رُوحِيَّةٍ دَائِمَةٍ لِأَحَدِ الشَّعَانِينِ نَحْوَ لَاهُوتِ الدُّخُولِ
تَعْتَمِدُ الكَنِيسَةُ عَبْرَ القُرُونِ قِرَاءَةً رُوحِيَّةً ثَابِتَةً لِهذَا الحَدَثِ:
١. الدُّخُولُ هُوَ دُخُولُ المَسِيحِ إِلَى القَلْبِ
لَا دُخُولًا إِلَى مَدِينَةٍ فَقَطْ.
٢. الأَغْصَانُ هِيَ فَضَائِلُ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ
لَا رُمُوزَ انْتِصَارٍ زَمَنِيَّةٍ.
٣. الهُتَافُ هُوَ صَلَاةُ تَوْبَةٍ
لَا مُطَالَبَةً سِيَاسِيَّةً.
٤. الجَحْشُ هُوَ رَمْزُ النَّفْسِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْهَا المَسِيحُ خَلَاصَهُ
لَا أَدَاةَ نَقْلٍ بَسِيطَةً.وَبِهذَا، يَتَحَوَّلُ الحَدَثُ التَّارِيخِيُّ إِلَى مَسَارٍ رُوحِيٍّ دَائِمٍ.
أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَا يُفْهَمُ حَقِيقَةً إِلَّا عِنْدَمَا يُعَادُ تَفْسِيرُهُ عَلَى ضَوْءِ السِّرِّ الفِصْحِيِّ،وَأَنَّ الكَنِيسَةَ الأُولَى لَمْ تَكْتَفِ بِتَسْجِيلِ الحَدَثِ، بَلْ أَعَادَتْ بِنَاءَ مَعْنَاهُ:حَوَّلَتِ الهُتَافَ إِلَى صَلَاةٍ،وَالأَغْصَانَ إِلَى رُمُوزِ قِيَامَةٍ،وَالجَحْشَ إِلَى عَلَامَةِ وَدَاعَةٍ،وَالمَدِينَةُ إِلَى بِدَايَةِ رِسَالَةٍ،وَالحَدَثُ الشَّعْبِيُّ إِلَى سِرٍّ كَنَسِيٍّ.وَبِهذَا تُصْبِحُ أُورُشَلِيمُ بِدَايَةَ الكَنِيسَةِ، وَالدُّخُولُ بِدَايَةَ الفِدَاءِ، وَالهُتَافُ بِدَايَةَ الصَّلِيبِ، وَالصَّلِيبُ بِدَايَةَ القِيَامَةِ.
البُعْدُ الإِسْكَاتُولُوجِيُّ لِلدُّخُولِ إِلَى أُورُشَلِيمَ: مِنَ الشَّعَانِينِ التَّارِيخِيِّ إِلَى المَجِيءِ الأَخِيرِ
بَعْدَ أَنْ أَعَادَتِ الكَنِيسَةُ الأُولَى قِرَاءَةَ دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ عَلَى ضَوْءِ القِيَامَةِ، تَذْهَبُ التَّقَالِيدُ المَسِيحِيَّةُ الأَوْسَعُ نَحْوَ خُطْوَةٍ أَبْعَدَ: قِرَاءَةِ الحَدَثِ فِي ضَوْءِ الإِسْكَاتُولُوجِيَا، بِحَيْثُ لَا يُصْبِحُ الدُّخُولُ مُجَرَّدَ حَدَثٍ مَاضٍ، بَلْ بِدَايَةَ دِينَامِيَّةٍ سَتَكْتَمِلُ فِي المَجِيءِ الثَّانِي.
هُنَا تَتَحَوَّلُ أُورُشَلِيمُ مِنْ مَدِينَةِ الأَرْضِ إِلَى رَمْزٍ لِلْمَدِينَةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ هُتَافُ الشَّعَانِينِ مِنْ صَرْخَةٍ زَمَنِيَّةٍ إِلَى نُبُوءَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ، وَيَنْفَتِحُ الدُّخُولُ عَلَى أُفُقِ المَلَكُوتِ الأَخِيرِ[32].
أَوَّلًا: البِنْيَةُ المُزْدَوِجَةُ لِلدُّخُولِ حَدَثٌ تَارِيخِيٌّ وَنُبُوءَةٌ إِسْكَاتُولُوجِيَّةٌ
تَظْهَرُ الأَنَاجِيلُ أَنَّ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ يَحْمِلُ طَابِعًا «ثُنَائِيَّ الطَّبَقَةِ»:
١. طَبَقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ حَدَثٌ وَقَعَ فِي زَمَنٍ مُحَدَّدٍ،فِي إِطَارٍ جُغْرَافِيٍّ،مَعَ جَمَاهِيرَ، وَهُتَافٍ، وَرُمُوزٍ.
٢. طَبَقَةٌ نُبُوِيَّةٌ مُسْتَقْبَلِيَّةٌ
الحَدَثُ نَفْسُهُ يُقْرَأُ كَإِعْلَانٍ لِمَا سَيَحْدُثُ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ:«هُوذَا مَلِكُكَ يَأْتِي إِلَيْكَ»لَيْسَ فَقَطْ مَجِيءَ المَسِيحِ إِلَى أُورُشَلِيمَ الأَرْضِ،بَلْ مَجِيئَهُ إِلَى العَالَمِ كُلِّهِ فِي الدَّيْنُونَةِ.
٣. طَبَقَةٌ رُوحِيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌالدُّخُولُ لَا يَنْتَهِي،بَلْ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ زَمَنٍ عِنْدَمَا يَدْخُلُ المَسِيحُ إِلَى القَلْبِ.إِنَّهَا بِنْيَةٌ مُتَرَاكِبَةٌ: المَاضِي، وَالمُسْتَقْبَلُ، وَالحَاضِرُ الرُّوحِيُّ يَلْتَقُونَ فِي حَدَثٍ وَاحِدٍ.
ثَانِيًا: التَّحَوُّلُ اللُّغَوِيُّ لِلْهُتَافِ مِنْ «هُوشَعْنَا الآنَ» إِلَى «مَارَانْ آثَا»
تُظْهِرُ الكَنِيسَةُ الأُولَى تَطَوُّرًا مُذْهِلًا فِي فَهْمِ الهُتَافِ:
١. «هُوشَعْنَا» مِنْ طَلَبِ خَلَاصٍ فَوْرِيٍّ…صَرْخَةُ الجَمَاهِيرِ كَانَتْ سِيَاسِيَّةً وَفَوْرِيَّةً:«خَلِّصْنَا الآنَ».
٢. إِلَى طَلَبِ حُضُورِ المَسِيحِ النِّهَائِيِّ
فِي التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ، يَتَحَوَّلُ الهُتَافُ إِلَى:«مَارَانْ آثَا» – «يَا رَبُّ تَعَالَ» (١ كورنثوس ١٦: ٢٢).إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ طَلَبِ زَمَنٍ إِلَى تَوْقِ الأَبَدِيَّةِ.
٣. مِنْ خَلَاصٍ أَرْضِيٍّ إِلَى انْتِظَارِ المَلَكُوتِ
الهُتَافُ يُصْبِحُ دَعْوَةً لِمَجِيءِ المَسِيحِ فِي المَجْدِ،حَيْثُ يَتَحَقَّقُ الخَلَاصُ بِالكَامِلِ فِي الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ.هكَذَا تَتَحَوَّلُ اللُّغَةُ الطَّقْسِيَّةُ مِنْ قَوْمِيَّةٍ إِلَى كَوْنِيَّةٍ، وَمِنْ زَمَنِيَّةٍ إِلَى أَبَدِيَّةٍ.
ثَالِثًا: رَمْزِيَّةُ المَدِينَةِ: مِنْ أُورُشَلِيمَ الأَرْضِيَّةِ إِلَى أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ تَحْتَلُّ «المَدِينَةُ» مَوْقِعًا مَرْكَزِيًّا فِي تَقَالِيدِ الشَّعَانِينِ وَالإِسْكَاتُولُوجِيَا:
١. أُورُشَلِيمُ التَّارِيخِيَّةُ مَسْرَحُ الصَّلِيبِ
- هِيَ مَكَانُ الرَّفْضِ،
- وَمَكَانُ الصَّلْبِ،
- وَمَكَانُ القِيَامَةِ.
٢. أُورُشَلِيمُ الرُّوحِيَّةُ الكَنِيسَةُ
مَعَ القِيَامَةِ وَالعَنْصَرَةِ،تُصْبِحُ الكَنِيسَةُ «أُورُشَلِيمَ الجَدِيدَةَ» الَّتِي يَسْتَقْبِلُ فِيهَا المُؤْمِنُونَ المَلِكَ المَسِيحَ فِي الإِفْخَارِسْتِيَا.
٣. أُورُشَلِيمُ السَّمَاوِيَّةُ هَدَفُ المَسِيرَةِ
فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا: المَدِينَةُ تُصْبِحُ رَمْزَ الخَلَاصِ المُكْتَمِلِ:«مَدِينَةٌ نَازِلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا» (رؤيا ٢١: ٢).إِنَّهَا طَبَقَاتٌ ثَلَاثٌ لِمَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ:الأُولَى تُرْفَضُ،الثَّانِيَةُ تُولَدُ،الثَّالِثَةُ تُنْتَظَرُ.
رَابِعًا: الجَحْشُ فِي القِرَاءَةِ الإِسْكَاتُولُوجِيَّةِ رَمْزُ المَلِكِ الوَدِيعِ قَبْلَ الدَّيْنُونَةِ
لَمْ يَعُدِ الجَحْشُ مُجَرَّدَ رَمْزٍ لِلْوَدَاعَةِ فِي الدُّخُولِ التَّارِيخِيِّ، بَلْ أَصْبَحَ:
١. عَلَامَةَ المَجِيءِ الأَوَّلِ مَجِيءَ المَسِيحِ المُتَوَاضِعِ،الهَادِئِ،الَّذِي لَا يُطْفِئُ فَتِيلَةً مُدَخَّنَةً.
٢. تَمْهِيدًا لِلْمَجِيءِ الثَّانِي فِي المَجْدِ،عَلَى «فرس أَبْيَضَ» «ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ» (رؤيا ١٩: ١١).إِنْفِتَاحُ السَّمَاءِ يَعْنِي أَنَّ المُبَادَرَةَ آتِيَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ لَيْسَ الإِنْسَانُ هُوَ مَنْ يَصْعَدُ لِيَفْرِضَ العَدَالَةَ، بَلِ اللَّهُ هُوَ مَنْ يَنْفَتِحُ وَيَنْزِلُ لِيُظْهِرَ الحَقَّ. هُنَا يَنْتَهِي زَمَنُ الصَّبْرِ الصَّامِتِ وَيَبْدَأُ زَمَنُ الإِعْلَانِ الحَاسِمِ.
الفَرَسُ الأَبْيَضُ لَيْسَ أَدَاةَ حَرْبٍ دَمَوِيَّةٍ، بَلْ رَمْزٌ إِلَى النَّصْرِ الإِلَهِيِّ النَّقِيِّ. هُوَ نَصْرٌ لَا يَقُومُ عَلَى القَهْرِ بَلْ عَلَى الحَقِّ. اللَّوْنُ الأَبْيَضُ فِي الرُّؤْيَا هُوَ لَوْنُ القِيَامَةِ وَالغَلَبَةِ، وَهُوَ رَمْزُ المَلَكُوتِ فِي اكْتِمَالِهِ.
