Almanara Magazine

التأثيرات المسرحيّة على قِصَّةُ يوسفَ وإخوتِه في العهد القديم

التأثيرات المسرحيّة على قِصَّةُ يوسفَ وإخوتِه في العهد القديم

الأب فادي تابت م.ل.

قِصَّةُ يوسفَ وإخوتِه ( تكوين 37/ 1- 36) [1]

  1. العناصرُ المسرحِيَّةُ في النَّص

إنَّ قِصَّةَ يوسُفَ واخوتهِ في سِفْرِ التكوينِ تُعْتبَرُ واحِدَةً من أروعِ القِصَصِ الدراميَّةِ في الكتاب ِالمُقَدَّسِ، تحتوي هذه القِصَّةُ على عناصِرَ مسرحِيَّةٍ واضِحَةٍ بدءًا بتشابُكِ الحَبكَة، تطوُّرِ الشخصياتِ، الصراعِ، التحوّلاتِ المفاجِئَة، واللحظاتِ وصولاً إلى العاطفيّةِ.

تَتَّسِمُ الحَبْكَةُ في هذا النصِّ بالتعقيدِ والتشويقِ، وهي تَتَضَمَّنُ سلْسِلَةً منَ الأحداثِ المُترابطةِ تَدْفَعُ بالقِصَّةِ الى الأمامِ. تبدأ القِصَّةُ بِحُلُمِ يوسُفَ (تك 37/ 5-11) حُلُمٍ يثيرُ غَيْرَةَ إخْوَتِه غيرةً تؤدّي الى أذيَّةِ يوسفَ، لا بل بَيْعِهِ كَعْبدٍ وتحطيمِ غرورِ طِفْلٍ محبوبٍ مِنْ والدهِ مميَّزٍ مِنْ إخوَتِه، تمييزًا حَمَلَهُ إِلى أن يترفَّعَ عن إخْوتهِ، وينصِّبُ نَفْسَهُ ملكًا عليهِم حتّى وإِنْ كانَ هذا في الحُلُمِ، فهذا مرفوضٌ عِنْدَ الإخوَةِ. يُشكِّلُ صراعٌ يوسُفَ مع إخوَتهِ المُحرِّكَ الدراميَّ الرئيسَ في القِصَّةِ، صراعٌ حَمَل الإخوةَ على أن يَضمُروا الشَّرّ لأخيهم ويرموه في البئرِ بطلبٍ مِنْ أخيهِم الأكبر راؤبين، لِيُخَلّصَهُ مِنْ بَيْنِ أيديهم، تَشْتَدُّ الحَبْكَةُ تعقيدًا ويزدادُ الصّراعُ بينَ راؤبينَ وإخوَتهِ بَعْدَ ان عَلِمَ ان يوسُفَ ليسَ في البِئْر، وأنَّهُم باعوهُ الى الإسماعليينَ. وعقدةٌ جديدةٌ تَدْخُل على مَسارِ القِصَّةِ، حينَ اشترى فوطيفار يوسفَ وأقامَهُ مسؤولاً عن بَيْتهِ. لَمْ تَقِفِ العُقدَةُ هنا بل يزيدُ التأزُّمُ ويدخلُ فيها صراعُ الأخلاقِ والشرفِ مع التجربَةِ حينَ حاولَتْ زوجَةُ فوطيفار إغواءَ يوسفَ ولَمْ تنجَحْ، لَكِنَّها نَجَحَتْ في وَضْعهِ في السجْنِ.  

تَطوُّرُ الشخصيَّاتِ

تَتَطَوَّرُ الشخصيَّاتُ في القِصَّةِ بشكْلٍ ملحوظٍ عبرَ الأحداثِ

تبدأُ شخصيَّةُ يوسفَ وهي  الشخصيَّةُ الأساسُ وصاحِبَةُ البطولةِ المُطلَقَةِ في القِصَّة، كصبيٍّ مُدلَّلٍ من والِدِهِ، يَحْظى بتقديرٍ كبيرٍ منهُ هو وبنيامينُ أخوهُ لأنهمّا كانا ابنَي راحيلَ زوجةِ يعقوبَ المحبوبةِ، لذا ميَّزَ يعقوبُ ابنيهِ يوسفَ وبنيامينَ عَن إِخوتِهما واهْتَمَّ بهما بشكلٍ خاصٍّ، إلا أَنَّ يوسفَ كانَ قد نالَ النصيبَ الأكبرَ من حُبِّ والدِهِ لأنهُ كانَ ابنَ شيخوخَتهِ كما يقولُ النصُّ “وأما اسرائيلُ (يعقوبُ) فأحبَّ يوسفَ أكثرَ من سائرِ بنيه لأنه كانَ ابنَ شيخوخَتهِ” (تك 3/ 37)[3]، فصنَعَ له قميصًا مُلَونًا وألبَسه إيّاه على مرأىً من إِخوته علامةً على أنه الإبنُ المفضَّلُ عندَ والدِه.

يوسفُ هو الإبنُ المحبوبُ كما ذَكرنْا لوالدِه يعقوبَ، حُبٌّ أَثارَ غَضبَ  إخوتِهِ وغَيْرَتَهُم.

  • الأحلامُ:

وما زادَ الأمرَ سوءًا، هو الحُلُم الذي رآهُ يوسفُ ، حينَ قالَ لإِخْوَتهِ “اسمعوا هذا الحُلُمَ الذي حَلِمْتُ: فها نحنُ حزماتٌ في الحقلِ واذا حزمَتي قامت وانتصبَتْ فأحاطَتْ حزماتُكم وسجَدَتْ لحُزمتَي” (تك 37/ 5) وجاء الحُلُمُ الآخَرُ ليقُصَّهُ على إخوتهِ ويزيدَ من غَيْرَتِهم فقال “اذا الشمسُ والقمرُ وأَحَدَ عَشَرَ كوكبًا ساجدًا لي” (تك 37/ 9).

فتفسيرُ الحلمِ الاولِ يُعتبَرُ رمزًا الى أنَّ يوسُفَ سيكونُ ذا شأنٍ وله السيادةُ على إخوته، وجاءُ الحلمُ الثاني ليزيدَ الأمرَ تعقيدًا، ليدلَّ على أنَّ يوسفَ سيكون ذا شأنٍ كبيرٍ إذْ إِنَّ الشمسَ (والده) والقمرَ (والدته) وأَحَدَ عَشَرَ كوكبًا (اخوته) سيْسجِدون له، هذا ما أثار غَضَبَ إخوَتهِ عليه وغَيرَتَهمُ وحِقْدَهم، فقرَّروا قتله. صُوَرٌ مسرَحيَّةٌ متماسِكَةٌ، فالنصُّ ذو حَبْكةٍ قويّةٍ وتفاصيلَ تحمِلُ المُشاهِدَ على الفرحِ عندَ رؤيةِ يوسفَ مع والدهِ وإلباسِه الثوبَ الملوّنَ، وتَحَسُّسِهِ بالفَخْرِ بالحديثِ عن الحُلُمِ وفي الوقتِ عينهِ، الخوفِ من عواقبِ هذا الحلمِ. أحداثٌ درامِيَّةٌ متماسِكَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَحْمِلُ التصاعُدَ في الحَبْكَةِ والتشويقَ الى النهايةِ.

تأخُذُ الدراما معنًى حادًّا عِنْدَما ينجَحُ إِخْوَةُ يوسُفَ بالتَّخَلُّصِ منه وَبْيعِه كعبدٍ للإسماعليينَ: حَدَثٌ بمثابَةِ نُقْطَةِ تَحَوُّلٍ حاسِمَةٍ في حياةِ يوسُفَ. وفي سياقِ الدراما “فتآمروا عليه لِيمُيتوهُ فقالَ لَهُمْ راؤبينْ لا تَسْفِكوا دمًا، اطْرَحوهُ في هذهِ البئرِ التي في البريَّةِ، ولا تَمُدّوا اليهِ يدًا، ليُنْقِذَهُ من أيديهم لِيرُدَّهُ الى أبيهِ فكانَ لمّا جاءَ يوسفُ الى إخوَتهِ أنَّهُم خَلعوا عَنْهُ قميصَهُ المُلَوَّنَ الذي عليهِ وأخذوهُ وطَرحوه في البئرِ، وأما البِئرُ فكانَتْ فارغَةً ليس فيها ماءٌ ثم جَلسوا ليأكلوا طعامًا فرفَعوا عيونَهم ونظروا واذا قافِلَةُ اسماعليينَ قادِمَةٌ من جلعادَ وجمالُهُم حامِلَةٌ “كثيراء وَلاَذَنْ وبَلَسَان” ذاهبينَ لينزلوا بها الى مِصْر، فقال يهوذا لإخْوتهِ ما الفائدةُ من قَتْل أخينا فنخفي دمَه تعالوا فنبيعَهُ للإسماعليين. ولا تَكُنْ ايدينا عليه، لأنّه أخونا ولحمُنا، فَسَمِعَ لهُ إخوتُه واجتازَ رجالُ مديانيونُ تجّارٌ، فَسَحبوا يوسف وأصعدوهُ من البئرِ وباعوا يوسفَ للأسماعليينَ بعشرينَ من الفِضَّةِ فأتوا بيوسفَ الى مِصْرَ ” (تك 37 /18- 28).

إِنَّ بيعَ يوسفَ للإسماعليينَ نتيجةَ غَيْرَةِ إخْوتهِ منه، هو بدايةُ سِلْسِلةٍ من أحداثٍ تصاعُدِيَّة في سياقِ القِصةِ والحَبْكَةِ والتشويقِ.

فالصراعُ الداخليُّ يُظهِرُ يوسُفَ في النَّصّ كشخصيّةٍ تواجِهُ الكثيرَ من الصراعاتِ الداخليّةِ نتيجةَ الخيانَةِ والشعورِ بالعُزلةِ، لكنّه حافَظَ على إيمانِه وَثِقَتهِ باللهِ.

حَمَلهُمُ التفكير على أَنَّ ما جرى لَهُم مِنْ مآسٍ هو بسببِ خطيئةٍ اقترَفوها ضدَّ الأُخوَّةِ نتيجةَ غيرةٍ أوصلتهْم الى ما هم عليهِ من ضَرْباتٍ متكرِّرةٍ فكأنَّ صوتَ أخيهم لا يزالُ يصرخُ في داخلِهم وصورتَه معَ الإسماعيليينَ وهو يطلبُ النجدةَ من بائعيه، لا تزالُ في أذهانِهم محفورةً.

نجاحُ يوسفَ وثقةُ فوطيفار بهِ جَعلاهُ رجلًا ناجِحًا ومسؤولًا ومحطَّ إعجابِ زوجَةِ فوطيفارَ به.

يتمسَّكُ يوسفُ بأخلاقيّاتهِ ويرفُضُ الإستسلامَ للإغراءِ على الرَّغْمِ مِنْ أنَّ زوجةَ فوطيفار كانَتْ تملكُ السلطةَ والقوَّةَ، على الرغم من انه كانَ عبدًا في بيتِها رفضَ خيانَةَ سَيِّدهِ، وأَظهرَ تمَسُّكًا قويًا بمبادئهِ الدينيّةِ والأخلاقيّةِ حينَ قالَ لها “كيفَ افعلُ هذا الشَّرَّ العظيمَ واخطئُ الى الله ” (تك 39/9).

إِنَّ فكرةَ وجودِ يوسفَ في السِّجْنِ ظُلمًا، تُمَثِّلُ جزءًا من قِصّتِه، حيثُ يَتِمُّ تسليطُ الضوءِ على شخصيَّتهِ الصَبورة، الحكيمةِ المُتَّكِلةِ على اللهِ، ما يساهم في تحقيقِ التأثيرِ المسرحيِّ لِلْقِصَّةِ كَكُلّ.