٣. جِسْرًا لَاهُوتِيًّا بَيْنَ الوَدَاعَةِ وَالدَّيْنُونَةِ
الجَحْشُ يُعْلِنُ زَمَنَ الرَّحْمَةِ،وَالحِصَانُ يُعْلِنُ زَمَنَ الحَقِّ. بَيْنَهُمَا يَقِفُ الزَّمَنُ الكَنَسِيُّ كَفَتْرَةِ نِعْمَةٍ تَنْتَظِرُ اكْتِمَالَ المَلَكُوتِ. هُنَا يُقْرَأُ الرَّمْزُ ضِمْنَ مُخَطَّطٍ تَدْبِيرِيٍّ وَاسِعٍ لَا يَنْتَهِي فِي الشَّعَانِينِ.
خَامِسًا: الِانْقِلَابُ فِي طَبِيعَةِ الجُمْهُورِ مِنْ جُمْهُورِ الهُتَافِ إِلَى جُمْهُورِ الدَّيْنُونَةِ
- فِي الشَّعَانِينِ، الجُمْهُورُ هُوَ:
١. جُمْهُورٌ انْفِعَالِيٌّ، غَيْرُ ثَابِتٍ
- يَسْتَقْبِلُ اليَوْمَ،
- وَيَرْفُضُ غَدًا.
٢. جُمْهُورٌ سِيَاسِيٌّ
- يَنْتَظِرُ خَلَاصًا أَرْضِيًّا.
- لَكِنْ فِي الإِسْكَاتُولُوجِيَا:الجُمْهُورُ يَتَحَوَّلُ مِنْ جَمَاهِيرَ إِلَى «الأُمَمِ»الَّذِينَ يُسْتَدْعَوْنَ إِلَى الوُقُوفِ أَمَامَ ابْنِ الإِنْسَانِ (مَتَّى ٢٥).
• مَثَلُ العَذَارَى العَشْرِ: السَّهَرُ كَعَلَامَةٍ لَا كَتَرَقُّبٍ زَمَنِيٍّ.العَذَارَى جَمِيعُهُنَّ انْتَظَرْنَ العَرِيسَ،لَكِنَّ الفَرْقَ لَمْ يَكُنْ فِي الِانْتِظَارِ بَلْ فِي الزَّيْتِ.
• مَثَلُ الوَزَنَاتِ: الأَمَانَةُ لَا تَعْنِي الحِفَاظَ بَلِ المُجَازَفَةَ؛السَّيِّدُ لَا يَطْلُبُ النَّجَاحَ بَلِ الأَمَانَةَ.
• الدَّيْنُونَةُ الأَخِيرَةُ: مُفَاجَأَةُ مِعْيَارِ المَحَبَّةِ المُتَجَسِّدَةِ. المَلِكُ لَا يَسْأَلُ عَنِ العَقَائِدِ وَالطُّقُوسِ،بَلْ عَنِ العَلَاقَةِ بِالإِنْسَانِ الجَائِعِ، العَطْشَانِ الغَرِيبِ، العُرْيَانِ، المَرِيضِ، وَالسَّجِينِ.المِعْيَارُ لَيْسَ الوَعْيَ بَلِ المَحَبَّةَ الَّتِي صَارَتْ فِعْلًا.
وَالمِعْيَارُ يَتَغَيَّرُ لَيْسَ الهُتَافَ،وَلَا الأَغْصَانَ،بَلِ المَحَبَّةَ وَالرَّحْمَةَ.هكَذَا يَنْتَقِلُ الحَدَثُ مِنْ شَعْبٍ وَاحِدٍ إِلَى الإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ.
سَادِسًا: الدِّينَامِيَّةُ الإِفْخَارِسْتِيَّةُ مِنَ الطُّرُقَاتِ إِلَى المَذْبَحِ
فِي الشَّعَانِينِ،اسْتَقْبَلَ الشَّعْبُ المَسِيحَ عَلَى الطَّرِيقِ.لَكِنْ فِي الكَنِيسَةِ:
١. الِاسْتِقْبَالُ الطَّقْسِيُّ يَتِمُّ عَلَى المَذْبَحِ
حَيْثُ يَدْخُلُ المَسِيحُ فِي سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَالَا لِكَيْ يُسْتَقْبَلَ بِالأَغْصَانِ،بَلْ لِيُسْتَقْبَلَ بِالقَلْبِ.
٢. الإِفْخَارِسْتِيَا هِيَ دُخُولٌ دَائِمٌ
كُلُّ قُدَّاسٍ هُوَ «دُخُولُ الرَّبِّ»،لَا إِلَى مَدِينَةٍ،بَلْ إِلَى الجَمَاعَةِ.
٣. الكَنِيسَةُ تُحَوِّلُ الطَّرِيقَ إِلَى قَلْبِ المُؤْمِنِ
لِذَلِكَ تُصْبِحُ مَسِيرَةُ الشَّعَانِينِ مَسِيرَةً دَاخِلِيَّةً قَبْلَ أَنْ تَكُونَ خَارِجِيَّةً.الإِفْخَارِسْتِيَا تُتِمُّ الشَّعَانِينِ رُوحِيًّا حَتَّى مَجِيءِ المَسِيحِ الثَّانِي
سابِعًا: مِنَ الشَّعَانِينِ الأَرْضِيِّ إِلَى الشَّعَانِينِ الأَبَدِيِّ
تُعَلِّمُ الكَنِيسَةُ أَنَّ الشَّعَانِينِ عَلَى الأَرْضِ هُوَ:
١. افْتِتَاحٌ دِرَامِيٌّ لِلأُسْبُوعِ المُقَدَّسِ تَبْدَأُ مِنْهُ الآلَامُ.
٢. صُورَةٌ مُسْبَقَةٌ لِلشَّعَانِينِ السَّمَاوِيِّ حَيْثُ يَحْمِلُ النَّاسُ «سَعَفَ النَّخْلِ» أَمَامَ العَرْشِ وَالحَمَلِ:«وَبَعْدَ هذَا نَظَرْتُ فَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُحْصِيَهُ، مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَشَعْبٍ وَلِسَانٍ، وَاقِفُونَ أَمَامَ العَرْشِ وَأَمَامَ الخَرُوفِ، لَابِسِينَ ثِيَابًا بِيضًا، وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ» (رؤيا ٧: ٩).
٣. وَعْدٌ بِالدُّخُولِ الأَبَدِيِّ مَعَ المَسِيحِ
مِنَ الدُّخُولِ الأَرْضِيِّ إِلَى الدُّخُولِ الأَبَدِيِّ: مِنَ المَدِينَةِ التَّارِيخِيَّةِ إِلَى مَدِينَةِ اللَّهِ.إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ رَمْزِ الفِدَاءِ إِلَى كَمَالِ الفِدَاءِ.
أَنَّ الشَّعَانِينِ لَيْسَ حَدَثًا مِنَ المَاضِي،بَلْ نُبُوءَةٌ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الإِسْكَاتُولُوجِيَا.فَالدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ يَبْدَأُ كَحَدَثٍ سِيَاسِيٍّ،يَتَحَوَّلُ إِلَى حَدَثٍ فِصْحِيٍّ،وَيَكْتَمِلُ كَحَدَثٍ مَجِيدٍ فِي المَجِيءِ الأَخِيرِ.
وَتَتَحَوَّلُ الرُّمُوزُ:
- مِنْ أَغْصَانِ الأَرْضِ إِلَى سَعَفِ السَّمَاءِ،
- وَمِنْ مَدِينَةٍ مَرْفُوضَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ أَبَدِيَّةٍ،
- وَمِنْ هُتَافٍ شَعْبِيٍّ إِلَى نَشِيدِ الدَّيْنُونَةِ،
- وَمِنِ اسْتِقْبَالٍ مُؤَقَّتٍ إِلَى مَلَكُوتٍ لَا يَزُولُ.
- وَهكَذَا يَرْتَفِعُ الدُّخُولُ مِنَ التَّارِيخِ إِلَى الأَبَدِيَّةِ،
- وَمِنَ السَّاحَةِ الشَّعْبِيَّةِ إِلَى السَّاحَةِ السَّمَاوِيَّةِ،
- وَمِنَ الجَحْشِ المُتَوَاضِعِ إِلَى عَرْشِ الحَمَلِ،
- وَمِنَ الهُتَافِ الأَرْضِيِّ إِلَى «مَارَانْ آثَا».
أُورُشَلِيمُ الدَّاخِلِيَّةُ: قِرَاءَةٌ أَنْثْرُوبُولُوجِيَّةٌ رُوحِيَّةٌ لِلدُّخُولِ المَسِيحَانِيِّ[33]
البُعْدَ الأَنْثْرُوبُولُوجِيَّ الرُّوحِيَّ، الَّذِي تَرَاهُ التَّقَالِيدُ الرُّوحِيَّةُ كَامْتِدَادٍ طَبِيعِيٍّ لِلقِرَاءَةِ الفِصْحِيَّةِ.فَالإِنْسَانُ نَفْسُهُ يُصْبِحُ «مَدِينَةً» يَدْخُلُ إِلَيْهَا المَسِيحُ، وَتَتَحَوَّلُ رُمُوزُ الشَّعَانِينِ إِلَى مَفَاتِيحَ لِفَهْمِ المَسَارِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يُحَرِّرُ النَّفْسَ وَيَفْتَحُهَا عَلَى حُضُورِ اللَّهِ.
أَوَّلًا: الإِنْسَانُ كَمَدِينَةٍ رُوحِيَّةٍ إِعَادَةُ تَرْسِيمِ الجُغْرَافِيَا الدَّاخِلِيَّةِ
يَرَى آبَاءُ الكَنِيسَةِ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ هُوَ «أُورُشَلِيمٌ دَاخِلِيَّةٌ»، وَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ هُوَ مَوْضِعُ دُخُولِ المَسِيحِ، وَأَنَّ التَّارِيخَ الخَلَاصِيَّ يَمُرُّ عَبْرَ القَلْبِ قَبْلَ المَدِينَةِ.
- يَرَى أُورِيجَانُوسُ[34] أَنَّ أُورُشَلِيمَ لَيْسَتْ فَقَطْ مَدِينَةً تَارِيخِيَّةً، بَلْ نَفْسَ الإِنْسَانِ الَّتِي يَدْخُلُهَا المَسِيحُ لِيُعَلِّمَ وَيُدِينُ، وَيُرْفَضَ أَوْ يُقْبَلَ. كُلُّ مَا جَرَى فِي أُورُشَلِيمَ الجُغْرَافِيَّةِ يَتَكَرَّرُ فِي دَاخِلِ الإِنْسَانِ. إِذًا، كُلُّ نَفْسٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُورِيجَانُوسَ هِيَ أُورُشَلِيمَ، وَفِيهَا يُصْلَبُ المَسِيحُ أَوْ يُمَجَّدُ.
- غِرِيغُورِيُوسُ النِّيصِيُّ[35] يُفَسِّرُ المَدِينَةَ المُقَدَّسَةَ عَلَى أَنَّهَا النَّفْسُ الَّتِي بَلَغَتْ دَرَجَةَ النُّضْجِ الرُّوحِيِّ. دُخُولُ المَلِكِ إِلَى المَدِينَةِ هُوَ دُخُولُ الكَلِمَةِ إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ الَّتِي تَطَهَّرَتْ وَصَارَتْ قَادِرَةً عَلَى الِاسْتِقْبَالِ. أُورُشَلِيمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ هِيَ النَّفْسُ الَّتِي صَارَتْ مَدِينَةً لِلْمَلِكِ.
- القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ[36] يُمَيِّزُ بَيْنَ أُورُشَلِيمَ الأَرْضِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، لَكِنَّهُ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَدِينَةَ اللَّهِ تَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الإِنْسَانِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَقَّقَ فِي التَّارِيخِ. القَلْبُ المُؤْمِنُ هُوَ مَوْضِعُ انْتِمَاءِ أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ بَذْرَةَ مَدِينَةِ اللَّهِ.
- كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ[37] يُفَسِّرُ دُخُولَ المَسِيحِ إِلَى المَدِينَةِ كَدُخُولِهِ إِلَى الإِنْسَانِ، هُوَ الهَيْكَلُ الجَدِيدُ، أَيْ أُورُشَلِيمُ الجَدِيدَةُ.
- يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ[38] يُرَكِّزُ عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ المَسِيحِ لَا يَتِمُّ بِالهُتَافِ الخَارِجِيِّ، بَلْ بِانْفِتَاحِ القَلْبِ. المَدِينَةُ الَّتِي تَرْفُضُ المَسِيحَ هِيَ القَلْبُ المُنْغَلِقُ لَا شَوَارِعُ أُورُشَلِيمَ. أُورُشَلِيمُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ القَلْبُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ أَوْ يَرْفُضُ.
١. مَدِينَةٌ تَحْوِي تَنَاقُضَاتٍ
نُورٌ وَظَلَامٌ،
إِيمَانٌ وَخَوْفٌ،
هُتَافٌ وَصَمْتٌ.
٢. مَدِينَةٌ يَنْتَظِرُ فِيهَا اللَّهُ الدُّخُولَ
تَمَامًا كَمَا دَخَلَ المَسِيحُ أُورُشَلِيمَ،يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ القَلْبَ،لَكِنْ بِحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ وَفَتْحِهِ لِلْبَابِ.
٣. مَدِينَةٌ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ أَوْ تَرْفُضَ
أُورُشَلِيمُ التَّارِيخِيَّةُ رَفَضَتْ،لَكِنَّ أُورُشَلِيمَ الدَّاخِلِيَّةَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ.وَهكَذَا يَنْتَقِلُ الحَدَثُ مِنْ جُغْرَافِيَّا الأَرْضِ إِلَى جُغْرَافِيَّا الرُّوحِ.
ثَانِيًا: الهُتَافُ الدَّاخِلِيُّ فَرَحٌ أَمِ انْفِعَالٌ؟
الهُتَافُ الخَارِجِيُّ فِي الشَّعَانِينِ يَحْمِلُ مَعَانِيَ مُزْدَوِجَةً:
١. هُتَافٌ حَقِيقِيٌّ يُولَدُ مِنَ الإِيمَانِ
هُوَ فَرَحُ الرُّوحِ الَّذِي يَعْرِفُ المَسِيحَ كَمَا هُوَ،لَا كَمَا يُرِيدُهُ أَنْ يَكُونَ.
٢. هُتَافٌ زَائِفٌ يُولَدُ مِنَ الِانْفِعَالِ
هُوَ انْفِعَالٌ عَابِرٌ مُرْتَبِطٌ بِالعَاطِفَةِ أَوِ الحَاجَةِ،سَرِيعُ الِانْطِفَاءِ.
٣. مِعْيَارُ التَّمْيِيزِ
الهُتَافُ الحَقِيقِيُّ يَقُودُ إِلَى الصَّلِيبِ،وَالهُتَافُ الِانْفِعَالِيُّ يَتَوَقَّفُ أَمَامَ التَّحَدِّيَاتِ.هكَذَا يُصْبِحُ الهُتَافُ مِعْيَارًا لِحَقِيقَةِ الإِيمَانِ فِي القَلْبِ.
ثَالِثًا: الأَغْصَانُ كَرُمُوزٍ لِلنُّمُوِّ الرُّوحِيِّ أَيَّ أَغْصَانٍ نَرْفَعُ؟
فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، يُفَسِّرُ أُورِيجَانُوسُ الأَغْصَانَ كَرَمْزٍ لِلْفَضَائِلِ الَّتِي يَرْفَعُهَا الإِنْسَانُ أَمَامَ المَسِيحِ،وَالطَّرِيق كَمَسِيرَةِ القَلْبِ نَحْوَ اللَّهِ.الشَّعَانِينِ حَدَثٌ دَاخِلِيٌّ يَتَكَرَّرُ كُلَّمَا فَتَحَ الإِنْسَانُ طَرِيقَهُ،
لَا بِالحَمَاسِ بَلْ بِالتَّحَوُّلِ.
١. الأَغْصَانُ هِيَ الفَضَائِلُ
- الغُفْرَانُ،
- الوَدَاعَةُ،
- الرَّجَاءُ،
- الصَّبْرُ.
يُشَدِّدُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى أَنَّ الأَغْصَانَ تُعَبِّرُ عَنْ فَرَحٍ نَاضِجٍ، إِنْ لَمْ يُتَرْجَمْ إِلَى طَاعَةٍ بَقِيَ فَرَحًا نَاقِصًا.
٢. رَمْزُ النَّخْلِ يُصْبِحُ رَمْزَ النَّصْرِ عَلَى الذَّاتِ:كَمَا يُشِيرُ النَّخْلُ إِلَى الِانْتِصَارِ العَسْكَرِيِّ،يُشِيرُ رُوحِيًّا إِلَى الِانْتِصَارِ عَلَى الخَوْفِ،وَالأَنَانِيَّةِ،
وَالِانْفِعَالِ.
٣. الأَغْصَانُ تُرْفَعُ حِينَ تَكُونُ الحَيَاةُ مُطَهَّرَةً:لَا يُمْكِنُ رَفْعُ أَغْصَانِ الخَارِجِ قَبْلَ أَنْ تَتَطَهَّرَ أَغْصَانُ الدَّاخِلِ.الأَغْصَانُ تُصْبِحُ مِعْيَارَ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ الصَّادِقَةِ.
رَابِعًا: الجَحْشُ كَرَمْزٍ لِلنَّفْسِ المُسْتَسْلِمَةِ حَمْلُ المَسِيحِ فِي الدَّاخِلِ
يَرَى يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ الجَحْشَ فِي النَّصِّ يُعْلِنُ أَنَّ المَسِيحَ يَرْفُضُ القُوَّةَ، وَيَدْخُلُ إِلَى القُلُوبِ الَّتِي تَقْبَلُ وَدَاعَةَ المَلِكِ. وَيَرَى غِرِغُورِيُوسُ النَّزِيَنْزِيُّ أَنَّ الجَحْشَ يَرْمُزُ إِلَى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ المُتَوَاضِعَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا الكَلِمَةُ دُونَ أَنْ يَسْحَقَهَا.
مِنْ أَجْمَلِ الرُّمُوزِ الرُّوحِيَّةِ فِي الشَّعَانِينِ:
١. الجَحْشُ رَمْزُ النَّفْسِ الَّتِي تَقْبَلُ المَسِيحَ
نَفْسٌ مُتَوَاضِعَةٌ،غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسُلْطَةِ العَالَمِ،مُتَاحَةٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ.
٢. الحُرِّيَّةُ الدَّاخِلِيَّةُ شَرْطُ الحُضُورِ الإِلَهِيِّ
الجَحْشُ كَانَ «مُرْتَبِطًا»،لَكِنَّ التَّلَامِيذَ «أَطْلَقُوهُ»كَمَا تُطْلَقُ النَّفْسُ مِنْ قُيُودِهَا.
٣. المَسِيحُ يَدْخُلُ المَدِينَةَ عَلَى النَّفْسِ الَّتِي تَحْمِلُهُ
فَالنَّفْسُ الَّتِي تَتَوَاضَعُ تُصْبِحُ مَرْكَبَةً لِلنِّعْمَةِ.إِنَّهُ رَمْزٌ عَمِيقٌ لِلكِتَابَةِ الرُّوحِيَّةِ.
خَامِسًا: الطَّرِيقُ كَرَمْزٍ لِلْمَسِيرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ هَلْ نُمَهِّدُ السَّبِيلَ؟
يُفَسِّرُ أُغُسْطِينُوسُ بَسْطَ الثِّيَابِ عَلَى الطَّرِيقِ كَطَرْحِ الإِنْسَانِ لِذَاتِهِ القَدِيمَةِ أَمَامَ المَسِيحِ. هُوَ الأَنَا، وَوَضْعُهُ تَحْتَ أَقْدَامِ المَسِيحِ هُوَ فِعْلُ خُضُوعٍ دَاخِلِيٍّ يَسْبِقُ أَيَّ هُتَافٍ خَارِجِيٍّ.كَمَا مَهَّدَ الشَّعْبُ الطَّرِيقَ بِثِيَابِهِ،هكَذَا الإِنْسَانُ:
١. يَخْلَعُ ثِيَابَ الكِبْرِيَاءِ لِكَيْ يُمَهِّدَ الطَّرِيقَ لِلْمَسِيحِ.
٢. يَخْلَعُ ثِيَابَ المَاضِي الذِّكْرَيَاتِ الجَرِيحَةَ،الِارْتِبَاطَاتِ المُدَمِّرَةَ،الخِيَارَاتِ الخَاطِئَةَ.
٣. يَفْرُشُ الطَّرِيقَ بِالثِّقَةِ لِكَيْ يَمُرَّ المَسِيحُ فِي عُمْقِ حَيَاتِهِ.إِنَّهَا حَرَكَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تَعْكِسُ مَعْنَى«أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ».
سَادِسًا: الصَّلِيبُ فِي القَلْبِ أَيْنَ يَنْتَهِي الدُّخُولُ؟
كَمَا أَنَّ الدُّخُولَ التَّارِيخِيَّ يَنْتَهِي بِالصَّلِيبِ،كَذَلِكَ الدُّخُولُ الدَّاخِلِيُّ يَنْتَهِي:
١. بِصَلْبِ الشَّهَوَاتِ لِكَيْ يَتَقَدَّسَ القَلْبُ.
٢. بِصَلْبِ الإِرَادَةِ الذَّاتِيَّةِ لِكَيْ تُولَدَ الطَّاعَةُ الرُّوحِيَّةُ.
٣. بِصَلْبِ المَشَارِيعِ الخَاصَّةِ لِكَيْ يَكْشِفَ اللَّهُ مَشِيئَتَهُ.الصَّلِيبُ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ،بَلْ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ فِي الإِنْسَانِ.
سَابِعًا: القِيَامَةُ الدَّاخِلِيَّةُ ثِمَارُ الدُّخُولِ
حِينَ يَدْخُلُ المَسِيحُ القَلْبَ،وَيُخْتَبَرُ الصَّلِيبُ الدَّاخِلِيُّ تُولَدُ ثِمَارُ القِيَامَةِ:
١. حُرِّيَّةٌ رُوحِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَحَرُّرٌ مِنَ العُبُودِيَّاتِ الخَفِيَّةِ.
٢. رُؤْيَةٌ جَدِيدَةٌ لِلذَّاتِ تَصَالُحٌ مَعَ الجِرَاحِ،وَقَبُولٌ لِلْمُحَدَّدِيَّةِ.
٣. فَرَحٌ رُوحِيٌّ لَا يَخْضَعُ لِلظُّرُوفِ فَرَحٌ يَنْبُعُ مِنْ حُضُورِ المَسِيحِ،لَا مِنْ نَتَائِجِ الحَيَاةِ.بِهٰذَا تَكْتَمِلُ الدَّوْرَةُ الرُّوحِيَّةُ لِلشَّعَانِينِ.
أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ حَدَثًا خَارِجِيًّا فَقَطْ،بَلْ حَرَكَةً دَاخِلِيَّةً تَتَكَرَّرُ فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ:القَلْبُ هُوَ أُورُشَلِيمُ الجَدِيدَةُ،وَالهُتَافُ هُوَ الفَرَحُ الرُّوحِيُّ،وَالأَغْصَانُ هِيَ الفَضَائِلُ،وَالجَحْشُ هُوَ النَّفْسُ المُتَوَاضِعَةُ،وَالطَّرِيقُ هُوَ مَسِيرَةُ الحَيَاةِ وَالصَّلِيبُ هُوَ التَّحَوُّلُ وَالقِيَامَةُ هِيَ الثَّمَرَةُ.وَبِهٰذَا، يُصْبِحُ الشَّعَانِينُ رَمْزًا لِرِحْلَةِ الإِنْسَانِ مَعَ اللَّهِ،لَا لِرِحْلَةِ المَسِيحِ إِلَى مَدِينَةٍ فَقَطْ.وَيُصْبِحُ الدُّخُولُ حَدَثًا رُوحِيًّا مُسْتَمِرًّا، تُعِيدُ الكَنِيسَةُ اكْتِشَافَهُ فِي كُلِّ عَامٍ وَفِي كُلِّ نَفْسٍ.
مَنْطِقُ الدُّخُولِ الفِصْحِيِّ: نَحْوَ صِيَاغَةِ لَاهُوتٍ تَكَامُلِيٍّ لِلدُّخُولِ المَسِيحَانِيِّ إِلَى أُورُشَلِيمَ
الدُّخُولُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مُقَدِّمَةٍ لِلآلَامِ، وَلَا حَدَثًا سِيَاسِيًّا، وَلَا حَتَّى مَشْهَدًا رَمْزِيًّا مَعْزُولًا،بَلْ حَدَثًا تَأْسِيسِيًّا يُعِيدُ تَرْتِيبَ العَلَاقَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالإِنْسَانِ وَالعَالَمِ،وَيَمْنَحُ الكَنِيسَةَ إِطَارًا فَهْمِيًّا لِفَهْمِ سِرِّ المَسِيحِ بِكَامِلِهِ.
أَوَّلًا: مَنْطِقُ الِانْقِلَابِ قَلْبُ المَعْنَى بَيْنَ الخَارِجِ وَالدَّاخِلِ[39]
يَقُومُ الدُّخُولُ المَسِيحَانِيُّ عَلَى انْقِلَابٍ مُزْدَوَجٍ:
١. انْقِلَابٌ فِي مَعْنَى القُوَّةِ القُوَّةُ لَمْ تَعُدْ قُوَّةَ السَّيْفِ بَلْ قُوَّةَ الصَّلِيبِ.
٢. انْقِلَابٌ فِي مَعْنَى المَلَكُوتِ المَلَكُوتُ لَمْ يَعُدْ مَشْرُوعًا سِيَاسِيًّا، بَلْ حُضُورًا خَلَاصِيًّا.
٣. انْقِلَابٌ فِي مَعْنَى الِانْتِصَارِ
الِانْتِصَارُ لَمْ يَعُدْ انْتِصَارًا عَلَى العَدُوِّ،بَلْ انْتِصَارًا عَلَى الشَّرِّ الدَّاخِلِيِّ وَالخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ.بِهٰذَا يُصْبِحُ الدُّخُولُ «لَحْظَةَ قَلْبٍ» لَا «لَحْظَةَ تَتْوِيجٍ».
ثَانِيًا: مَنْطِقُ التَّدَرُّجِ الحَدَثُ يَتَعَمَّقُ وَلَا يَتَوَقَّفُ يَرْتَسِمُ فِي الدُّخُولِ مَسَارٌ لَاهُوتِيٌّ مُتَدَرِّجٌ:
١. البِدَايَةُ عَلَى الطَّرِيقِ الحَدَثُ يَبْدَأُ خَارِجِيًّا: أَغْصَانٌ، هُتَافٌ، انْتِظَارَاتٌ.
٢. ثُمَّ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ الهَيْكَلِ حَيْثُ يَطْرُدُ يَسُوعُ التُّجَّارَ،وَيُطَهِّرُ العِبَادَةَ،وَيُعْلِنُ حُضُورَ اللَّهِ الحَقِيقِيَّ.
٣. ثُمَّ يَصِلُ إِلَى العَشَاءِ وَالصَّلِيبِ حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الدُّخُولُ إِلَى ذَبِيحَةٍ،وَالهُتَافُ إِلَى صَمْتٍ،وَالأَغْصَانُ إِلَى خَشَبَةٍ.
٤. وَيَنْتَهِي فِي القِيَامَةِ حَيْثُ يَجِدُ الدُّخُولُ مَعْنَاهُ الأَعْمَقَ:لَا يَدْخُلُ يَسُوعُ مَدِينَةً فَقَطْ،بَلْ يَدْخُلُ المَوْتَ لِيَهْزِمَ المَوْتَ.المَسَارُ لَيْسَ أُفُقِيًّا فَقَطْ، بَلْ عَمُودِيًّا مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ.
ثَالِثًا: مَنْطِقُ الكَشْفِ الدُّخُولُ بِوَصْفِهِ إِعْلَانَ الهُوِيَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنَ الدُّخُولِ، يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنْ ذَاتِهِ:
١. يَكْشِفُ أَنَّهُ المَلِكُ لَكِنْ لَيْسَ مَلِكَ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ،بَلْ مَلِكَ القُلُوبِ.
٢. يَكْشِفُ أَنَّهُ ابْنُ دَاوُدَ لَكِنَّهُ يُوَسِّعُ مَعْنَى النَّسَبِ لِيُصْبِحَ نَسَبًا فِصْحِيًّا لَا نَسَبًا قَوْمِيًّا.
٣. يَكْشِفُ أَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ الآتِيَ بِالدَّيْنُونَةِ،وَلَكِنَّهُ يَبْدَأُ بِالدَّيْنُونَةِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى الصَّلِيبِ مِنْ أَجْلِ العَالَمِ.
٤. يَكْشِفُ أَنَّهُ عَرِيسُ الكَنِيسَةِ يَدْخُلُ المَدِينَةَ لِيَبْدَأَ «أُسْبُوعَ زِفَافٍ فِصْحِيًّا»،تَتَّحِدُ فِيهِ البَشَرِيَّةُ بِاللَّهِ عَبْرَ الدَّمِ وَالمَاءِ.الدُّخُولُ هُوَ مِرْآةُ الهُوِيَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ.
رَابِعًا: مَنْطِقُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ هُتَافِ الشَّعْبِ وَصَمْتِ المَسِيحِ[40]
يَعْرِضُ الحَدَثُ مُفَارَقَةً حَادَّةً:
١. الشَّعْبُ يَتَكَلَّمُ كَثِيرًا يُطَالِبُ، يَهْتِفُ، يَصْرُخُ، يُفَسِّرُ.
٢. المَسِيحُ يَصْمُتُ كَثِيرًا
- يَصْمُتُ أَمَامَ الهُتَافِ،
- يَصْمُتُ أَمَامَ التَّوَقُّعَاتِ،
- ثُمَّ يَصْمُتُ أَمَامَ القَضَاءِ.
٣. التَّمْيِيزُ الرُّوحِيُّ
صَوْتُ الهُتَافِ يَكْشِفُ السَّطْحِيَّةَ،وَصَوْتُ الصَّمْتِ يَكْشِفُ العُمْقَ.الصَّمْتُ هُوَ لُغَةُ الحَقِيقَةِ،وَالهُتَافُ لُغَةُ التَّوَقُّعِ.
خَامِسًا: مَنْطِقُ الصِّرَاعِ بَيْنَ مَلُوكِيَّةِ السَّمَاءِ وَمَلُوكِيَّةِ الأَرْضِ
يُمَثِّلُ الدُّخُولُ صِرَاعًا بَيْنَ نَمُوذَجَيْنِ لِلسُّلْطَةِ:
١. السُّلْطَةُ الزَّمَنِيَّةُ تَعْتَمِدُ القُوَّةَ،وَالقَانُونَ،وَالتَّوَقُّعَاتِ الشَّعْبِيَّةِ.
٢. السُّلْطَةُ المَسِيحَانِيَّةُ تَعْتَمِدُ الوَدَاعَةَ،وَالصَّلِيبَ،وَالحُبَّ حَتَّى المَوْتِ.
٣. نَتِيجَةُ الصِّرَاعِ تَسْقُطُ مَلُوكِيَّةُ الأَرْضِ عَلَى الصَّلِيبِ،بَيْنَمَا تَتَجَلَّى مَلُوكِيَّةُ السَّمَاءِ مِنَ القَبْرِ.هُنَا يَتَحَقَّقُ قَوْلُ الرَّبِّ:«مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هٰذَا العَالَمِ».
سَادِسًا: مَنْطِقُ الِامْتِدَادِ الدُّخُولُ بِوَصْفِهِ حَدَثًا مُسْتَمِرًّا فِي التَّارِيخِ
الدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ حَدَثًا مُغْلَقًا:
١. يَتَكَرَّرُ رُوحِيًّا فِي كُلِّ قُدَّاسٍ كُلُّ إِفْخَارِسْتِيَّا هِيَ دُخُولٌ جَدِيدٌ لِلْمَسِيحِ إِلَى الجَمَاعَةِ.
٢. يَتَكَرَّرُ سِرَائِرِيًّا فِي كُلِّ مَعْمُودِيَّةٍالمَعْمُودِيَّةُ هِيَ دُخُولُ المَسِيحِ إِلَى الإِنْسَانِ،وَدُخُولُ الإِنْسَانِ إِلَى المَلَكُوتِ.
٣. يَتَكَرَّرُ تَارِيخِيًّا فِي الكَنِيسَةِ
عِنْدَمَا تَدْخُلُ الكَنِيسَةُ عَالَمًا جَدِيدًا بِبِشَارَةِ الخَلَاصِ.
٤. وَسَيَكْتَمِلُ إِسْكَاتُولُوجِيًّا فِي المَجِيءِ الأَخِيرِ
حَيْثُ سَيَدْخُلُ المَلِكُ فِي المَجْدِ،لَا عَلَى جَحْشٍ،بَلْ عَلَى «حِصَانٍ أَبْيَضَ»،وَالكَنِيسَةُ كُلُّهَا تَهْتِف لَا بِهُتَافٍ سِيَاسِيٍّ بَلْ بِنَشِيدٍ أَبَدِيٍّ:«القُدُّوسُ، القُدُّوسُ، القُدُّوسُ».
سَابِعًا: مَنْطِقُ الهُوِيَّةِ الكَنِيسَةُ بِوَصْفِهَا اسْتِمْرَارَ الدُّخُولِ
فِي النِّهَايَةِ، تُصْبِحُ الكَنِيسَةُ:
١. المَدِينَةَ الَّتِي يَدْخُلُهَا المَسِيحُ دَائِمًا لَا تُبْنَى بِالحِجَارَةِ بَلْ بِالقُلُوبِ.
٢. الجَمَاعَةَ الَّتِي تَعِيشُ إِنْجِيلَ الشَّعَانِينِ يَوْمِيًّا هُتَافًا، وَصَمْتًا، وَصَلِيبًا، وَقِيَامَةً.
٣. الجَسَدَ الَّذِي يَحْمِلُ المَسِيحَ إِلَى العَالَمِ كَمَا حَمَلَ الجَحْشُ المَسِيحَ إِلَى أُورُشَلِيمَ،تَحْمِلُ الكَنِيسَةُ المَسِيحَ إِلَى الأُمَمِ.
٤. العَرُوسَ الَّتِي تَسْتَعِدُّ لِلدُّخُولِ الأَبَدِيِّ الحَاضِرُ يَتَهَيَّأُ لِلْمُسْتَقْبَلِ. بِهٰذَا تَتَحَوَّلُ الكَنِيسَةُ إِلَى امْتِدَادٍ لِلْحَدَثِ الفِصْحِيِّ.
أَنَّ الدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ حَدَثًا مَاضِيًا،
بَلْ مَنْطِقًا تَدْبِيرِيًّا يَعِيشُ فِي الكَنِيسَةِ وَالعَالَمِ وَالإِنْسَانِ.
الخاتمة
هُوَ انْقِلَابٌ فِي مَعْنَى المَلَكُوتِ،وَكَشْفٌ لِلْهُوِيَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ،وَتَدَرُّجٌ نَحْوَ الفِدَاءِ،وَصِرَاعٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،وَحَدَثٌ مُسْتَمِرٌّ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا،وَمَسَارٌ رُوحِيٌّ فِي القَلْبِ،وَنُبُوءَةٌ إِسْكَاتُولُوجِيَّةٌ لِلْمَجِيءِ الأَخِيرِ.وَبِهٰذَا، يُصْبِحُ الدُّخُولُ هُوَ المَدْخَلَ لِلْفِدَاءِ،وَالفِدَاءُ هُوَ مَدْخَلُ القِيَامَةِ،وَالقِيَامَةُ هِيَ مَدْخَلُ المَلَكُوتِ الأَبَدِيِّ.
فَالدُّخُولُ المَسِيحَانِيُّ إِلَى أُورُشَلِيمَ: مِنَ الرَّمْزِ التَّارِيخِيِّ إِلَى سِرِّ المَلَكُوتِ
فَالدُّخُولُ المَسِيحَانِيُّ إِلَى أُورُشَلِيمَ يُوصَفُ بِوَصْفِهِ حَدَثًا يَتَجَاوَزُ الزَّمَانَ وَالمَكَانَ، وَيُعِيدُ رَسْمَ مَعَالِمِ العَلَاقَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالإِنْسَانِ وَالعَالَمِ. لَمْ يَعُدِ لَحْظَةً عَابِرَةً فِي مَسَارِ الآلَامِ، وَلَا طَقْسًا شَعْبِيًّا مَحْدُودًا بِتَوَقُّعَاتِ الجَمَاهِيرِ، وَلَا حَدَثًا سِيَاسِيًّا مُتَصَادِفًا مَعَ ظَرْفٍ تَارِيخِيٍّ، بَلْ صَارَ سِرًّا يَسْتَمِرُّ فِي التَّارِيخِ وَالرُّوحِ، وَيَتَجَلَّى فِي الكَنِيسَةِ وَالإِنْسَانِ، وَيَنْفَتِحُ عَلَى الأَبَدِيَّةِ فِي انْتِظَارِ المَجِيءِ الأَخِيرِ.
إِنَّهُ حَدَثٌ تَتَقَاطَعُ فِيهِ الطَّبَقَاتُ الأَرْبَعُ: الطَّبَقَةُ التَّارِيخِيَّةُ، وَالطَّبَقَةُ الخَلَاصِيَّةُ، وَالطَّبَقَةُ الأَنْثْرُوبُولُوجِيَّةُ، وَالطَّبَقَةُ الإِسْكَاتُولُوجِيَّةُ، بِحَيْثُ يَغْدُو الدُّخُولُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِرْآةً مُضَاعَفَةً تَعْكِسُ هُوِيَّةَ المَسِيحِ، وَتَكْشِفُ عَجْزَ الإِنْسَانِ، وَتُعْلِنُ عُمْقَ الفِدَاءِ، وَتَسْتَشْرِفُ اكْتِمَالَ المَلَكُوتِ.
فِي هٰذِهِ الخَاتِمَةِ، نُحَاوِلُ أَنْ نَجْمَعَ خُيُوطَ المَسَارِ الطَّوِيلِ فِي رُؤْيَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، تُظْهِرُ أَنَّ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِلدُّخُولِ لَا يَكْمُنُ فِي الأَغْصَانِ وَلَا فِي الهُتَافِ، وَلَا حَتَّى فِي الطُّرُقَاتِ المَفْرُوشَةِ بِالثِّيَابِ، بَلْ يَكْمُنُ فِي التَّحَوُّلِ الجَوْهَرِيِّ الَّذِي أَحْدَثَهُ المَسِيحُ فِي بِنْيَةِ الخَلَاصِ: تَحْوِيلِ المَلُوكِيَّةِ إِلَى صَلِيبٍ، وَالِانْتِصَارِ إِلَى فِدَاءٍ، وَالهُتَافِ إِلَى صَمْتٍ، وَالجَمَاهِيرِ إِلَى كَنِيسَةٍ، وَالمَدِينَةِ إِلَى سِرٍّ.
أَوَّلًا: مَنْطِقُ التَّبْدِيلِ: قَلْبُ المُلُوكِيَّةِ وَإِعَادَةُ تَعْرِيفِ الخَلَاصِ
يَبْدَأُ السِّرُّ فِي تِلْكَ المُفَارَقَةِ الأُولَى: مَلِكٌ يَدْخُلُ مَدِينَةً لَا لِيَمْلِكَ، بَلْ لِيَمُوتَ. لَا يَعْتَلِي عَرْشًا، بَلْ يَرْتَفِعُ عَلَى خَشَبَةٍ. لَا يُتَوَّجُ بِتَاجٍ مِنْ ذَهَبٍ، بَلْ بِإِكْلِيلِ شَوْكٍ. هٰذَا التَّبْدِيلُ الجَذْرِيُّ يُعِيدُ صِيَاغَةَ مَفْهُومِ المُلُوكِيَّةِ مِنْ أَسَاسِهِ، وَيَنْقُلُ الخَلَاصَ مِنَ الأُفُقِ السِّيَاسِيِّ إِلَى الأُفُقِ الوُجُودِيِّ.
فَالجُمُوعُ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْهُ بِأَغْصَانِ النَّخْلِ كَانَتْ تَتَصَوَّرُ خَلَاصًا قَوْمِيًّا، سَرِيعًا، خَارِجِيًّا خَلَاصًا يُعِيدُ رَسْمَ المَشْهَدِ القَوْمِيِّ كَمَا أَرَادَتْهُ ذِهْنِيَّةُ «الهُوشَعْنَا الآن». لَكِنَّ يَسُوعَ قَدَّمَ خَلَاصًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: خَلَاصًا مِنَ الخَطِيئَةِ قَبْلَ الِاحْتِلَالِ، وَمِنَ العُبُودِيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَبْلَ العَدُوِّ الخَارِجِيِّ، وَمِنَ المَوْتِ قَبْلَ القَيْصَرِ.
هٰكَذَا يَفْشَلُ الرَّمْزُ الشَّعْبِيُّ فِي حَمْلِ المَعْنَى الإِلَهِيِّ، وَيَنْهَارُ الهُتَافُ الأَرْضِيُّ أَمَامَ صَمْتِ السَّمَاءِ، لِأَنَّ الخَلَاصَ الَّذِي تَحْمِلُهُ المَسِيحَانِيَّةُ الجَدِيدَةُ لَا يُقْرَأُ مِنْ زَاوِيَةِ الرَّغْبَةِ البَشَرِيَّةِ، بَلْ مِنْ زَاوِيَةِ حِكْمَةِ اللَّهِ.
وَفِي هٰذَا الِانْقِلَابِ، تُبْنَى القَاعِدَةُ الأَسَاسِيَّةُ لِفَهْمِ الفَصْلِ كُلِّهِ:
لَا مَلَكُوتَ بِلَا صَلِيبٍ، وَلَا خَلَاصَ بِلَا ذَبِيحَةٍ، وَلَا انْتِصَارَ بِلَا انْكِسَارٍ.
هٰذَا الحَدَثُ يَجْعَلُ الدُّخُولَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لَيْسَ بَدَايَةَ أُسْبُوعِ الآلَامِ فَحَسْبُ، بَلْ بَدَايَةَ إِعَادَةِ تَعْرِيفِ العَالَمِ. يُصْبِحُ الدُّخُولُ نُقْطَةَ الِانْعِطَافِ الَّتِي يَنْتَقِلُ عِنْدَهَا التَّارِيخُ مِنْ قِرَاءَةٍ بَشَرِيَّةٍ إِلَى قِرَاءَةٍ إِلَهِيَّةٍ.
ثَانِيًا: مَنْطِقُ الكَشْفِ: هُوِيَّةُ المَسِيحِ بَيْنَ الهُتَافِ وَالصَّمْتِ
إِذَا كَانَ الدُّخُولُ انْقِلَابًا فِي المَعْنَى، فَإِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ كَشْفٌ لِلْهُوِيَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ الَّتِي ظَلَّتْ كَامِنَةً خَلْفَ كَلِمَاتِ الرُّسُلِ وَأَعْمَالِ يَسُوعَ طِيلَةَ رِسَالَتِهِ العَلَنِيَّةِ.
لَقَدْ دَخَلَ يَسُوعُ المَدِينَةَ لَا لِيُؤَكِّدَ أُلُوهِيَّتَهُ عَبْرَ القُوَّةِ، بَلْ عَبْرَ المَسَارِ المُضَادِّ لِلْقُوَّةِ: الوَدَاعَةِ. رُكُوبُهُ الجَحْشَ يَرْفَعُ سِتَارًا عَنْ سِرَّيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ:
١. الوَدَاعَةُ جَوْهَرُ القُوَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ:
قُوَّةٌ لَا تُقَاسُ بِالسَّيْطَرَةِ بَلْ بِالحُبِّ، وَلَا تُظْهِرُ بِالمُوَاجَهَةِ بَلْ بِالتَّسْلِيمِ الحُرِّ.
٢. الصَّمْتُ لُغَةُ الحَقِيقَةِ:
فَالمَسِيحُ لَمْ يَشْرَحْ لِلْجُمُوعِ طَبِيعَةَ مَلَكُوتِهِ، وَلَمْ يُصَحِّحْ قِرَاءَاتِهِمْ، لِأَنَّهُ أَرَادَ لِلصَّلِيبِ أَنْ يَكُونَ هُوَ التَّفْسِيرَ الأَخِيرَ: التَّرْجَمَةَ الكَامِلَةَ لِلْهُوِيَّةِ المَسِيحَانِيَّةِ.
يُظْهِرُ الحَدَثُ إِذًا أَنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ احْتِفَالًا بِالهُوِيَّةِ، بَلْ كَشْفًا لَهَا مِنْ خِلَالِ المُفَارَقَةِ: مَلِكٌ يُسْتَقْبَلُ كَمُنْتَصِرٍ وَلَكِنَّهُ يَسِيرُ نَحْوَ الفَشَلِ الظَّاهِرِيِّ**. لَكِنَّ هٰذَا «الفَشَلَ» هُوَ طَرِيقُ القِيَامَةِ.