  1. الصراعُ والتوتُّرُ:

يَزدادُ الصّراعُ والتوتُّرُ حِدَّةً عند وصولِ يوسفَ الى السجنِ مُتَّهمًا ظُلمًا من زوجةِ فوطيفار. حَدَثٌ يخلُقُ حالةً منَ الترقُّبِ والشّدِّ العصبيِّ، ويُثيرُ اهتمامَ القارئِ والمستَمِعِ والمُشاهِد، ويَجْعَلُهُ يراقِبُ ويتابِعُ تطوّراتِ القِصَّةِ.

ويبقى التأثيرُ الإيجابيُّ لشخصيَّةِ يوسفَ بفضلِ موهِبَتهِ حتّى خِلالِ وجودهِ في السجنِ، وتفسيرُهُ الأحلامَ حَدَثٌ يجلُبُ له الإحترامَ، ويبقى يوسفُ رغمَ الشِّدَّةِ رجلاً متفائلاً مُسلِّمًا أمرَه للّهِ مُنتظرًا تدخُّلَهُ في الوقتِ المناسبِ.

تطوراتُ الأحداثِ معَ يوسفَ تجعلُ من شخصيتهِ شخصيَّةً مُعقَّدةً مسرحيًا، اذ تنتقِلُ هذهِ الشخصيّةُ من حالةٍ الى حالةٍ في سياقِ القِصَّةِ، فَمِنْ شابٍّ مُدلّلٍ محبوبٍ مِنْ قِبَلِ والدِه، يتطوَّرُ ليصبِحَ رجلاً حكيمًا صبورًا بعدَ مرورهِ بأزماتٍ عديدةٍ، وكذلكَ الشخصيّاتُ الاخرى كإِخوَة يوسفَ وزوجةِ فوطيفار وحتّى السجينين اللَّذين فَسَّرَ لهما يوسفُ الأحلامَ. أحداثٌ كُلُّها تساهِمُ في تعقيدِ القِصَّةِ وإغناءِ الشخصيّاتِ التي تُمثِّلُ القِصَّةَ.

يعكِسُ تفسيرُ يوسفَ الأحلامَ داخلَ السجنِ، قُدرتَهُ النبويَّةَ والحِكْمَةَ التي أمرَهُ اللهُ بهما، ويعزِّزُ رمزيَّتَهُ كشخصيَّةٍ محوريَّةٍ ومُهِمَّةٍ، جانِبٌ يزيدُ القِصَّةَ عمقًا، ويجعَلُها اكثرَ جاذبيَّةً من الناحيةِ الدراميّةِ.

رِحلَةُ يوسفَ من العبوديَّةِ الى السجنِ ومنها الى مركَزٍ مُهِمّ، تُمَثّلُ تحوّلاتٍ دراماتيكيّةً في حياتِه. هذهِ التحوُّلاتُ تُظْهِرُ قدرَةَ بطلِ القِصّةِ في التغلُّبِ على الصعابِ والصمودِ أمامَ التحدّياتِ، ما يُضفي على القِصَّةِ طابَعًا مُلْهِمًا وقويًا، هذه التحوّلاتُ في شخصيّةِ يوسفَ التي تتناولُ مواضيعَ العدالةِ والإنتقامِ والغفرانِ، تعكِسُ تطورًا كبيرًا في شخصيّتهِ لتوصِلَ لنا رسالةً اخلاقيَّةً مُهمةً، فالقصةُ التي امتازتْ بحبْكَتِها القويّةِ والتي احتوَتْ على العديدِ من المُنعطفاتِ والمفاجآتِ، كُلُّها عناصِرُ جَعَلَتْ منها قِصَّةً مُثيرةً للإهتمامِ مِنَ البدايةِ حتّى النهايةِ.

تلعَبُ هذهِ الشخصيَّةُ دورًا محوريًا في السياقِ الدراميِّ والروحيِّ للقِصَّةِ، فهو ابنُ اسحقَ، وحفيدُ ابراهيمَ وأحَدُ الآباءِ البطارِكَةِ عُرِفَ باسمِ اسرائيلَ الذي ترجَمَتُه “يُجاهد مع الله” او “اللهُ يُجاهِدُ” اسمٌ يَعْكِسُ التغييرَ الجوهريَّ في شخصيّتهِ ودورهِ مُشيرًا الى جهادِه الروحيِّ والقوةِ التي نالها من الله.

يُظهِرُ حُبًا كبيرًا لأبنائِه وخاصّةً يوسفَ الذي كان يُفضِّلُه على إخوتهِ، وانطلاقًا من هذا الحُبِّ المُمَيَّزِ تنطلِقُ الحَبْكَةُ في النَّصِّ بدءًا من عَداوةِ إخوَةِ يوسُفَ لأخيهم ومحاولَتِهم قَتْلَهُ ثُمّ بَيْعَهُ الى الإسماعليين… الى ما هنالكَ من أحداثٍ سَبَقَ وذِكرُها.

يلعبُ الايمانُ في شخصيَّة يعقوبَ دورًا مُهِمًا، فهو يتحدَّثُ الى الله ويتلقّى وعودًا ورؤى ايمانٌ يوجِّهُ حياةَ يعقوبَ وقراراتِه.

عانى يعقوبُ في حياتهِ بدءًا منْ صراعاتِه معَ أخيه عيسو وهرَبهِ من وَجْهِهِ وصولاً الى فُقدانِ ابنهِ يوسفَ، وقتلهِ كما ادّعى إخْوَتُهُ لأبيهم وصولاً الى مُعاناةِ المَجاعةِ، كُلُّ هذهِ الأحداثِ تَجْعَلُ مِنْ شخصيَّتهِ في سياقِ النَّصَّ المسرحيِّ شخصيَّةً مُركَّبَةً تكتَسِبُ تعاطُفَ القُرّاءِ والمشاهدينَ.

على الرغم من معاناتهِ، إلا أنّ قدرتَه على تحمُّلِ الصعوباتِ والصمودِ جَعَلَتْهُ مُتَمسِّكًا بإيمانهِ ويواصِلُ الحياةَ بثقةٍ كاملةٍ من الربِّ حتّى النهايةِ.

إنْ كانَ يعقوبُ قَدْ تَحَمَّلَ الصعوباتِ، فهذا لا يمحو حزنَه العميقَ على ابنهِ. حزنٌ لم يستَطِعْ ان يتجاوَزه بسهولةٍ، فهذهِ المرحَلَةُ من حياتِه تُظهِرُ الجانبَ العاطفيَّ والإنسانيَّ لشخصيَّتهِ.

 يبقى يعقوبُ بالنسبةِ الى أهلِهِ وعشيرَتهِ القائدَ الروحيَّ والعائليَّ لأبنائِه، يُوجِّهُهم في خلالِ الأوقاتِ الصَّعْبَةِ، عندَما يكتَشِفُ أَنَّ ابنَهُ يوسفَ ما زال حيًا يَظْهَرُ كَرَجُلٍ حكيمٍ يتصرَّفُ بحكمةٍ وحِنْكَةٍ.

بعدَ الحزنِ والمعاناةِ يلتقّى يعقوبُ يوسفَ مُجددًا ويعيشُ اللحظاتِ الأخيرةَ من حياتهِ في سعادةٍ وفرحٍ بوجودِ جميعِ ابنائهِ الى جانبهِ، لحظاتٍ تعكِسُ الجانِبَ الانسانيَّ الدافئَ لشخصيَّتِه.

تُضيفُ شخصيَّةُ يعقوبَ تأثيرًا دراميًا قويًّا لقصَّةِ يوسفَ، من خلالِ تجسيدِها للحُبِّ الأبويّ، والألمِ والصراعِ الداخليِّ والإيمانِ والحكمةِ والمُصالحةِ، فيعقوبُ يُمثِّلُ رابطًا عاطفيًا وروحيًا قويًا يعمِّقُ الأبعادَ الإنسانيَّةَ والدينيَّةَ للقصَّةِ، ما يجعَلُها واحِدَةً من أروعِ القِصَص في الأدبِ المسرحيِّ الدينيّ.

يضيفُ يعقوبُ بُعدًا عاطفيًا وعميقًا للقِصَّةِ حيثُ تُمثِّلُ معاناتهُ وحزنهُ جزءًا كبيرًا في التوتُّرِ الدراميِّ.

يرمزُ يعقوبُ كشخصيَّةٍ محوريَّةٍ في التراثِ الدينيِّ الى الصمودِ في الايمانِ ما يُعزِّزُ الأبعادَ الروحيَّةَ في القِصَّةِ.

يُمثِّلُ يعقوبُ الرابطَ بينَ الأجيالِ المُخْتَلِفَةِ في القِصَّةِ، ويعكِسُ أهميَّةَ الأسرةِ والوحدَةِ في مواجَهة الصعوباتِ.

باختصارٍ، تمثِّلُ هذه الشخصيَّةُ أبعادًا مُتعدِّدةً حيثُ تجمَعُ بينَ الحُبِّ والألمِ والإيمانِ والصمودِ. ميزاتٌ تجعَلُ منها شخصيَّةً محوريَّةً في تعزيزِ القيمِ الروحيَّةِ والدراميِّةِ للقِصَّةِ.

تُقَدَّمُ شخصيَّةُ إخوة يوسفَ في القِصَّةِ تعقيدًا وتصاعدًا دراميًا مُرْفَقًا بالتوتر والصراعِ مِنْ خِلال:

  1. الواقعِ والغَيْرَةِ:

 فَهُمْ يُظهِرونَ منذُ البداية دوافِعَهم السلبيَّةَ حيثُ يَشعرون بالغَيْرَة والحِقْد تجاهَ يوسفَ، بسببِ مَحبَّةِ يعقوبَ الزائدةِ له، هذا الصراعُ الداخليُّ في شخصيّاتهِم يُعزِّزُ التوتُّرَ الدراميَّ ويظهِرُ كَيْفَ يُمكِنُ للمشاعِر السلبيّةِ أن تقودَ الى تصرّفاتٍ قاسيةٍ تَصِلُ بالإنسان، الى القَتْلِ أحيانًا، أو حتّى التخلي عن صِفَةِ الأُخوَّة، ورابطِ الدَمِ كما جَرى في القِصَّة.

  1. الخيانَةُ والمؤامَرَةُ:

جاءَ قرارُ الإخوةِ بيعَ أخيهم كَعَبْدٍ، ذروةً درامِيَّةً قَوِيَّةً في القِصّة هذا الفِعْلُ من الخيانةِ يُعمِّقُ الشعورَ بالظلمِ والمعاناةِ ويضعُ الأَساسَ للأحداثِ اللاحقةِ في القصةِ، فالخيانَةُ هي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَدَثٍ بل هي نقطَةُ تحوُّلٍ دراميّةٍ تعزِّزُ الصراعَ الرئيسيَّ في الحَبْكَةِ.

  • التغيير والتَوبُة:

يَظْهَرُ هذا التغييرُ التدريجيُّ مَعَ تَقَدُّمِ القِصَّةِ في شخصيّاتِ الإخوةِ خاصّةً بعدَ مُواجَهَتِهم للجماعَةِ والإضطرارِ إلى الذهاب إلى مِصْرَ، هذا التحوُّلُ يُظهِرُ قُدرةَ الشخصيّاتِ على النموِّ والتغييرِ، ما يُضيف بُعدًا إنسانيًّا الى القِصّة.

  • النَّدَمُ والمصالَحَةُ:

عندَما يكتَشِفُ يوسُفُ أَنَّ إخوتَه جاؤوا الى مِصْرَ فيقومُ بإختبارِهم لمعرفةِ ما إذا كانوا قد تغيَّروا، فالإخوةُ يُظهرون ندمَهم على ما فعلوهُ بيوسفَ ما يُمَهِّدُ للمصالحَةِ النهائية، هذا التحوُّلُ من الندَمِ الى المصالحَةِ، يضيفُ عمُقًا دراميًا ويعزِّزُ رسالةَ القِصَّةِ عنِ الغُفرانِ والتجديدِ.