فَالدُّخُولُ يُقَدِّمُ الهُوِيَّةَ المَسِيحِيَّةَ فِي طَبِيعَتِهَا المُتَنَاقِضَةِ:
قُوَّةٌ فِي الوَدَاعَةِ، سِيَادَةٌ فِي الخِدْمَةِ، سُلْطَانٌ فِي الصَّلِيب
ثَالِثًا: مَنْطِقُ الِامْتِدَادِ: مِنْ سُقُوطِ الجَمَاهِيرِ إِلَى وِلَادَةِ الكَنِيسَةِ
فَشَلُ الجُمُوعِ فِي فَهْمِ المَسِيحِ، وَسُقُوطُ الهُتَافِ، وَغِيَابُ الوَلَاءِ الشَّعْبِيِّ، لَيْسَتْ نِهَايَةَ الرِّوَايَةِ بَلْ بَدَايَتَهَا. فَالخُرُوجُ التَّدْرِيجِيُّ لِلشَّعْبِ مِنَ المَشْهَدِ يَفْتَحُ البَابَ لِبُرُوزِ جَمَاعَةٍ مِنْ نَوْعٍ آخَر جَمَاعَةِ العَهْدِ الجَدِيدِ، الكَنِيسَةِ، الَّتِي لَا تَتَأَسَّسُ عَلَى الِانْفِعَالِ وَلَا عَلَى الأَغْصَانِ، بَلْ عَلَى الخَشَبَةِ وَعَلَى القِيَامَةِ.
أَنَّ انْهِيَارَ الجَمَاهِيرِ سَمَحَ بِوِلَادَةِ «الجَمَاعَةِ الرُّوحِيَّةِ» الَّتِي أَعَادَتْ قِرَاءَةَ الدُّخُولِ، لَا كَحَدَثٍ سِيَاسِيٍّ بَلْ كَسِرٍّ فِصْحِيٍّ. فَالَّذِينَ رَأَوْا فِي يَسُوعَ مَلِكًا قَوْمِيًّا، ابْتَعَدُوا. وَالَّذِينَ رَأَوْا فِيهِ مَلَكُوتًا فِصْحِيًّا، بَقُوا وَانْتَظَرُوا القِيَامَةَ.
وَهُنَا تَتَّخِذُ القِرَاءَةُ طَابِعًا كَنَسِيًّا رِسَالِيًّا: الكَنِيسَةُ هِيَ الِامْتِدَادُ الحَيُّ لِلدُّخُولِ المَسِيحَانِيِّ.فَهِيَ المَدِينَةُ الَّتِي يَدْخُلُهَا المَسِيحُ بِلَا تَوَقُّفٍ، وَهِيَ الجَسَدُ الَّذِي يَحْمِلُهُ إِلَى العَالَمِ، وَهِيَ الشَّعْبُ الَّذِي يُرَافِقُهُ بِالصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ الَّتِي تَرْفَعُ «هُوشَعْنَا» لَا كَصَرْخَةٍ سِيَاسِيَّةٍ بَلْ كَصَلَاةٍ فِصْحِيَّةٍ:
«خَلِّصْنَا الآن، وَلَكِنْ بِخَلَاصِكَ أَنْتَ، لَا بِخَلَاصِنَا نَحْنُ».
رَابِعًا: مَنْطِقُ التَّقْدِيسِ: الشَّعَانِينُ كَمَسَارٍ دَاخِلِيٍّ فِي الإِنْسَانِ
يَتَحَوَّلُ الدُّخُولُ، فِي التَّفْسِيرِ الرُّوحِيِّ، إِلَى حَرَكَةٍ دَاخِلِيَّةٍ تُعِيدُ تَشْكِيلَ بِنْيَةِ النَّفْسِ.
فَالإِنْسَانُ،هُوَ «أُورُشَلِيمُ الدَّاخِلِيَّةُ» الَّتِي يَدْخُلُهَا المَسِيحُ اليَوْمَ كَمَا دَخَلَ المَدِينَةَ القَدِيمَةَ. وَمَا الأَغْصَانُ إِلَّا الفَضَائِلُ، وَمَا الهُتَافُ إِلَّا فَرَحُ الرُّوحِ، وَمَا الجَحْشُ إِلَّا النَّفْسُ المُتَوَاضِعَةُ الَّتِي تَحْمِلُ حُضُورَ اللَّهِ، وَمَا الطَّرِيقُ إِلَّا الحَيَاةُ الرُّوحِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُهَيَّأَ، وَمَا الصَّلِيبُ إِلَّا التَّحَوُّلُ العَمِيقُ الَّذِي يَسْبِقُ القِيَامَةَ الدَّاخِلِيَّةَ.
فِي هٰذَا البُعْدِ، يُصْبِحُ الدُّخُولُ حَدَثًا رُوحِيًّا مُتَجَدِّدًا:
- يَدْخُلُ المَسِيحُ القَلْبَ فِي الإِفْخَارِسْتِيَّا،وَيَطْرُدُ مِنْهُ البَاعَةَ فِي التَّوْبَةِ،وَيَجْلِسُ فِيهِ مَلِكًا فِي الصَّلَاةِ،وَيَقُودُهُ إِلَى الصَّلِيبِ فِي الجِهَادِ الرُّوحِيِّ،وَيَرْفَعُهُ إِلَى القِيَامَةِ فِي التَّحَوُّلِ الدَّاخِلِيِّ.
إِنَّهُ مَسَارٌ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حَدَثًا انْتَهَى، بَلْ حَدَثًا يَنْتَشِرُ فِي الزَّمَنِ وَفِي البَشَرِ.
هكَذَا تَتَّحِدُ القِرَاءَةُ الرُّوحِيَّةُ بِالقِرَاءَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، وَيَغْدُو الشَّعَانِينُ لَيْسَ فَقَطْ بَوَّابَةَ أُسْبُوعِ الآلَامِ، بَلْ بَوَّابَةَ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ بِكُلِّهَا.
خَامِسًا: مَنْطِقُ الإِسْكَاتُولُوجِيَّا: الدُّخُولُ المَفْتُوحُ عَلَى المَجِيءِ الأَخِيرِ
الحَدَثُ التَّارِيخِيُّ الَّذِي وَقَعَ قَبْلَ أَلْفَيْ عَامٍ يَجِدُ اكْتِمَالَهُ فِي المَجِيءِ الثَّانِي. فَالمَسِيحُ الَّذِي دَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى جَحْشٍ وَدِيعٍ فِي الدُّخُولِ الأَوَّلِ، سَيَأْتِي عَلَى «حِصَانٍ أَبْيَضَ» فِي الدُّخُولِ الأَخِيرِ. وَالجُمُوعُ الَّتِي هَتَفَتْ لَهُ فِي المَاضِي، سَتَتَحَوَّلُ إِلَى «الأُمَمِ كُلِّهَا» الوَاقِفَةِ أَمَامَ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي الدَّيْنُونَةِ. وَيَتَحَوَّلُ الهُتَافُ مِنْ «هُوشَعْنَا» إِلَى «مَارَانَا آثَا». وَتَتَحَوَّلُ الأَغْصَانُ مِنْ رُمُوزِ التَّحْرِيرِ القَوْمِيِّ إِلَى سَعَفِ النَّخْلِ فِي رُؤْيَا يُوحَنَّا أَمَامَ عَرْشِ الحَمَلِ. هكَذَا يُصْبِحُ الدُّخُولُ أَرْضًا إِسْكَاتُولُوجِيَّةً:حَدَثًا يَبْدَأُ فِي المَاضِي، وَيَعِيشُ فِي الحَاضِرِ، وَيَكْتَمِلُ فِي المُسْتَقْبَلِ.
سادسًا: منطق الرسالة الكنيسة مدعوّة أن تحمل الدخول إلى العالم
إذا كان الدخول سرًّا مستمرّ فالكنيسة مدعوّة أن تكون:
1. شاهدة للحقيقة
تقول للعالم إنّ الملكوت ليس مشروعًا سياسيًا بل مسارًا فصحيًا يبدأ من الصليب،
2. مبشِّرة بالرجاء
ترفع الكنيسة صرخة «هوشعنا» بمعنى جديد:«خلِّص العالم بخلاصك»
3. حاملة لرسالة السلام
فالمسيح الذي دخل مدينةً تمزّقها التوقّعات يدخل اليوم عالمًا تمزّقه الصراعات
4. عاملة لأجل قداسة الإنسان
لأن الدخول عندما يصبح كل قلبٍ أورشليم جديدة،إن رسالة الكنيسة هنا ليست تكرارًا للحدث،بل تحقيقًا له
إنّ الدخول المسيحاني إلى أورشليم هو أحدُ أعمقِ أسرارِ الإنجيل، لأنّه يلتقي فيه أربعةُ خطوطٍ كبرى: التاريخ، والخلاص، والروح، والأبدية.
فالحدث يبدأ على الطريق، لكنّه يكتمل على الصليب؛
- يبدأ بالهتاف، وينضج في الصمت؛
- يبدأ بالأغصان، وينكشف على الخشبة؛
- يبدأ بجموعٍ متحمّسة، وينتهي بولادة كنيسة؛
- يبدأ في مدينةٍ أرضيّة، وينفتح على المدينة السماويّة. إنّه حركةٌ متواصلة من الخارج إلى الداخل،
- ومن الأرض إلى السماء،
- ومن التاريخ إلى الملكوت.
هكذا نقول في النهاية
- في الدخول، اتّسعت المدينة لتحتضن المصلوب؛
- وفي الصليب، اتّسعت الأرض لتحتضن القيامة؛
- وفي القيامة، اتّسعت البشريّة لتحتضن الملكوت. وبهذا نرى أنّ الدخول ليس مجرّد حدثٍ ، بل منطق حياة؛
- ليس محطةً في الإنجيل، بل إيقاع سرّ الخلاص؛
- ليس لحظةً في التاريخ، بلأفق الأبدية.
Gray N Knoppers”Ancient Israel Royal Ideology and the Deuterronomic law of the king” Eisenbraunus 2001
Marvin A Sweeney I and I KINGS: A Commentary (old testament librairy )Westminster John Knox press 2007
Richard D Nelson First and second Kings (interpretation commentary)John Knox press 1987
Andrew Knapp the conflict between Adonijah and Solomon in light of succession practices Near and far Journal of Hebrew scriptures vol 20 Article 2 journal of Hebrew scriptures 2020
اندراوس فتحي عزيز “النبي ناتان بين النبؤة والسلطة في تاريخ اسرائيل المبّر دار الثقافةى القاهرة 2017يبرز هذا الكتاب الدور الفريد للنبي ناتان باعتباره المفسر اللاهوتي للعهد الداوودي ويحلّل كحيف تحوّل من نبي مواجهة في أزمة اوريا (2 صم 12) الى ضابط شرعية الملك في رواية صعود سليمان (1م 1-2) يكشف الكاتب أن ناتان لم يكن مستشارًا سياسيًّا بل حارسًا للعهد الذي يضمن ان تبقى الملوكية منسجمة مع الإرادة الإلهية ويرى انَّ تدخل ناتان ضد مؤامرة ادونيا يمثل “اعادة تثبيت لاهوت العهد” في وجه انقلاب يهدد هوية اسرائيل الدينية والسياسية.