  • التنوُّعُ في الشخصيَّات:

يْمَثِّلُ الإخوةُ مجموعَةً متنوّعَةً من الشخصيّاتِ الموجودةِ في المجتمعِ، فكلٌّ منهم لديهِ صفاتهُ الخاصَّةُ وتفاعلاتهُ معَ الاحداثِ، فيهوذا مثلاً يظهْرُ كشخصيّةٍ محوريّةٍ تتحمَّلُ المسؤوليَّةَ وتعرضُ التضحيّةُ، بينما آخرون يُظهِرون تردُّدَهم وخوفَهم. تنوُّعٌ يزيدُ العمقَ والتنوُّعَ الدراميَّ للقصّةِ.

  • الصراعُ الداخليُّ والجَماعيُّ:

يَظهَرُ على الإِخوة عدَمُ اتحادِهم دائمًا في آرائِهم بل تَظْهَرُ بينهُم صراعاتٌ داخليَّةٌ واختلافاتٌ في الرأيِ، هذا الصراعُ الداخليُّ والجَماعيُّ يعزِّزُ التوتُّرَ الدراميَّ ويُظهِرُ تعقيدَ العلاقاتِ الإنسانيّةِ.

  • الرمزيَّة والتوازي:

يُمثِّلُ الإخوةُ في النّصِّ البشريَّةَ. بما فيها من عيوبٍ وقُوة، وَغَدْرٍ وتسامُحٍ، وحُبٍّ وحِقْدٍ، ويُظْهِرُ تفَاعُلهم مَعَ يوسفَ إنّهُ صراعُ الخيرِ معَ الشِر، والحِقْدِ معَ المغفرةِ، هذا التوازي يعطي القصَّةَ بُعدًا فلسفيًا وروحيًا عميقًا.

إِنَّ شخصيَّةَ الإخوَةِ في قِصَّةِ يوسُفَ، تُضيفُ تأثيرًا مسرحيًّا قويًّا مِنْ خِلالِ تجسيدِهم للصراعِ الداخليِّ والخيانةِ والندمِ والتوبةِ. إنَّ تعقيدَ شخصيّاتِهم وتطويرَها الدراميَّ يُعمِّقُ الحَبْكَة ويُظهِرُ البُعدَ الإنسانيَّ في القِصَّةِ ما يَجْعلُها قِصَّةً غَنِيّةً بالتوتُّرِ الدراميِّ والمعاني الإنسانيّةِ العميقَةِ

يلعبُ راؤبين الإبنُ الأكبرُ ليعقوبَ دورًا مُهمًّا ومثيرًا في القصّةِ.

  1. التناقُضُ الداخليُّ:

يَظهَرُ راؤبينُ كشخصيَّةٍ متناقِضَةٍ، حيثُ يحاولُ الموازَنَة بينَ واجبِهِ كأخٍ أَكبرَ لإخوتهِ ورغبتهِ في حمايةِ يوسُفَ، هذا التناقُضُ الداخليُّ يُضيف عمقًا لشخصيَّتِه ويجعَلُها أكثرَ انسانيّةً وتعقيدًا، يُظهِرُ راؤبينُ رغبةً في فِعْلِ الصّوابِ لكنَّهُ يتردَّدُ ويواجِهُ صعوبةً في مُواجهَةِ إخوَتهِ الآخرين.

عندما قرَّرَ الإخوَةُ قَتْلَ يوسُفَ، اقترحَ راؤبينُ عليهم رميَ يوسفَ في البئرِ بدلاً من قتلهِ بنيَّةِ إنقاذه لاحقًا، هذهِ المحاولَةُ تخلُقُ جانبًا اخلاقيًا في شخصيَّتهِ وتضَعهُ في موقِع البَطل التراجيديِّ الذي يحاوِلُ التوفيقَ بين الوفاءِ لعائلتهِ وإنقاذِ اخيهِ.

 يفشَلُ راؤبينُ في تحقيقِ مبتغاهُ مِنْ إنقاذِ يوسُفَ عندما تَمَّ بيعُه كَعَبْدٍ بَعْدَ غيابِه، وعلى الرغمِ من نواياهُ الحسَنةِ، لم يسْتَطِعْ ان يُحقِّقَ مبتغاه، هذا الفَشَلُ الذي عاشَهُ راؤبينُ يزيدُ في التراجيديا في شخصيَّتهِ، حيثُ يُظهر كَيْفَ يُمْكِنُ للنوايا الحسَنَةِ ان تُحْبَط بِسَبب الظروفِ او القراراتِ غيرِ المُناسبةِ، هذا الفشلُ يُعزِّزُ الشعورَ بالذّنْبِ والنَّدَمِ الذي سيُرافِقُ راؤبينَ فيما بَعْدُ.

كانَ يُتَوَقَّعُ منْ راؤبينَ كرئيسٍ للإخوَةِ أَنْ يكونَ قائدًا قويًا وحاسِمًا، لكنّه على العكسِ يُظْهِرُ ضَعْفَهُ وتردُّدَه في اتّخاذِ قراراتٍ حاسمَةٍ، وحيثُ اللَّاقرارُ يعني الفوضى وهذا التوتُّرُ الدراميُّ يُظهِرُ تحدّياتِ القيادَةِ والمسؤوليّةِ.

بعدَ اختفاءِ يوسفَ يعيشُ راؤبينُ شعورَ الذَّنْب لعدمِ قدرتهِ على إنقاذِ اخيه، هذا الشعورُ بالذنْبِ يضيفُ بُعدًا نفسيًّا معقّدًا لشخصيَّتهِ، ويُظْهِرُ كيفَ يمكِنُ للأخطاءِ والقراراتِ الفاشلةِ ان تؤثِّر في الشخصيَّاتِ بشكلٍ عميقٍ وطويلِ الأمدِ.

عندما يذهَبُ الإخوةُ الى مِصْرَ في خلالِ المجاعةِ، يظهَرُ راؤبينُ كشخصيّةٍ تحمِل وْزرَ الذَّنْبِ، وتحاولُ إصلاحَ الأخطاءِ السابقةِ. يبرزُ موقفُه بشكلٍ خاصٍّ في مواجهةِ يوسفَ من دونِ ان يعرِفَ هُوّيتَه حيثُ يتحدَّثُ عن الخطأَ الذي ارتكبوه في حَقَّ اخيهم. هذا التفاعلُ يعزِّزُ الدراما ويُظهِرُ كيف يَتِمُّ تطويرُ الشخصيّاتِ في الدراما.

إِنّ شخصيّة راؤبينَ في قصَّةِ يوسفَ، هي شخصيَّة مليئةٌ بالتناقضاتِ والتعقيداتِ الدراميّةِ.

شخصيَّتُه تضيفُ بُعدًا تراجيديًا الى القصة حيْثُ يبرزُ الصراعُ بينَ الواجبِ الأخلاقيِّ والضعفِ البشريِّ ويظهَرُ تأثيرُ القراراتِ والنوايا على مَسارِ الأحداثِ والعلاقاتِ الإنسانيةِ.

تلعبُ شخصيةُ يهوذا في النصِّ دورًا محوريًا مؤثّرًا، ويَظْهَرُ فيها تطورٌ دراميٌّ كبيرٌ، وتضيفُ عمقًا وتعقيدًا إلى الحبكةِ.

  1. دورُ المُحرِّضِ والمُبادِر :

يَظهَرُ يهوذا في بدايةِ القصّةِ كشخصيّةٍ محرِّضَةٍ على بيعِ يوسفَ بدلاً من قتلهِ، فاقتراحُه بيعَ يوسفَ يُظهِرُ قدرتَه على التفكيرِ العمليِّ والبرغماتيِّ حيثُ يسعى الى تحقيقِ الربحِ الماديِّ بدلاً من الإنتقامِ الأعمى، هذا الجانبُ من شخصيّتهِ يُظهِرُ دهاءَه واستعدادَه لاتّخاذِ قراراتٍ صعبَةٍ.

مَعَ التقدُّم في القصَّةِ يُظهِرُ يهوذا تطوّرًا كبيرًا في شخصيَّتهِ. بَعْدَ بيعِ يوسفَ يواجِهُ سلسلةً من الأحداثِ الشخصيّةِ التي تؤثِّر فيه بعمقٍ، بما في ذلك قِصَّةُ زواجهِ وابنائهِ وزناهُ مع تامار كنَّتهِ، هذه التجاربُ ساهَمَتْ في نُضوجِه وغيَّرَتْ نظرَتَهُ إلى الحياة.

عندَما يعودُ الإخوةُ الى مِصْرَ للحصولِ على الطعامِ يُظْهِرُ يهوَّذا استعدادَهُ لتحمُّلِ المسؤوليّةِ في مواجَهَةِ يوسفَ، قبلَ أَنْ يتعرَّفوا إليه، فيقَدَّمَ يهوذا نفسَه كضامِن لسلامةِ بنيامينَ أخيهِ الأصغرِ. هذا الموقِفُ يُظْهِرُ تطوُّرهُ كشخصيَّةٍ تتحمَّلُ المسؤوليةَ وتضَعُ مصالِحَ الآخرينَ قبلَ مصالِحها الشخصيّة الأنانيةِ.

يُظهِرُ يهوذا تحوّلاً دراميًا في شخْصِه مِنْ محرِّضٍ على بيعِ أخيه، الى قائدٍ يتحمَّلُ المسؤوليّةَ ومستَعِدٌّ للتضحيةِ، هذا التحوُّلُ يُضيف بُعدًا دراميًا قويًا إلى القِصَّةِ حيثُ يُظْهَرُ كيفَ أنَّ للتجارُبِ الشخصيَّةِ والصعوباتِ، أَنْ تُغيِّرَ في الشخصيّاتِ وتجعَلَها أَكْثرَ نضوجًا.

يبرزُ يهوذا في النهايةِ كقائدٍ حقيقيٍّ بينَ إخوتهِ، فعندما اتَّهمَ يوسُفُ المتنَكِّرُ بنيامينَ بالسَّرقةِ، يتقدَّمُ يهوذا بطلبٍ لإبقاءِ نَفْسِه كَعَبْدٍ بدلاً من أخيه، هذا الحلُّ البطوليُّ يُظهِرُ استعدادَه للتضحيةِ بنفسِه من أجلِ حمايةِ اخيهِ وأبيهِ يعقوبَ من الحُزنِ. التضحيةُ تُظهِرُ تحوّلاً كامِلاً في شخصيّتهِ وتُبرِزُ نضوجَه الأخلاقيَّ.

تُجسِّدُ شخصيَّةُ يهوذا الدروسَ الأخلاقيَّةَ والتعاليمَ الدينيَّة في القِصَّةِ، رحلتهُ من الأنانيَّةِ الى التضحيةِ، تعزِّزُ الرسالةَ الأخلاقيَّةَ المُرتبطَةِ بالندمِ والتوبةِ والتحوُّلِ الإيجابيِّ عندَ الإِنسان، فيهوذا يُظهِرُ كيفَ يُمكِنُ للشخصِ أنْ يَتغيَّرَ ويتعلَّمَ من اخطائِه، ويبرِزُ اهميَّةَ تَحَمُّلِ المسؤوليّةِ والعواقبِ الشخصيَّةِ.

تُسْهِمُ مواقفُ يهوذا وتصرُّفاتهُ في تصاعدُ التوتُّرِ الدراميِّ في القصة، فقراراتهُ وتأثيرُها في سيرِ الأحداثِ، تُعزِّزُ التوتُّرَ وتجعَلُ القارئَ مُتَشَوّقًا لمعرفةِ ما سَيَحْدُث لاحقًا لِلقِصَّةِ كَكُلِّ، ولشخصيَّةِ يهوذا المتبدِّلةِ بنوعٍ خاصٍ، ما يجعَلُ القِصَّةَ أكثرَ ايجابيّةً وإثارةً.

إِنَّ شخصيَّةَ يهوذا في قصَّةِ يوسفَ هي شخصيّةٌ دراميّةٌ مُعقَّدَةٌ تُظْهِرُ تطورًا كبيرًا من خلالِ تحوّلاتٍ اخلاقيّةٍ ونفسيَّةٍ. تطوّراتٌ تُضيفُ عمقًا وتعقيدًا إلى الحبكة، شخصيَّةٌ تعَزّزُ الرسائلَ الأخلاقيَّةَ والروحيَّةَ في القصةِ وتُظْهِرُ كيفَ انه يمكِنُ للتجارُبِ والصعوباتِ ان تُغيِّرَ الإنسانَ بشكلٍ عميقٍ وإيجابيٍّ.

الأخُ الأصغَرُ ليوسُفَ، ظهورُهُ محدودٌ في القِصَّةِ، الا أَنَّهُ يلعبُ دورًا مهمًا في سياقِ القصّةِ وأحداثِها.

  1. رمزُ البراءَةِ:

بكونِ بنيامين هو الأخَ الأصغرَ، هذا يجعَلُه رمزًا للبراءَة في القِصَّة، إنَّ هذا الجانِبَ يُضيف بُعدًا إنسانيًا ويعزِّزُ الشعورَ بالتعاطُفِ تجاهَه بخاصَّةٍ عندما يتعرَّضُ لموقِفِ يُهدِّدُ سلامَتَهُ.

حُبُّ يعقوبَ الممَيَّزُ لبنيامين بعدَ فقدانِه يوسفَ، جعلَهُ مِحورًا عاطفيًا للعائلةِ، هذا الحبُّ يعزّزُ التوتّرَ الدراميَّ عندما يَطلبُ من الإخوةِ أخذَه الى مِصْرَ، حيث يواجِهُ يعقوبُ صِراعًا داخليًا جديدًا، بينَ الخوفِ من فقدانِه والضرورةِ المُلِحَّةِ لإرسالهِ للحصولِ على الطعامِ.

يلعَبُ بنيامين دورًا مُهِمّا كمفتاحٍ لتطورِ الأحداثِ في مصرَ، عندما يضَعُ يوسفُ الكأسَ الفِضّيَّةَ في كيسهِ ويتّهِمُه بالسرقةِ، هنا أصبحَ بنيامين محورَ الصراعِ الرئيسيِّ الذي يَخْتَبِرُ وَلاءَ الإخوةِ وتوبَتَهُم، حَدثٌ يعزِّزُ التوتُّرَ والتشويقَ الدراميَّ ويدفَعُ بِالقصَّةِ نحو ذُرْوَتِها.

إنّ وجودَ بنيامينَ في القصَّةِ يدفَعُ بالإخوةِ عامَّةً وبيهوذا خاصّةً، الى اظهارِ نُضجهِم وتوبَتِهم، فاستعدادُ يهوذا للتضحيةِ بنفسِه بدلاً من أخيه بنيامين، يُظْهِرُ تحوّلاً كبيرًا في شخصيَّتِه ويعزِّزُ الرسالةَ الأخلاقيَّةَ للقِصّةِ.

يُمثِّلُ بنيامينُ الرابطَ العاطفيَّ بينَ يوسفَ وعائلتهِ، حيثُ يعتَبِرُه يوسفُ آخِرَ رابطٍ مُباشِرٍ معَ والدتَهِ راحيلَ زوجةِ يعقوبَ المحبَّبةِ إلى قلبِه، هذهِ العلاقَةُ تعزِّزُ الدراما عندما يلتقي يوسفُ بنيامينَ بعدَ سنواتٍ من الفراقِ، ما يُثيرُ مشاعِرَ الشوقِ والحُبِّ والحنينِ، إنّه مشهَدٌ عاطفيٌّ مؤثِّرٌ.

 يَتِمُّ الكشفُ عن هويَّةِ يوسفَ الحقيقيّةِ من خلالِ تصرُّفاتِه تُجاهَ اخيه بنيامينَ، هذا الكَشْفُ يُعتَبَرُ ذروةً دراميَّةً في القصّةِ، حيْثُ يَتِمُّ الجَمْعُ بين الاسرةِ، وتحقيقِ المصالحةِ.

يتفاعَلُ بنيامين مع إخوتهِ من مَوْقِعِ البراءَةِ والضّعفِ ما يُظهِرُ جوانِبَ مختلِفَةً من شخصيّاتِهم تعاطُفُهم وحمايتُهم يعزّزانِ البُعدَ الانسانيَّ والروحيَّ للقصَّةِ.

يأتي اتّهامُ بنيامينَ بالسرقةِ، اختبارَ ولاءِ الإخوة تجاهَه. مشهَدٌ يُظهِرُ القِيَمَ الأخلاقيَّةَ والإنسانيَّةَ ويبرِزُ قدرةَ الشخصيّاتِ على التغيُّرِ والنضوج.

إِنَّ شخصيَة بنيامين، تضيفُ تأثيرًا دراميًا قويًا الى قِصَّةِ يوسفَ مع أنّه ليسَ من الشخصيّاتِ الأساسيّةِ كما ذَكَرْنا. لكنّه يبقى المفتاحَ لتطوُّرِ الأحداثِ ومحورًا مُهمًّا في الحَبْكَة، وشخصيَّتُه تعزِّزُ التوتُّرَ الدراميَّ ويدفَعُ بالشخصيّاتِ نحو النضجِ والتضحيةِ، ما يساهِمُ في تحقيقِ المصالحةِ والوَحْدَةِ العائليّةِ.

هو ضابِطُ مِصْرِيٌّ مُهِمٌّ يَشْغَلُ مَنْصِبَ رئيسِ الحرسِ الملكيِّ. دورُه في القصّةِ محوريٌّ لأنه كانَ قد اشترى يوسفَ كعبدٍ من الإسماعليّينَ. وجودُ فوطيفار يمهِّدُ لتحوُّلٍ كبيرٍ في حياةِ يوسُفَ، منْ كَوْنِه عبدًا الى ان يُصْبِحَ مسؤولاً مُهِمًّا في بيتهِ.

  1. الثقة والخيانة

يِظْهَرُ فوطيفارُ كشخصيَّةٍ تثِقُ بيوسفَ بِشِدَّةٍ، اذ رأى فيه قُدُراتٍ ومواهِبَ مميَّزَةً فيُعِّنُهُ مسؤولاً عن مُمتَلكاتِهِ

 تُثار دراما كبيرةٌ عندَما تَتَّهِمُ زوجَةُ فوطيفار يوسفَ زورًا بمحاوَلَةِ الإعتداءِ عليها، هذهِ الإتهاماتُ تقلُبُ الثقةَ التي وضَعها فوطيفارُ فيهِ وتزيدُ العقدةَ تعقيدًا.

يظهَرُ فوطيفار كشخصيَّةٍ تواجِهُ صراعًا داخليًا بينَ ما يراه من إخلاصِ يوسفَ وكفاءَتِه والإدعاءاتِ الخطيرةِ التي لا يمكِنُ تجاهُلُها للحفاظِ على شرفِ عائلتهِ.

شخصيَّةُ فوطيفارَ تتأثَّرُ بالضغوطِ الإجتماعيّةِ والتوقّعاتِ المُرتَبِطَةِ بِمَنْصِبهِ، ما يَجْعَلُه يَتَّخِذُ قرارًا قد يكونُ ضِدَّ قناعَتهِ الشخصيَّةِ.

يَمثِّلُ فوطيفار في هذا النَّصّ الدينيِّ والمسرحيِّ صورةَ المسؤولِ الذي تتقاطَعُ عندَه الإعتباراتُ الشخصيَّةُ والمِهْنِيَّةُ والإجتماعيَّةُ. قراراتهُ تؤثِّرُ في مسارِ القصّةِ بشكلٍ كبيرٍ، وتخلُقُ فُرصًا لتطوّراتِ شخصيَّةِ يوسُفَ.

يعكِسُ ديناميّاتِ السلطةِ والثقةِ والخيانةِ، ففوطيفار يبدو مترددًا في اتخاذِ قرارٍ قاسٍ بحقِّ يوسفَ، ما يوحي بأنه قد يشكُّ في صِحَّةِ ادِّعاءاتِ زوجتهِ، لكنَّهُ يَشْعُر بضَغْطِ المجتمَعِ وِالمَوْقِفِ الذي اخذه للحفاظِ على شَرَفهِ وسُمعَتهِ.

النقاطُ الدراميَّةُ الرئيسةُ في شخصيَّة ِفوطيفار[14]

تحمِلُ شخصيَّةُ فوطيفار جوانبَ دراميَّةً متعدّدةً تنعكِسُ في الصراعِ بينَ واجباتِه كقائدٍ ومشاعِرهِ كزوجٍ وثقتِه بيوسفَ. هذه التوتّراتُ الداخليَّةُ والصراعاتُ تجعَلُه شخصيَّةً معقَّدةً تَتَفاعَلُ بشكلٍ حاسمٍ مَع تَطوّراتِ أحداثِ القِصَّةِ، وتساهِمُ في خَلْقِ توتُّرِ الدراميَّةِ الرئيسة في شخصيَّةِ فوطيفارَ.

كانَ فوطيفارُ قائدًا مُهِمًّا في مِصْرَ (رئيسَ حرس فرعون) وهو ما يمنَحُه سُلطةً كبيرةً في الوقتِ نفسهِ، نجِدُ ان فوطيفارَ وَثِقَ بيوسفَ بشكلٍ كبيرٍ وسلَّمَهُ شؤونَ وادارةَ بيتهِ. هذا التواتُر بينَ كونهِ صاحِبَ السلطةِ وبينَ ثقتِه العمياءِ بيوسُفَ على الرغم من كونهِ عبدًا، يشكِّلُ عنصرًا دراميًا مُهِمًا في الشخصيَّةِ ويستفيدُ منها في إِنجاح عَمَلِه.

أَحَدُ أَبرزِ الجوانبِ الدراميّةِ هو عندما تَتَّهِمُ زوجَةُ فوطيفار يوسفَ بمحاولةِ الإعتداءِ عليها، هُنا يظهَرُ الصراعُ بينَ ولائهِ لزوجتِه التي تُمثّلُ جزءًا من حياتهِ الشخصيّةِ وبينَ ثِقَتِه بيوسفَ الذي يُمثِّلُ جزءًا من حياتهِ العمليَّةِ. هذا الصراعُ الداخليُّ بين الواجبِ الشخصيِّ (الدفاعِ عن زوجتهِ) والثقة بيوسُفَ (ايمانهِ بنزاهته)، يجعَلُ فوطيفارَ في موقِفٍ حَرِجٍ معقّدٍ وذي ابعادٍ دراميّةٍ كبيرةٍ.

بعدَ اتهامِ زوجتهِ يوسفَ، لَمْ يَظْهَرْ فوطيفار كقاضٍ صارِمٍ فورًا بلْ وَضَعَ يوسفَ في السِّجْنِ بدلاً من قَتْلِه على الرغم من أنَّ العقوبةَ المُتوقَّعة لجريمةٍ بهذا الحجمِ قد تكونُ الإعدامَ. هذا القرارُ الدراميُّ يُظهِرُ تعاطُفًا ضِمنيًا مَع يوسفَ وكأنَّ فوطيفار قَدْ ادركَ انَّ يوسفَ بريءٌ ولكنَّه لا يستطيعُ معارضَة زوجتهِ بشكلٍ عَلَنٍّي ومُباشِرٍ ممّا يضيفُ عُمقًا اضافيًا إلى شخصيّتهِ ويُظهر تعقيدًا وضُعفًا في اتخاذِ القرارِ.