Richard Bauckham the biblical tradition of Kingship and the Messiamic Fulfillment in Jesus Cambridge university press 1993
Dominique Briquel les Rois d’Israel Saul ,David, Salomon, les Belles lettres, collection Reabia 2025
Isaac Kalimi the coronation of Solomon” Cambrige university press 2018 pp 237- 258
Etienne charpentier pour lire l’ancien testament (chapitre sur les rois d’Israel) les Editions du cerf, 1997
Andrew Knapp, “ the conflict between Adonijah and Salomon in light of succession practices Near and Far” Journal of Hebrew scriptures Vol 20,2020
N.T. Wright “Jesus and the Victory of God” Fortress press 1996
Brant pitre “ the Jewish Roots of palm Saunday” the sacred page 2010 (مقال الكتروني)
Peter J. Leithart 1 and 2 Kings “theological commentary on the Bible) Brazos press 2006
R.T.Fance “the Gospel of Mathew NICNT COMMENTARY Eerdmans 2007)
Richard A. Horsley Jesus and the powers : conflict covenant and the hope of the New Jerusalem” Fortress press 2011
Patrick Fairbain” the typology of scripture” Zondervan publishing House 1952
N.T.Wright Jesus and the victory of god” Fortress press 1996
19Joseph Mangina “Autirity and the Christ- Form: theology of power as love wm B Eerdmans
Sarah Harris the Davidic Shepered King in the Lukan Narrative library of thre New testament studies 558, bloomsbury tand clark 2016
John J Collins “the Apocalyptic imagination An introduction to Jewish Apocalyptic Literature” Eerdmans 1998
Richard A HORSLEY “Jesus and the powers: conflict ,covernant, and the Hope of the poor Fortress press 2011
Richard Bauckham Gospel of glory Major themes in Johannine theology Baker Academic , 2015
Graig A Evans the triumph of the King Messianic symbolism in the Entry into Jerusalem, Hendrickson publishers 1999
.
المخيال : العقل الباطن الجماعي الذي ينتج الاساطير والرموز واشكال التعبير التي تعبر عن هوية الجماعة وذاكرتها العميقة
[1] Bruce K waltke and James Houston the psaslm as Christian worship Eerdmans 2010
الاب فاضل سيداروس اليسوعي تفسير انجيل يوحنا دار المشرق بيروت 2002 يربط الكاتب الهتاف السياسي الشعبي مسار التدبير الفصحي موضحًا كيف ادرك يوحنا ان الجموع تطلب ملكًا ارضيًا فيما يسوع يكشف ملكوته عبر الصليب يفكك الرمز السياسي ليظهر عمقه الخلاصي
Xavier léon- Dufour “La Naissance de l’Eglise dans le nouveau testament” Editions su Seril ,Paris, 1986
Jean Damieilou “Le Christ de la foi et l’Eglise des Apôtres” Desclée de Bouwer paris 1995
Richard Bauckham “ the theology of the Book of Revelation” Cambrige university press 1993
Raymond E Brown, The Death of the Messiah yale university press 1994
Nicholas Thomas wright Jesus and the victory of God, Fortrss press 1996
ORIGEN OF Alexandria Homilies on Luc Homily 39 sources chrétiennes Editions du cerf : 1962
Gregory of Nyssa Homilies on the song of songs paulist press 1978
Augustine of Hippo city of God, cabridge university press 1998
Cyril of Alexandria commentary of the Gospel of John oxford university press (patrologia Graeca 73) 1874
John Chrysostom Homilies on Mattew Homily 66 Nicene and post – Nicene Fathers 1888
Scott Halm “the fourth cup” Image Book , 2018
Raymond E Brown the Death of the Messiah yale university press 1994
[1] Gray N Knoppers”Ancient Israel Royal Ideology and the Deuterronomic law of the king” Eisenbraunus 2001
يشرح الكاتب المتخصص بتاريخ اسرائيل القديمة ان شريعة الملك في (تثنية 17:16) تلزم ملك اسرائيل الاَّ يكثر الخيل لأن الخيل ترمز الى القوة العسكرية والامبراطورية في الحضارات المحيطة مثل مصر وآشور والغاية اللاهوتي ة هي ان لا يتأسس ملك اسرائيل على القوة العسكرية البشرية بل على العهد والتوكل على الرب.
[2] Marvin A Sweeney I and I KINGS: A Commentary (old testament librairy )Westminster John Knox press 2007
7 مل 1 مشهد بوصفه “نص خلافة” تحسم فيه السلطة عبر تحالف ناتان النبي وصادوق الكاهن والحرس. يشرح لماذا كان “بغل داود” علامة سياسية طقسية تعلن الملك دون سلاح. هذا ويفتح مقارنة منهجية مع دخول يسوع كفعل رمزي ملكي يعلن ملكا بسلام لا بؤس حرب
[3] Richard D Nelson First and second Kings (interpretation commentary)John Knox press 1987
يحلل نلسون المركبات والفرسان كبناء رمزي مبكر للهوية الملكيّة ويشير الى رغبة ادونيا في فرض نفسه ويؤكد انَّ استبعاد ناتان وبنيّأ وسليمان هو محاولة لتجاوز البنية الشرعية للملكية في اسرائيل ويرى انَّ النص يُظهر انَّ السلطة الحقيقية لا تقدوم على القوة بل على الإختيار الإلهي.
[4] Andrew Knapp the conflict between Adonijah and Solomon in light of succession practices Near and far Journal of Hebrew scriptures vol 20 Article 2 journal of Hebrew scriptures 2020
يدرس كتاب الخلافة بين ادونيا وسليمان كحالة نموذدجية لسجال لاهوتي سياسي حول شرعية الملك فيقرأ (1 حل 1-2) على ضوء ممارسات الخلافة في الممالك القديمة بيَّن كيف انَّ حركة ادونيا ليست مجرَّد طموح شخصي بل محاولة “انقلاب ملكي” يستند الى منطق البكرية والتحالفات (يوآب، ابياثار) في مواجهة رواية الإختبار الإلهي لسيلمان. يكشف المرجع كيف تعرِّي السرديةى المؤامرة الملكية وتضعها مقابل مفهوم الملوكية الموعودة في عهد داود
[5] اندراوس فتحي عزيز “النبي ناتان بين النبؤة والسلطة في تاريخ اسرائيل المبّر دار الثقافةى القاهرة 2017يبرز هذا الكتاب الدور الفريد للنبي ناتان باعتباره المفسر اللاهوتي للعهد الداوودي ويحلّل كحيف تحوّل من نبي مواجهة في أزمة اوريا (2 صم 12) الى ضابط شرعية الملك في رواية صعود سليمان (1م 1-2) يكشف الكاتب أن ناتان لم يكن مستشارًا سياسيًّا بل حارسًا للعهد الذي يضمن ان تبقى الملوكية منسجمة مع الإرادة الإلهية ويرى انَّ تدخل ناتان ضد مؤامرة ادونيا يمثل “اعادة تثبيت لاهوت العهد” في وجه انقلاب يهدد هوية اسرائيل الدينية والسياسية.
[6] Richard Bauckham the biblical tradition of Kingship and the Messiamic Fulfillment in Jesus Cambridge university press 1993
يشرح الكاتب كيف ان دخول سليمان على بغل داود كان علامة على انتقال شرعية السلطة داخل العهد الداودي ويرى ان الاناجيل تستعيد هذا النموذج بشكل مقصود في دخول المسيح على جحش ابن اتان يوضح ان يسوع لا يعيد سيناريو سليمان حرفيًا بل يفك رموزه ليقدم ملوكية روحانية لا تعتمد على القوى السياسية. يضع المرجع الحدثين اطار “الملوكية المتحولة” من الزمن الى الخلاص
[7] Dominique Briquel les Rois d’Israel Saul ,David, Salomon, les Belles lettres, collection Reabia 2025
يحلل الكاتب صعود سليمان الى العرش، ليس كمجرد حدث تاريخي بل كجزء من بنية ملوكية قديمة تعبر عن انتهاج ملكية مركزية معترف بها داخليًا “. دخول سليمان على بغل داود يعاد تفسيره كطقس شرعي لإعلان السلطة الملكية. كما يضع هذا التتويج في سياق دلالة رمزية وننظام مركزي يتمحور حول ارث داود ومشروع توحيد المملكة الكتاب يسمح بفهم كيف صيغ دخول الملك ليس فقط كقرار سياسي بل كرمز اعلان هوية ملكية ما يجعله مرجعًا ممتازًا لمقارنة مع دخول المسيح اورشليم على جحش ابن اتان .
[8] Isaac Kalimi the coronation of Solomon” Cambrige university press 2018 pp 237- 258
يتناول الكتاب مراسم تتويج سليمان كطقس مؤسس لشرعية ملكية داودية تتزاوج فيها البعد الديني بالبعد السياسي بغلة داود نبع جيحون المسحة الكهنوتية ضرب البوق المسح بالزيا طقوس رسمية لإعلان انتقال العرش وان هذه الرموز لم تكن عبثًا بل ادوات تأكيد على انَّ الملك جاء بتأييد إلهي لا بمؤامرة بشرية.
[9] Etienne charpentier pour lire l’ancien testament (chapitre sur les rois d’Israel) les Editions du cerf, 1997
يشرح الكاتب خلفية ركوب سليمان على بغل داود كعلامة بروتوكولية واضحة على نقل السلطان الشرعي من الأب الى الإبن يبين ان البغل بخلاف الحصان المرتبط بالحرب يمثل نموذج ملوكية “مدنية” اكثر منها امبراطورية عسكرية ما ينسجم مع صورة سليمان كملك سلام.
[10] Andrew Knapp, “ the conflict between Adonijah and Salomon in light of succession practices Near and Far” Journal of Hebrew scriptures Vol 20,2020
تحليل مقارن يظهر ان صراع سليمان وادونيا لا يفهم فقط كحدث سياسي بل كاختبار لنمط الخلافة الشرعية في الشرق القديم يبرهن ان شرعية سليمان تستند الى العهد الإلهي والوصية الملكيى بينما شرعية 20 ادونيا كانت مصنوعة وقائمة على الانقلاب دون اعتراف نبي او ملك او كاهن
[11] N.T. Wright “Jesus and the Victory of God” Fortress press 1996
يرى الكاتب ان دخول يسوع الى اورشليم هو إعلان ملكوتي معاد تأسيسه يكمل وعود الله لبيت داود ولكن بصيغة جديدة لا تقوم على القوة بل على الصليب يشرح ان ييسوع يدخل كملك النبؤة (زكريا 9:9) محققًا العهد القديم بطريقة تحوّل مفهوم الملوكية الى خدمة وفداء يُعتبر الح
ث بمثابة تنصيب ملكي رمزي يفتتح عمل الخلاص
[12] Brant pitre “ the Jewish Roots of palm Saunday” the sacred page 2010 (مقال الكتروني)
يربط الكاتب مباشرة بين دخول سليمان على بغل داود من جيحون قبل جلوسه على العرش (1 مل 33- 40) وبينىدخول المسيح على جحش الى اورشليم يبين ان يسوع يتعمّد اعادة مشهد سليمان ليعلن نفسه الملك المسيا ابن داود ولكن في ضوء بنوة زكريا التي تتكلم عن ملك يقيم السلام بدم العهد هكذا ينتقل الرمز من مملكة ارضية مبنية على الحكمة الى مملكة الصليب التي تحقق تحرير الأسرى بدم العهد الجديد.
[13] Peter J. Leithart 1 and 2 Kings “theological commentary on the Bible) Brazos press 2006
يربط الكاتب بين تنصيب سليمان على بغل داود عند جيحون وبين دخول يسوع الى اورشليم على جحش يشرح ان الطقس الداودي (موكب، دابة ملك، هتاف، دخول الى المدينة) يقدم نموذجًا ملكيا يعود يسوع في الاناجيل فيستعيده ويحوِّله يرى ان المسيح يدخل كابن داود الحقيقي لكن مملكته تتحقق لا على عرش ارضي بل على عرش الصليب.