يعكِسُ فوطيفارُ صِراعًا داخليًا بين مشاعِرهِ كزوج، وبين قيمتِه كقائدٍ وعلاقَتِه بيوسفَ، هذا الصراعُ العاطفيُّ يكشِفُ جانبًا دراميًا من شخصيَّته، حيثُ يمكنُ ان يكونَ مُمَزَّقًا بينَ الحفاظِ على كرامتهِ وسلطتهِ أمام المجتمَعِ المصريِّ، وبينَ الشكوكِ التي قد تراوِدُه حولَ صِدْقِ زوجَتهِ وخطأ يوسفَ هذا الجانِبُ يعزِّزُ البُعدَ النفسيَّ لشخصيته ويضيفُ توترًا إلى الأحداثِ.

على الرغم من سُلطةِ فوطيفارَ وقوَّتهِ يبدو عاجزًا عنْ مواجَهَةِ الحقيقَةِ بشكلٍ كاملٍ. فهو لا يقومُ بتحقيقٍ عادِلٍ بعدَ اتهامِ زوجتهِ يوسفَ، بل يكتفي بوضْع يوسفَ في السجنِ لحفظِ ماءِ الوجهِ أمامَ المجتمَع، هذه النقطةُ الدراميَّةُ تُسلِّطُ الضوءَ على عَجْزِه وَخَوْفهِ من مواجَهَةِ الحقيقةِ الكاملةِ وإتخاذِ قراراتٍ أخلاقيّةٍ صادِقَةٍ وهو ما يزيدُ من تعقيدِ شخصيّتهِ.

قرارُ فوطيفارَ بِسَجْنِ يوسُفَ بدلاً من قَتْلِه قد يكونُ لحظةً دراميَّةً فارِقَةً في القِصَّةِ، هذا القرارُ على الرَّغْمِ من انَّهُ لحمايةِ يوسفَ جزئيًا، وضَعَ يوسُفَ على طريقِ المصيرِ الذي سيؤدّي به لاحقًا ليصبِحَ الرجلَ الثاني في مِصْر بَعْدَ فَرعونَ، هنا يظهَرُ فوطيفارُ كشخصيَّةٍ محوريةٍ في تحوُّلِ حياةِ يوسفَ، حتى وإنْ لم يكن واعيًا تمامًا تأثيرَ قرارهِ على مصيرِ يوسُفَ.

يَظْهَرُ فوطيفارُ في مجتَمَعٍ كانتْ فيهِ القِيَمُ الإجتماعيَّةُ والمكانَةُ مُهِمَّةً جدًا كشخصيَّةٍ دراميةٍ تحاوِلُ موازنَةَ دورهِ كقائدٍ وأيضًا كربِّ أسرةٍ، استسلامهُ لضغوطِ زوجتهِ والمجتمَعِ على الرَّغم من ثِقتهِ بيوسَف، يُظْهِرُ بُعدًا اجتماعيًا وثقافيًا للصراعِ في شخصيَّتِه، وهو ما يُضيفُ طبقَةً أخرى من التوتُّرِ الدراميِّ.

لا يَتِمُّ في السَّرْدِ الكتابيِّ تسليطُ الضوءِ على موقِفِ فوطيفارَ بعدَ فترةِ السَّجْنِ الطويلةِ التي قضاها يوسفُ، أَو بعدَ صعودهِ الى السلطةِ، هذا الغموضُ يُضفي لمسةً دراميَّةً اضافيَّةً حولَ فوطيفارَ وما إذا كانَ قد أدركَ حقيقةَ براءةِ يوسُفَ في وقتٍ لاحِقِ، ما يتركُ تساؤلاتٍ مفتوحةً حولَ علاقَتِه بيوسُف بعدَ هذهِ المرحلةِ وما كانَ مصيرهُ ومصيرُ زوجتهِ؟

تَلْعَبُ زوجَةُ فوطيفارَ في القِصَّةِ دورًا محوريًا ومثيرًا في تصاعُدِ التوتُّرِ الدراميِّ للأحداثِ، وتحليلِ شخصيَّتِها. من الناحيةِ المسرحيّةِ يحمِلُ تعقيداتِها وتأثيرَها على المسارِ التصاعديِّ للعقدةِ في القصةِ، انطلاقًا من عِدّةِ دوافِعَ أهمُّها:

تَظْهَرُ شخصيَّةً دافِعَةً للأحداثِ من خلالِ رَغْبَتها وإغرائِها ليوسُفَ، ففي محاوَلتِها إغراءَه، تَظْهَرُ قُوَّتُها ورغبتُها في السيطرةِ، ما يخلقُ توترًا وشدَّ عصبٍ دراميٍّ بإِمتيازٍ، ويعزِّزُ الشعورَ بالخَطرِ المُحْدِقِ بيوسُفَ.

بِكَوْنِها زوجةَ فوطيفار، أحدِ كبارِ المسؤولينَ في مِصْرَ، فهذا منصِبٌ يمنَحُها سلطةً ونفوذًا كبيرين، هذا النفوذُ يجعَلُ من تُهمَتِها الموجَّهَةِ الى يوسُفَ، أمرًا خطيرًا عليهِ، ويزيدُ العقدةَ الدراميةَ حِدَّةً، فشعورُها بالقوةِ والقدرةِ على التحكُّمِ في مصيرِ يوسفَ، يضيفُ بعدًا نفسيًا معقدًا إلى شخصيَّتِها.

أثارَ رَفْضُ يوسُفَ لمحاولاتِها غَضَبَها، وقرَّرَتِ الإنتقامَ منه، هذا التحوُّلُ من الحُبِّ الشهوانيِّ الى الرغبةِ في الإنتقامِ يعزِّزُ الطابعَ الدراميَّ لشخصيَّتِها، ويُظْهِرُ كيفَ يمكِنُ للرغباتِ المكبوتَةِ المريضةِ أن تتحوَّل قُوَّةً مُدَمِّرَةً.

تُظْهِرُ زوجَةُ فوطيفار التي لا نعرف اسْمَها في النصِّ لأنها مربوطَةٌ بزوجِها ومنصبهِ، قدرةً عاليةً على التلاعُب والدهاءِ، من خلالِ اتّهامِها الكاذِبِ ليوسُفَ، فاتهامُها يُجَسِّدُ جانبًا مُظلمًا في شخصيَّتِها ويُبرِزُ قَدرَتَها على الكذبِ وفبرَكَةِ الملفّاتِ، مستخدمةً نفوذَها بشكلٍ سلبيِّ، هذا السلوكُ يزيدُ في العقدةِ الدراميّةِ للقصّةِ ويعزِّزُ الشعورَ بالظُّلمِ الذي يعانيه يوسُفُ.

إِنَّ دَوْرَ زوجَةِ فوطيفارَ حاسِمٌ في دَفْعِ يوسفَ منْ مرحَلةِ النجاحِ كَعَبْدٍ مفضَّلٍ الى السِّجْنِ. هذا التحوُّلُ الكبيرُ في مصيرِ يوسفَ يزيدُ في الحَبْكة تعقيدًا، ويُظهِرُ كيفَ يمكِنُ لقرارٍ فرديٍّ أن يُحدِثَ تغييرًا جذريًا في حياةِ شخصٍ آخَرَ.

تُظْهِرُ شخصيَّةُ زوجةِ فوطيفار عمقًا نفسيًّا من خلالِ تناقُضاتِها الداخليّةِ، فرغبَتُها الشهوانيَّةُ في يوسفَ تتعارَضُ معَ واجباتِها كزوجةٍ، ورفضُ يوسفَ لها يجعَلُها تواجِهُ شعورًا بالرَّفْضِ والإهانةِ، عَمَلٌ يدفَعُ بِها للإنتقامِ. هذا البُعْدُ النفسيُّ يضيفُ تعقيدًا إلى الشخصيَّةِ ويجعَلُها أكثرَ واقِعيَّةً.

تمثّلُ زوجةُ فوطيفار في النصِّ رمزًا للإغراءِ والخطيئةِ، فمواجَهَتُها معَ يوسفَ تُبرِزُ موضوعاتِ الأخلاقِ والنزاهةِ، حيثُ يظهَرُ نقاءُ يوسفَ واستقامَتُه في مواجَهةِ الفسادِ والإغراءِ، هذا التباينُ يعزِّزُ الرسالةَ الأخلاقيَّةَ لقِصَّةِ يوسف َويضيفُ إليها بُعدًا رمزيًا عميقًا.

وجودُ زوجةِ فوطيفار يزيدُ التوتُّرَ والصراعُ في النصِّ، فمحاولاتُها المستمِرَّةُ واصِرارُها على إغراءِ يوسفَ. تُظْهِرُ صراعًا داخليًا بين الواجبِ والرغبةِ، أحداثٌ تزيدُ الحبكةَ تعقيدًا ويبقى الجمهورُ في حالَةِ ترقُّبٍ.

الشخصيّاتُ المساعِدَة

تُعتبرُ هذه الشخصيّةُ في القصّةِ من الشخصيّاتِ المُسانِدَةِ (كومبارس) دراميًا وليستْ منَ الشخصيّاتِ الأساسيّةِ، الا انَّ وجودَها ضروريٌّ لسياقِ الأحداثِ في القصة وتطوّرِها.

تَمَّ إدخالُ رئيسِ السقاةِ الى السِّجنِ بعدَ ان غَضِبَ منه فرعونُ وكانَ يوسفُ في السِّجْنِ نفسهِ مَعَهُ ومعَ رئيسِ الخبّازينَ، فحلمَ رئيسُ السقاةِ حُلُمًا عن كَرْمةٍ فيها ثلاثةُ قضبانٍ اثمرَتْ عِنبًا ثمّ عصرَهُ في كأسِ فرعون. فَسَّرَ يوسفُ الحُلُمَ له بأنه سيعودُ الى مَنصِبهِ في غصونِ ثلاثةِ أيامٍ، وبعدَ ان تحقَّقَ الحُلُمُ وعادَ الى وظيفتهِ نَسِيَ أنْ يُخبِرَ فرعونَ بأمرِ يوسفَ، وبعدَ عامينِ حَلمَ فرعونُ حُلمًا غريبًا عَجِزَ الحُكماءُ والعلماءُ ومفسّرو الأحلامِ عن تفسيرِهِ فتذكَّرَ رئيسُ السقاةِ يوسفَ وأخبَر فرعونَ عنه.

تَحْمِلُ القصَّةُ بُعدًا سلبيًا لنكرانِ الجميلِ، فالقصّةُ تعكِسُ نوعًا من الخيانة: حيثُ وَعَدَ رئيسُ السقاةِ يوسُفَ بمساعدتهِ ولَكنَّهُ نَسِيَهُ بمجرّدِ عودتهِ الى مَنْصِبهِ، هذا يعكِسُ الطبيعةَ الإنسانيَّةَ المتمثِّلةَ في نسيانِ الجميلِ في أوقاتِ الرخاء.

إِن قصَّةَ رئيسِ السقاةِ تحمِلُ أيضًا بُعدًا إيجابيًا فَحُلُمُ فرعونَ والعَجْزُ عن تفسيرهِ من كبارِ المُفسّرينَ للأحلامِ كانَ بارِقَةَ أملٍ ليوسُفَ في السجنِ، فَرُغْمَ الخيانةِ والنسيانِ للجميلِ تمَّ تحقيقُ وعدِ يوسُفَ في النهايةِ.

تُظْهِرُ القِصَّةُ كيفَ أَنَّ الأفرادَ بإِمكانِهم أَنْ يتغيّروا بناءً على الظروفِ فرئيسُ السُّقاةِ تَحَّولَ مِنْ سجينٍ الى شَخْصٍ يَلْعَبُ دورًا مُهِمًّا في تغييرِ مصيرِ يوسُفَ.

يُفَسَّرُ تذكُّر رئيسِ السقاةِ ليوسُفَ على أَنَّهُ تَدَخُّلٌ الهيٌّ في توقيتٍ مناسِبٍ لتحقيقِ خُطةِ اللهِ، يظهَرُ ذلكَ في استخدامِ الله ِللأشخاصِ والأحداثِ لتحقيقِ مقاصِده.

يُمثِّلُ رئيسُ السقاةِ صورةً للتجارُبِ التي يمرُّ بها الإنسانُ، وكيفَ يمكِنُ ان تتحوَّلَ الصعوباتُ الى فرصٍ، كما يعكِسُ العدالةَ الإلهيَّةَ التي تأخذُ مجراها بطرقٍ غيرِ مُتَوَقَّعَةٍ.

بذلك تعكِسُ شخصيَّةُ رئيسُ السقاةِ في القصّةُ على الرَّغْم من صِغَرِ الدورِ ومحدوديَّتهِ، أَبعادًا رمزيَّةً مُتَعدِّدَةً تتراوَحُ بينَ الخيانَةِ والنسيانِ والحزن والفرحِ والتدخُّلِ الإلهيِّ والتجاربِ الإنسانيَّةِ يَجْعَلُها جزءًا من الرسالةِ الروحيّةِ والتاريخيَّةِ لِلقصَّةِ.

تُمَثِّلُ هذهِ الشخصيَّةُ عُنصرًا دراميًا مُهِمًّا يعكِسُ عَدَمَ اليقينِ في الحياةِ وقدرةَ اللِه على تغييرِ المساراتِ.

تتعمَّقُ القصَّةُ في شخصيَّةِ يوسُفَ كحالِمٍ ومفسِّرٍ للأحلامِ وتُبْرِزُ مواهِبَهُ وصَبْرَهُ. تُشَكّلُ شخصيَّةُ رئيسِ السقاةِ جزءًا لا يتجزّأ من قِصَّةِ يوسُفَ ما يُضيف إليها عُمقًا دراميًّا ومعانيَ اخلاقيّةً وروحيّةً غَنيَّةً.

تحمِلُ شخصيَّةُ رئيسِ الخبّازينَ في القصةِ أبعادًا دراميَّةً وروحيَّةً وأدبيَّةً غنيّةً، سنستعرضُ البعضَ منها:

يُمَثّلُ رئيسُ الخبّازينَ الجانبَ السلبيَّ في القصةِ حيثُ انتهى به الأمرُ الى الإعدامِ على عكسِ رئيسِ السقاةِ الذي تمَّ انقاذُه. يعكِسُ هذا الرمزُ مفهومَ العدالةِ والجزاءِ على الأفعالِ السّيِّئَةِ التي يُكْثِرُ منها الإنسانُ في حياتهِ فيتحمَّلُ جزاءَ ما اقترفَتْهُ يداه.

يُظهِرُ حلمُ رئيسِ الخبازينَ الذي فسَّرهُ يوسفُ مصيرَه المحتومَ بالإِعدامِ “كنتُ انا ايضًا في حُلُمي وإذا ثلاثُ سلالٍ بيضاءَ على رأسي وفي السَّلةِ العليا من جميعِ طعامِ فِرْعَوْن من صنيعِ الخبّازِ والطيورُ تأكلُه من السلَّةِ على رأسي” فأجاب يوسفُ وقال “هذا تعبيرُه السلال الثلاثُ هي ثلاثةُ ايامٍ في ثلاثةِ ايام أيضًا، يرفَعُ فرعونُ رأسَك عنكَ ويعَلّقُكَ على خشبَةٍ وتأكلُ الطيورُ لحمَكَ عنك” (تك40: 16/19)[18] جاءَ تفسيرُ يوسُفَ للحُلُمِ مصدرَ قَلَقٍ وخوفٍ قد يشعرُ به الإنسانُ تجاهَ مستقبلهِ ومصيرهِ.

بينما نجا رئيسُ السقاةِ، قُضِيَ على رئيسِ الخبّازينَ. حدثانِ يبرزانِ التناقضَ بين الفرجِ والهلاكِ، وكيفَ يمكِنُ أن تتباينَ مصائِرُ الأشخاصِ في الظروفِ نفْسِها.

وجودُ رئيسِ الخبازينَ مَع يوسفَ في السجنِ ورئيسِ السقاةِ، يضيفُ عنصرًا من التشويق والتوتّر. حُلُمُهُ وتفسيرُ يوسفَ له يَحْمِلانِ مشاعِرَ متناقِضَةً بين الأملِ واليأسِ ما يعزِّزُ حِدَّةَ التوتُّرِ الدراميِّ.

تتبايَنُ النهايةُ المأساوِيَّةُ لرئيسِ الخبّازينَ معَ رئيسِ السُّقاةِ الذي عادَ الى مَنْصِبه، هذا التباينُ يعزِّزُ من تأثيرِ القصةِ على القارئ والمُشاهِدِ، حيثُ يبرُزُ كيفَ يُمكِنُ ان تكونَ المصائِرُ مختلِفَةً بشكلِ كبيرٍ رغمَ تشابُهِ الظروفِ.

حُلُمُ رئيسِ الخبازينَ الذي تنبّأ بهِ يوسف بمصيرهِ المحتومِ، يُقَدّمُ نظرةً عميقةَ للخوفِ والقلقِ الذي يواجِههُ الإنسانُ تجاهَ مستقبَلهِ المجهولِ.

نهايةُ رئيسِ الخبّازينِ المأساويَّةُ تضيفُ بُعدًا دراميًا مأساويًا على القِصَّةِ، إعدامُهُ وتعليقُ جَسدِه يُمثّلانِ الذروةَ في القصَّةِ ويعكسانِ الطبيعةَ القاسِيَة للعدالةِ في ذلكَ الوقتِ ما يزيدُ من تأثيرِ القِصَّةِ بشكلٍ عامٍ.

تفاعُلْ يوسُفَ مَعَ شخصيَّةِ رئيسِ الخبازينَ وتفسيرُه لحلُمِه حَدَثٌ يساهِمُ في تطويرِ شخصيَّةِ يوسفَ كحالِمٍ ومفَسِّرٍ للأحلامِ، ما يُمهِّدُ الطريقُ لدورهِ الأكبرِ في تفسيرِ حُلُم فِرعونَ لاحقًا.

تَحْمِلُ القِصَّةُ في طيّاتِها درسًا أَخْلاقِيًا عنِ العدالةِ والجزاءِ آنذاك، حيثُ إِنَّ النهايةَ المأساويةَ لرئيسِ الخبّازينَ تُبرِزُ فِكْرةَ أَنَّ الأعمالَ لها عواقِبُ وأنَّ العدالةَ ستَتَحَقَّقُ في النهايةِ.

تَحْمِلُ شخصيَّةُ فرعونَ في القِصَّةِ على الرغْمِ مِنْ صِغَرِ دَوْرِها الكثيرَ من الأبعادِ الرمزيَّةِ وَتُمَثّلُ مجموعَةً مُعقّدَةً من الرموزِ التي تتداخَلُ في سياقِ القِصَّةِ لتعكِسَ معانيَ مُتَعَدِّدَةً تتعلَّقُ بالسلطةِ والحِكْمَةِ والعدالةِ والاستقرارِ والإنفتاحِ والالوهيّةِ. هذه أُمورٌ يُمكِنُ تحليلُها على مستوياتٍ عديدةٍ.

  1. السلطةُ والحُكْمُ

يُمثِّلُ فرعونُ في القصّةِ رمزًا للسلطةِ المُطلقةِ والحكمِ المركزيِّ، فبيَدِه حياةُ وموتُ الناسِ، فهو الحاكِمُ بأمره، لديهِ القدرةُ على اتخاذِ قراراتٍ تؤثِّرُ على مصائِرِ الناسِ وتعكِسُ مدى سُلطتهِ وقوّتِه.

يَظْهَرُ فرعونُ في النَّصِّ كشخصيَّةٍ حكيمَةٍ من خلالِ تعيينِ يوسُفَ لإدارةِ أَزمةِ المَجاعَةِ بعدَ تفسيرهِ المُقْنِعِ للحُلمِ الذي كانَ فرعونُ قد حَلِمَهُ. هذا التصرفُ يُظهر قدرةَ القادةِ على التعرُّفِ إلى مواهِب الآخرينَ واستخدامِها لصالحِ المجتمَع.

تمكَّنَتْ مِصْرُ بفضلِ حِكْمةِ يوسُفَ وإدارتهِ الجيِّدةِ للأزمةِ انْ تتجاوَزَ سنواتِ الجَفافِ والمجاعةِ، عَمَلٌ عزَّزَ صورةَ فرعونَ كراعٍ للأُمّةٍ يسعى الى تحقيقِ الإزدهارِ والاستقرارِ لشعبهِ.

يُشيرُ قبولَ فرعونَ لشخصٍ أجنَبِيّ (يوسف) في مَنْصِبٍ رفيعٍ في دولتهِ الى مُرونَتِهِ وانفتاحهِ على الأفكارِ الجديدةِ والتغييرِ، ما يُعدُّ مِثالاً للتعايُشِ وقَبولِ الآخَرِ.

كانَ في السياقِ الثقافيِّ والدينيِّ لِمصْرِ القديمةِ، يُعْتَبَرُ فرعونُ كائنًا شبهَ إلهيِّ. هذا بُعْدٌ يضيف طبقَةً من القداسَةِ والرهبةِ إلى شخصيَّتهِ، ما يعكِسُ نظرةَ المجتمَعِ المصريِّ القديمِ لملوكِه وساداتهِ.

تمتازُ شخصيَّةُ فرعونَ في النصِ بتعقيدٍ أدبيِّ ودراميِّ يضيفُ غِنىً الى غنى الروايةِ ويجعَلُها مُثيرةُ للإهتمامِ على مستوياتٍ متعدَّدَةٍ، كالأبعادِ الدراميّةِ والأدبيَّةِ للشخصيَّةِ.

  1. التغييرُ والتطُّورُ الشخصيُّ

يَظْهَرُ فرعونُ في بدايةِ القصّةِ كشخصيّةٍ قويِةٍ ومسيطرةٍ، تعاني أزمةً تتطلَّبُ حلولاً عاجِلَةً تفسيرًا لحُلُمهِ.

رأى فرعونُ في حُلُمِه الأَوّلِ سبعَ بقراتٍ سمينةٍ تَخْرُجُ من النهرِ وتأكُلُ من العشبِ، ثم رأى سبعَ بقراتٍ هزيلةٍ وقبيحةٍ تخرُجُ بَعْدَهُنَّ من النَّهْرِ وَتَقِفُ بجانبِهنّ، فجأة بدأتِ البقراتُ الهزيلةُ بأكلِ البقراتِ الثمينةِ.

رأى فرعونُ في حُلمهِ الثاني سنابلَ ممتلئةً وجميلةً تَنمو في ساقٍ واحدةٍ، ثم رأى سبْعَ سنابِلَ رقيقةٍ وَمُحْتَرِقَةٍ بالريحِ الشرقيّةِ تنبُتُ بَعْدَهُنَّ، وفجأةً ابتلعَتِ السنابِلَ الرقيقةَ الممتلئةَ.