[14] قراءة متراكبة هي نصوص سابقة تستعيدها او توسعها او تعيد كتابتها بحيث تكون بمعنى جديد من خلال هذا التداخل فدخول المسيح الى اورشليم يتراكب على رواية تنصيب سليمان اي يستعيد البنية ويحوّل معناها
[15] R.T.Fance “the Gospel of Mathew NICNT COMMENTARY Eerdmans 2007)
يظهر الكاتب ان متى قدم دخول يسوع على جحش كإعادة رمزية لطقس ملكي لكنه يبرز الفارق :
سليمان رفع الى الحكم يسوع رفع الى الصليب المشهدان متشابهان في الشكل لكن نتيجتهما مختلفة جذريًا مملكة ارضية مقابل ملكوت السماوات
[16] Richard A. Horsley Jesus and the powers : conflict covenant and the hope of the New Jerusalem” Fortress press 2011
يشرح الكاتب كيف كانت اورشليم في العهد القديم مركزًا للسلطة السياسية والدينية خصوصًا في عهد سليمان حيث تجسد المركز الملكي السياسي للعهد، ثم يبين ان يسوع في العهد الجديد يفكك هذا النموذج ويحول اورشليم من “عرش الملك ارضي” الى مركز خلاص عالمي. حيث يصبح الصليب نفسه نقطة اعادة تكوين المدينة يعتبر ان انتقال اورشليم من هيكل سياسي الى اورشليم جديدة هو جوهر التحول من الملكية الأرضية الى ملكوت الله
[17] Patrick Fairbain” the typology of scripture” Zondervan publishing House 1952
يتناول هذا المرجع الاسس العميقة typology اي الرموز والنماذج التي يقدمها العهد القديم بوصفها اشارات استباقية الى المسيح وملكوت الله يشرح الكاتب كيف تعمل الشخصيات مثل سليمان والمؤسسات كالهيكل والأحداث النبوية كبنى رمزية تعاد قراءتها في ضوء تجسد المسيح وتمام ملكوته. يقدم الكتاب منهجًا “لاهوتيا”| متكاملا يساعد على فهم العلاقة بينت النبؤة والرمز من جهة والتحقيق المسيماني من جهة اخرى وهو ما يجعل الربط بين سليمان والمسيح فمكننلا وذا بعد لاهوتي عميق.
[18] N.T.Wright Jesus and the victory of god” Fortress press 1996
يحلل الكاتب دخول يسوع المسيح الى اورشليم كحدث يقلب مفهوم السلطة رأسًا على عقب حيث يظهر ييسوع “الملكوت بوصفه سلطانًا” غير عنيف ومضادًا لأنماط الملكية البشرية يعالج الكاتب كيف ان ييوع يحقق نبؤة زكريا 9/) عبر نموذج ملكوت مضاد لا يشبه ملك سليمان ولا ملوك اسرائيل كتاب اساسي لفهم الإنقلاب اللاهوتي في منطق القوة.
19Joseph Mangina “Autirity and the Christ- Form: theology of power as love wm B Eerdmans
يرسم الكاتب صورة لسلطة المسيح باعتبارها قوة محبة تشكل العالم عبر الدعوة لا الإكراه بيبن ان يسوع يمارس السلطة من خلال جذب الإنسان الى الحرية لاعن طريق اخضاعه ويرى انَّ الصليب هو الشكل النهائي للسلطة المتحولة الى غفران وشفاء لا الى عنف وقهر.
[20] Sarah Harris the Davidic Shepered King in the Lukan Narrative library of thre New testament studies 558, bloomsbury tand clark 2016
تدرس هاريس كيف يبني لوقا صورة يسوع “كالراعي الملك الداودي” ثم يتجاوز هذه الشرعية التاريخية نحو ملكوت يتخطى حدود اسرائيل تُظهر ان دخول يسوع الى اورشليم هو ذروة لمسار تنتقل فيه رمزية داود من ملك قومي الى راع مسيحاني سيد على جماعة بشرية كونية شمولية في اطار خلاص كوني لا سياسي فقط
[21] John J Collins “the Apocalyptic imagination An introduction to Jewish Apocalyptic Literature” Eerdmans 1998
يقدم الكاتب القراءة المرجعية لدانيال 7″ وابن الانسان” بوصفه شخصية سماوية خلاصية مقابل الممالك القومية الأرضية ويظهر كيف تحول اللقب من صورة قومية مرتبطة باسرائيل الى مركز ملكوتي كوني في الأدب الجلياني مّما مهَّد نفهم يسوع الخلاصي.
[22] Richard A HORSLEY “Jesus and the powers: conflict ,covernant, and the Hope of the poor Fortress press 2011
يرى هو رسلي إن دخول يسوع الى اورشليم يشكل “دراما رمزية” تواجه مسرح الملوكية الرومانية والداودية يكشف كيف يظهر يسوع خارجيًا كملك بسيط على جحش لكن الداخل يحمل سرًا خلاصيًا يقلب البنية السياسية والإجتماعية فيتحول الحدث من استعراض ملكي الى اعلان خلاص
[23] Richard Bauckham Gospel of glory Major themes in Johannine theology Baker Academic , 2015
يعالج الكاتب البنية الدرامية للمدينة المقدسة بوصفها مسرح الذروة الخلاصية، حيث تتحول هيكيلية الملك القديم المتجسدة في شرعية داود وسليمان الى هيكلية خلاصية تتجلى في دخول المسيح المتواضع كملك طالب ذاته. يرى ان دخول المسيح على جحش يفتح باب الإنتقال من مفهوم “الاستقرار الملكي” الى كشف التمزق الداخلي لاوراشليم واستدعائها الى ملكوت جديد غير قائم على العرش بل على الصليب.
[24] Graig A Evans the triumph of the King Messianic symbolism in the Entry into Jerusalem, Hendrickson publishers 1999
يعالج الكتاب كيف اعاد يسوع تفسير الرموز الطقسية المرتبطة بملكوت داود محولاً دخول اورشليم من فعل سياسي الى اعلان خلاصي يبرز التوتر بين طقوس الانتصار اليهودية وبين هوية الملك الوديع الذي يدخل ليقدم ذاته ذبيحة ويحلل الخلفيات النصيَّة لزكريا 9/9 ومزمور 118 في صياغة الدراما المسيحانية.
[25] المخيال : العقل الباطن الجماعي الذي ينتج الاساطير والرموز واشكال التعبير التي تعبر عن هوية الجماعة وذاكرتها العميقة
[26] Bruce K waltke and James Houston the psaslm as Christian worship Eerdmans 2010
يشرح الكتاب اصل كلمة هوشعنا في مزمور 118، وعلاقتها بطقوس الرجاء بالخلاص ويظهر تطور الهتاف من طليب النجدة الى غعلان استباقي بملكوت المسيح ويبرز كيف يوظّف العهد الجديد هذا الهتاف في اطار لاهوتي مسيحاني
[27] نبدكتس السادس عشر يسوع الناصري من هو وما هي رسالته (الجزء الثاني) دار المشرق بيروت 2011
يتناول الكتاب دخول يسوع الى اورشليم وصدامه مع المخيال المسيحاني الشعبي مبررًا كيف خاب اول الجماهير حين اكتشفوا ان ملكوته ليس سياسيا بل خلاصيا يشرح بدقة انتقال الجماهير حين اكتشفوا ان ملكوته ليس سياسيا “بل خلاصيا” يشرح بدقة انتقال الجماهير من الحماس الى الرفض ويربط التحول بين ” هو شعنا” و”اصلبه” بانهيار توقعاتهم الأرضية عن المسيح
[28] الاب فاضل سيداروس اليسوعي تفسير انجيل يوحنا دار المشرق بيروت 2002 يربط الكاتب الهتاف السياسي الشعبي مسار التدبير الفصحي موضحًا كيف ادرك يوحنا ان الجموع تطلب ملكًا ارضيًا فيما يسوع يكشف ملكوته عبر الصليب يفكك الرمز السياسي ليظهر عمقه الخلاصي ويشرح كيف يمر كل مجد عبر ساعة “الارتفاع”
[29] المطران جورج خضر ليتورجيا اسبوع الآلام منشورات النور بيروت 1994 يعيد المطران جورج خضر تفسير الشعانين كمدخل درامي الى الفداء ويشرح كيف ترسم الكنيسة مسار يسوع من مجد الهتاف الى مجد الصليب . يبرز التحول من ملكوت ارضي الى ملكوت يتجلى عبر موت المحبة ويرى في الليتورجيا اعادة بناء رمزية للهتاف على ضوؤ سر الفصح
[30] Xavier léon- Dufour “La Naissance de l’Eglise dans le nouveau testament” Editions su Seril ,Paris, 1986
D]vs hg;hjf ;dt jj;,k hg;kdsm lk oghg hk;shv hghkj/hvhj hglsdphkdm hgr]dlm ohwm jt;; hgijht hgsdhsd ggauhkdk davp hk hg;kdsm jkfu lk p]e hgtwp pde dogr hgv,p [lhum []d]m lk k,v hgwgdf ,dvn hk hg[lhum hgh,gn gl j,g] lk r,m [lhivdm fg lk [vp hglpf~Qm>
[31] Jean Damieilou “Le Christ de la foi et l’Eglise des Apôtres” Desclée de Bouwer paris 1995
يربط دانيالوبين انهيار الهتاف الشعبوي وبين تكوين الكنيسة كمجسد روحي لا يعتمد على الشرعية القومية يرى ان الصليب هو نقطة التحول التي ينتقل فيها المسيح من ملك منتظر الى ر؟أس جماعة جديدة ويشرح ان الكنيسة تولد يوم ينفصل الإيمان عن الإنتظار السياسي
[32] Richard Bauckham “ the theology of the Book of Revelation” Cambrige university press 1993
رغم انه يدرس الرؤيا الا ان الكاتب يربط بين دخول يسوع الملكي وايقونة الحمل في نهاية الأزمنة مبررًا ان الدخول الى اورشليم هو بداية التجلي العلني للملكوت الاسكاتولوجي الذي يكتمل في زمن الحمل المنتصر
[33] Raymond E Brown, The Death of the Messiah yale university press 1994
يحلل براون الدخول الى اورشليم ضمن البنية الدرامية لآلام المسيح، حيث تتحول المدينة الى مرآة للصراع الداخلي للإنسان بين قبول الخلاص ورفضه يبرز البعد الانتروبولوجي في انكشاف القلب البشري امام حضور الملك المتألم
Nicholas Thomas wright Jesus and the victory of God, Fortrss press 1996
يرى الكاتب ان الدخول المسيحاني فعل نبوي موجَّه الى “اسرائيل الداخلية”. اورشليم تمثل هوية الإنسان الجماعية والدخول هو دعوة لتحوُّل داخلي في فهم السلطة والرجاء والملكوت
[34] ORIGEN OF Alexandria Homilies on Luc Homily 39 sources chrétiennes Editions du cerf : 1962
[35] Gregory of Nyssa Homilies on the song of songs paulist press 1978
[36] Augustine of Hippo city of God, cabridge university press 1998
[37] Cyril of Alexandria commentary of the Gospel of John oxford university press (patrologia Graeca 73) 1874
[38] John Chrysostom Homilies on Mattew Homily 66 Nicene and post – Nicene Fathers 1888
[39] Scott Halm “the fourth cup” Image Book , 2018
يقدم الكاتب قراءة فصحية تكاملية ترى في الدخول الى اورشليم بداية الليتورجيا الفصحية الكبرى التي لا تكتمل الا على الصليب الشعانين هو افتتاح الكأس لا نهايته ومنطقه مرتبط باتمام العهد لا بالهتاف
[40] Raymond E Brown the Death of the Messiah yale university press 1994
يحلل الكاتب التناقض بين صخب الجماهير وصمنت يسوع كجزء من البنية الدرامية للآلام الصمت ليس ضعفًا بل اختيارًا خلاصيًا ، يكشف زين الهتاف غير المتجذر في الإيمان ويحول الكلام الشعبي الى دينونة ذاتية