“وحدثَ في السنةِ الثانيةِ من سبعينَ فرعونَ أنه حَلم أنه واقِفٌ عندَ النهرِ، وهوذا سبْعُ بقراتٍ صاعداتٍ من النهرِ حسنَةِ المنظرِ وثمينةِ اللحمِ فارتَعَتْ في روضةٍ وهوذا سبْعُ بقراتٍ أخرى صاعدةٍ وراءَها من النهر قبيحةَ المنظرِ وهزيلةَ اللحمِ فوقَفَتْ بجانبِ البقراتِ الأولى على شاطئ النهرِ.

فالتهَمَتِ البقراتُ القبيحَةُ المنظرِ والهزيلةُ اللحمِ البقراتِ السبعَ الحسنةَ المَنْظَرِ والثمينةَ فاستيقَظ فرعونُ.

“ثم نام فَحَلم ثانيةً وهوذا سبْعُ سنابِلَ سَمينةٍ وجيِّدةِ النموِّ ثابتةٍ في ساقٍ السنابلِ الرقيقةِ السَّبع فاستيقظ فرعونُ. يَظهَرُ تطوُّرُ شخصيّةِ فرعونَ وإذا هو حلم” (تك 41/ 1 – 7). عندما يعترفُ هذا الكائنُ الشبهُ الإلهيّ. أمامَ شعبهِ بقدرةِ يوسفَ الفائقةِ، سَجينٌ بجرمٍ لم يقترِفْهُ، فإذا به يغيِّرُ مصيرَ ذلكَ الشابِّ المُلْهَمِ ويعطيهِ سُلطةً كبيرةً لحلِّ الأزمةِ التي تكلَّمَ عنها في تفسيرهِ للحُلُمِ، ما يَدُلُّ على مرونَةِ فرعونَ وقدرَتهِ على التكيُّفِ معَ الأوضاعِ المتغيّرةِ.

الصراعُ الداخليُّ والخارجيُّ

يواجِهُ فرعونُ تحدِّياتٍ كبيرةً تتعلّقُ بالمجاعَةِ التي هدَّدَتِ الشعبَ.  هذا الصراعُ الخارجيُّ يُبرِزُ جوانِبَ دراميّةً يسعى اليها فرعونُ للحفاظِ على استقرارِ مملكَتهِ.

وَيَظْهَرُ الصراعُ الداخليُّ في لحظاتِ اتخاذِ القرارِ عندما يعتَمِدُ على شخصٍ غيرِ مِصْرِيٍّ (يوسف) في قضيةٍ حيويَّةٍ ما يعكِسُ ثقتَهُ وحكمَتَهُ
في إدارةِ الحُكمِ.

  1. الدور الموجّه والمُيَسَّرُ للأحداث

يتجاوَزَ دورُ فرعونَ كونَهُ حاكِمًا ليصبِحَ موجِّهًا وميسِّرًا للأحداثِ. منْ خلالِ قراراتهِ، يتمكَّنُ يوسفُ من تنفيذِ خُطَطِه التي تُنقِذُ مِصْرَ من المَجاعَةِ، ما يجعَلُ من شخصيَّةِ فرعونَ عنصرًا محوريًا في تحقيقِ النهايةِ السعيدةِ للقصةِ.

يُمثِّلُ فرعونُ الثقافةَ المصريةَ القديمةَ بقوَّتِها وعظمَتِها، فدورُ هذهِ الشخصيةِ يُعزِّزُ الشعورَ بالرَّهبةِ والعَظمةِ المرتبطِة بالحضارةِ المِصريَّةِ القديمةِ.

ومن الناحيةِ الأدبيّةِ يُمكنُ رؤيةُ فرعونَ كرمزِ للأُلوهيَّةِ والسلطةِ المُطلقَةِ ما يُضيفُ طبقَةً من العُمْقِ الفلسفيِّ والدينيِّ إلى القِصَّةِ.

تَكْشِفُ تفاعلاتُ فرعونَ معَ يوسفَ ومَع مسؤولي البَلاطِ، عَنْ جوانِبَ انسانيّةٍ في شخصيَّتهِ مثلِ الثّقةِ والحكمةِ والتعاطفِ، هذه العلاقاتُ تضيفُ عمقًا دراميًا وتساعِدُ على بناءِ الحَبْكَةِ بشكلٍ متينٍ.

تتمتَّعُ شخصيَّةُ فرعونَ بكاريزما قويّةٍ وحضورٍ طاغٍ يفرضُ الإحترامَ والإجلالَ، ما يعزِّزُ الجانبَ الدراميَّ للشخصيَّةِ ويجعَلُ كلَّ ظهورٍ له في القصةِ مَحَطَّ أنظارٍ.

بعدَ دراستِنا الدراميّةِ والأدبيّةِ والرمزيّةِ للشخصيّاتِ في القصةِ، نتابِعُ تحليلَنا الدراميَّ للنصِّ ونَنتقِلُ الى التحوُّلاتِ المفاجِئَةِ فيه.

التحوّلاتُ المفاجِئَةُ في القِصَّةِ

تتضمَّنُ القِصَّةُ العديدَ من التحوُّلاتِ المفاجئةِ التي تزيدُ من الدراما والإثارة:

  • محاولةُ قتلِ يوسفَ ثُمَّ بيعُه كَعَبْدٍ
  • شراءُ فوطيفارَ ليوسُفَ وتكريمُ هذا الأخيرِ في بيتِ سيّدهِ
  • افتراءُ زوجةِ فوطيفار على يوسفَ وسجْنُه
  • يوسُفُ في السّجنِ وتفسيرُه لمنامَي رئيسِ الخبّازين ورئيسِ السُّقاةِ
  • تفسيرُ يوسفَ لمنامِ فرعونَ
  • خروجُ يوسفَ من السجنِ ومكافأةُ فرعونَ له
  • صعودُ يوسفَ الى مَنْصِب نائبِ فرعونَ ووضْعُ خاتَم فِرعونَ في يدهِ
  • لقاءُ يوسفَ معَ إخوتهِ وسجودُهم لهُ وتحقيقُ الحُلُمِ الذي كانَ قد رآهُ
  • اِتّهامُ يوسفَ لإخوتهِ بالجاسوسيَّةِ وَحَبْسُه لشمعونَ الى أن يأتوا ببنيامينَ
  • وَعْدُ راوبين لأبيهِ بأَنَّه سيأخُذ بنيامينَ ويعودُ به إليهِ حيًا
  • لقاءُ يوسفَ مع بنيامينَ واختلاجُ قلبهِ
  • وجودُ الطاسِ في عَدْلِ بنيامينَ
  • بكاءُ يوسفَ أمامَ إخوتهِ واعترافُه بأَنّهُ أخوهم
  • دعوةُ فرعونَ عائلةَ يوسفَ للمجيءِ الى مِصْر وإكرأمُ أفرادِها
  • نزولُ يعقوبَ الى مِصْرَ هو “وبنوه وبنو بنيه معه وبناته وبنات بنيهِ وكلُّ نسلهِ جاءَ بِهم مَعَهُ الى مِصْرِ” (تك 45/6)[21]
  • لقاءُ يعقوبَ معَ فرعونَ

لحظاتُ الخوف ِوالتوترِ في سياقِ عَرْضِ القصَّةِ[22]

لحظاتٌ من الخوفِ والتوتُّرِ

تَظْهَرُ بينَ الشخصيّاتِ وعلاقَتِها فيما بينهَا.

موقِفٌ أثارَ الغضبَ والخوفَ والتوتُّرَ والكراهيةَ. وأدّى الى تصاعُدِ حِدّةِ التوتّرِ بينَ يوسفَ وإخوتهِ. “فها نحن حازمون حزمًا في الحقلِ وإذا حزمتي قامت وانتصبت فاحتاطت حزمكم وسجدت لحزمتي، فقال له اخوته ألعلّك تملك علينا ملكًا أم تتسلّط علينا تسلطًا” (تك 37/ 7 – 8).

عندما قرّرَ إخوةُ يوسُفُ التخلّصَ منه، خوفًا من أن يتحقَّقَ الحُلُمُ ويصبِحَ يوسفُ أخاهم الأصغرَ سيدًا عليهم، فخوفُهم وغيرتُهم منه حَملاهُم على بيعهِ “فقالَ يهوذا لإخوتهِ ما الفائدةُ أن نقتُلَ أخانا ونُخفيَ دمَه، تعالوا نبيعُه للإسماعيليينَ” (تك 37 / 26)، إلا أنَّ الخوفَ والتوتُّر لم يقفا عندَ بيعِ يوسفَ بل رافقاهُمُ القِصَّةَ كُلَّها.

حينَ حاولَ اخوتُهُ قتلَه: “فلمّا أبصروه من بعيدٍ قبلما اقتربَ اليهم احتالوا له ليميتوه، فقال بعضُهم لبعضٍ هوذا هذا صاحبُ الأحلامِ قادمٌ فالآن هَلُمَّ نقتله ونطرحه في إِحدى الآبارِ ونقولُ وحشٌ رديءٌ اكلهُ” (تك 37 / 18- 20).

“واجتازَ رجالُ مديانيون تجار فسحبوا يوسفَ واصعدوه من البئرِ وباعوا يوسفَ للإسماعيليين بعشرينَ من الفِضَّةِ” (تك 37 / 28).

 “أما يوسفُ فَأُنْزِلَ الى مِصْرَ واشتراهُ فوطيفار خِصيُّ فرعونَ ورئيسَ الشرطة رجلٌ مِصريُّ من يدِ الاسماعيليين الذين انزلوهُ الى هناك” (تك 39/ 1-2).

 فلجأوا الى الكَذِبِ “فأخذوا القميصَ وذبحوا تيسًا من المعزى وغمَسوا القميصَ في الدم وأرسلوا القميصَ المُلَوَّنَ واحضروه الى ابيهم وقالوا وَجَدْنا هذا. حَقِّقْ أقميصُ ابنِك هو أم لا (تك 37/ 31- 33).

 ” وحدثَ بعدَ هذهِ الامورِ ان امرأةَ سيْدهِ رفعتْ عينيها الى يوسفَ وقالت اضطجِع معي فأبى” (تك 39/ 7- 8).

“فكانَ لما سَمِعَ سيِّدهُ كلامَ امرأتهِ الذي كَلَّمَتْه به قائلةً “كذا صَنَعَ بي خادِمُكَ، غضَبَ عليهِ غَضبًا فأخَذَ يوسفَ سيِّدهُ ووضَعه في بيتِ السجنِ المكانِ الذي كانَ أسرى الملكِ محبوسينَ فيه وكان هناك في بيتِ السجنِ” (تك 39/ 19- 20).

 “فتذكَّرَ يوسفُ الأحلامَ التي حلم عنهم وقال لهم” جواسيسُ أنتم لتروا عودة الأرض جئتمُ” (تك 42/ 9 – 10).

“وإذا كانوا يُفرغون عدالهم إذا صُرَّةُ فضةٍ كلُّ واحدٍ في عدلِه فلما رأوا صرر فِضَّتِهم هم وأبوهم خافوا” (تك 42/ 35).

“فقالَ لنا عبدك ابي: أنتم تعلمون ان امرأتي ولدت لي اثنين فخرج الواحدُ من عندي وقلت، انما هو قد افْتِرُسَ افتراسًا ولِم انظره الى الآن فاذا اخذتم هذا ايضًا من امام وجهي واصابته اذية تنزلون شيبتي بِشرٍّ الى الهاوية” (تك 44/ 27- 29).

“فرفَع عينيه ونظرَ بنيامينُ اخاه ابن امه وقالَ أهذا أخوكُم الصغيرُ الذي قلتُم لي عنه، ثم قالَ اللهُ ينعم عليك يا ابني واستعجل يوسفُ لأن احشاءَه حنَّت لأخيه وطلبَ مكانًا ليبكيَ فدخل المخدعَ وبكى هناك (تك 43/ 29- 30).

حتّى وإِنْ لم يُذْكَرْ في النصِّ الا أنَّ هذهِ اللحظةَ مليئةٌ بالخوفِ والتوترِ.

خوف يعقوب

“لا ينزل ابني (بنيامين)معكم لأن أخاه قد ماتَ وهو باقِ، فإن اصابَتْهُ أذيَّةٌ في الطريقِ التي تذهبون فيها تنزلونَ شيبتي بحزنٍ الى الهاوية” (تك 42/38).

المسرحَةُ في قِصَّةِ يوسفَ[24]

ان قِصَّةَ يوسفَ هي مسرحيَّةٌ بكلِّ ما للكلمةِ من مَعْنى، تحمِلُ في عناصِرِها كُلَّ مُقوّماتِ المسرحِ الناجحِ. صراعٌ بينَ الخيرِ والشّرِ وانتصارٌ الخيرِ في النهاية ِبعد التجارِبِ. هذا بالإضافةِ الى بعضِ الجوانبِ المُهِمَّةِ التي تدعَمُ هذا الإستنتاجَ:

  1. شخصيّاتٌ قَوِيَّةٌ ومتعدِّدَة:

تحتوي القِصَّةُ على مجموعَةٍ كبيرةٍ ومُتَنَوّعةٍ من الشخصيّاتِ الموجودَةِ في عالَمِ الواقِع كُلٌّ منها له دورٌ متميِّزٌ في تَقَدُّمِ الحَبْكَةِ الدرامية.

تتضمَّنُ القِصَّةُ عدةَ مفاجآتٍ ومفارقاتٍ وتطوراتٍ في الحبكةِ كبيعِ يوسفَ، وسجنهِ. الى اكتشافِ هويّتهِ في النهايةِ. أحداثٌ تخلُق توترًا وحماسًا لمعرفةِ ما سيحُدث في النهايةِ.

تَتَنوَّعُ العلاقاتُ بينَ الشخصيّاتِ ما بينَ الحُبِّ والكرُاهيةِ والغَيْرةِ والانتقامِ، ما يزيدُ من التوتُّرِ العاطفيِّ ويعزِّزُ الصراعاتِ التي تُشَكِّل جوهرَ المسرحيّةِ.

تحتوي القِصَّةُ على عددٍ كبيرِ من الرموزِ والرمزيّاتِ مثلِ القميصِ المُلوَّنِ والأحلامِ التي تتنبأ بمستقبلِ يوسفَ، ما يُضيف طبقَةً اخرى من العُمْقِ والتعقيدِ في الحبكَةِ.

على الرغمِ من أَنَّ القِصَّة تحتوي على جوانِبَ دراميّةٍ ومثيرةٍ إلا أنّها تحمِلُ في طيّاتِها العديدَ من الدروسِ الاخلاقيّةِ والروحيّةِ ما يُضيف أبعادًا إضافيَّةً تتجاوَزُ مُجَرَّدَ الحبكةِ الدراميَّةِ من هذه الدروسِ الاخلاقيّةِ.

الغفرانُ والتسامُح

على الرَّغْمِ من الظُّلمِ الذي تعرَّضَ له يوسفُ من قِبَل إخوتَه، نراه في النهايَةِ يَغْفِر لَهُمْ ويسامِحُهم ويعفو عنهم، يبرُز في هذا الدرسِ الروحيِّ القوةُ الناتِجَةُ عن الغفرانِ والتسامحِ كيفَ انها تُساعِدُ على تحقيقِ السلامِ الداخليِّ والوئامِ بينَ الناسِ[25].

لحظاتُ العاطفةِ

  1. لحظةُ بيعِ يوسفَ مِنْ إخوَتهِ:

عندما قرّروا بيعهَ الى التّجارِ، كانَتْ لحظةَ الخيانةِ والظلمِ تجاهَ شقيِقهم.

فبينَ الحقيقةِ والخيالِ حَمَلَ ثوبَهُ الملوَّنَ الذي ألبَسهُ إياه فخرًا، ثوبًا “ملطّخًا بدماءٍ مزيَّفٍ من صنيعَةِ مَكْرِ الإخوةِ الحاسدينَ لأخيهم.

 بعدَ أَنْ ألقى فوطيفارُ بيوسفَ في السجنِ ظُلمًا كانَتْ هناك لحظاتٌ من الوحدَةِ والإكتئابِ والعاطفةِ والشوقِ الى والدهِ الذي أَحَبَّهُ وحتّى الى إخوتهِ الذين غدروا به وباعوه غيرةً وحسدًا وظلمًا، ففي لحظاتِ الوحدةِ والإكتئابِ كانَ دائمًا هناكَ الإنتظارُ لرفعِ الضَّيمَ والخلاصِ ولهذا كانَتْ يدُ الربِّ مَعُه في السِّجْنِ ومهما فَعَلَ كان الربُّ يُنْجِحُه.

كانَتْ لحظةً مليئة بالعاطفةِ والعَتَبِ، ونستطيعُ ان نقرأَ بينَ السطورِ شوقَهُ إليهم، فكيفَ كانَ يذهبُ عنهُم ليبكِيَ شوقَه لهم ويعودَ إليهم متظاهِرًا بالقوَّةِ، مُتَّهِمًا اياهم بالجاسوسيَّةِ لكي يَصِلَ الى خاتمةٍ سعيدةٍ مليئةٍ بالعاطفةِ بلقائهِ أخيهِ ابنِ أمهِ بنيامين، وَلَمَّ الشملِ بذهابِ الوالدِ والعائلةِ الى مِصْرَ.

لحظةٌ مليئةٌ بالمشاعرِ والأحاسيسِ المُرْهَفَةِ عندَ الطرفينِ مَعَ الكثيرِ من التعجُّبِ والإندهاشِ عندَ الإخوة. عاطفةٌ لَمْ تَمْنَعِ الدموعَ من أَنْ تَنْهَمِرَ على وَجناتِ اشتاقَتْ لقُبلةِ الاعزّاءِ.

إِنَّ يوسفَ ما زال حيًا. “وأخبروه قائلينَ يوسفُ حيٌّ بعدُ، وهو متسلِّطٌ على أرضِ مِصْرَ فجمَد قلبُه لانه لم يُصَدِّقْهمُ” (تك 45/ 26) بينَ الصدمةِ والفَرْحَةِ والعاطفةِ توقَّفَتْ لغةُ الكلامِ عندَ يعقوبَ الى ان استوعَب حالَ الصدمةِ والخبرِ الذي يَزفّونه اليه، ولَكِنْ بينَ تصديقِ الخبرِ وعَدَمِ تصديقهِ، راحَتْ أفكارُ يعقوبَ تَعيشُ أَحداثَ القِصَّةِ من أَوَّلِها منذُ لحظةِ اختيارِه ليوسُفَ وَحَسَدِ إخوتهِ وبيعِهم له والقميصِ المطليِّ بالدمِ المزيَّفِ الى خَبَرِ موتهِ وخبرِ أنَّهُ مازال حيًا. احداثٌ تحمِلُ في طيَّاتِها لحظاتٍ عاطفيّةً، وبينَ الحقيقةِ والخيالِ استعَملَتِ العاطفةُ قلبَ ذلك الوالدِ المكسورِ على موتِ حبيبهِ، وسَقطَتْ لغةُ الغَدْرِ وانتَصرَ الحقُّ على الباطلِ والمستحيلُ عندَ الناسِ غيرُ مستحيلٍ عِنْدَ اللهِ.

فَتَحَقَّقَ (يعقوبُ من قميصِ يوسُفَ) وقالَ قميصُ ابني وَحْشٌ رديءٌ افترسَ يوسُفَ افتراسًا فَمَزَّقَ يعقوبُ ثيابَه ووضَعَ مِسْحًا على حَقَويْهِ وناح على ابنهِ ايامًا كثيرة (تك 37/ 33- 34).

لكنَّ الربَّ كانَ معَ يوسفَ وبسَطَ اليه لطفًا، وجعلَ نعمةً له في عيني رئيس بيتِ السجنِ فدفعَ رئيسُ بيتِ السجنِ الى يَدِ يوسفَ جميعَ الأسرى الذين في بيتِ السجنِ وكلُّ ما كانوا يعملونَ هناك كانَ هو العاملَ، ولمْ يَكُنْ رئيسُ سيّدِ الزمانِ بيتِ السجنِ ينظرُ شيئًا البتة مِمّا في يدهِ لأنَّ الربَّ كان معه ومهما صنَعَ كانَ الربُّ يُنجحه” (تك 39/ 21- 23).

ثم وَقَعَ على عُنُقِ بنيامينَ أخيهِ وبَكى، وبكى بنيامينُ على عُنقِه، وقبَّلَ جميعَ إخوتهِ وبكى وبعد ذلك تكلَّم إخوتُه معه” (تك 45/1).

يَظْهَرُ في القِصَّةِ صبرُ يوسفَ في خلالِ محْنَتِهِ، سواءٌ عندما تَمَّ بيعُه كَعَبدٍ وعندما وُضِعَ في السجنِ فَلمْ يتكَدَّرْ ولم يشْكُ، بل سَلَّمَ أمرهُ للهِ. هو في مثالهِ يُعلِّم المُشاهِدَ او القارئَ او المستَمِعَ من خلالِ هذه التجربةِ اهميَّةَ الثقةِ باللهِ والصبرِ في مواجَهةِ الصعابِ.

يُوضِحُ يوسفُ عندما يصبِحُ مستشارًا للملكِ أَنَّ النجاحَ والقوةَ لا يأتيانِ إلا بالوفاءِ للهِ وشُكْرِه على النِّعَمِ التي يَمْنَحُها.

تَظْهَرُ توبَةُ إخْوةِ يوسفَ وندمُهم العميقُ على ما فعلوه بأخيهم وكيفَ ان العودَةَ الى الله والإعترافِ بالأخطاءِ يؤدّيان الى المغفرة والتجدُّدِ الروحيِّ عند الإنسان.

يبرزُ العَدْلُ والشفقَةُ في قِصَّةِ يوسفَ في التعامُلِ معَ الآخرينَ سواءٌ كانوا اقرباءَ او غُرباءَ وكيف أنهما يُشَكِّلانِ أساسًا للتعايُشِ السِّلْمِيِّ والمجتمعاتِ المُزْدَهِرَة[26].

انطلاقًا مِمّا تقدّمَ بعدَ دراستِنا للقصَّةِ، نستطيعُ أن نستَنْتِجَ أنَّ الدراما بمقوِّماتِها موجودَةٌ في هذهِ القِصَّة البيبليَّة، انطلاقًا من الأحداثِ والحبْكَةِ المتكاملةِ، والتبايناتِ العاطفيةِ، من الحُبِّ والغَيرةِ والخيانةِ والغفرانِ، تَبايُنٌ خَلَقَ مواقِفَ مشحونةً بالعواطفِ لجذْبِ المشاهدينَ، وصولاً الى النهايةِ السعيدةِ ورمزيّتِها الأخلاقيّةِ في عالَمِنا اليومَ. قِصَّةٌ وضِعَتْ على خَشَبَةِ المسرَحِ في بلدانٍ عديدةٍ وبلغاتٍ مختلفةٍ إحدى أشْهَرِ المسرحيّات “Joseph and the amazing technicolor Dreamcoat” هي مسرحيَّةٌ استعراضيَّةٌ من تأليفِ Andrew Lloyd Webber and Time Rice، قُدِّمَتْ هذه المسرحيَّةُ لأوّلِ مرّةٍ في لندن عام 1968 ولاقَتْ نجاحًا كبيرًا على مستوى العالم، حيثُ تَمَّ عرضُها في العديدِ منَ البلدانِ واللغاتِ، منها الإنكليزيةُ والإسبانيَّةُ والإلمانيَّةُ وحتى اليابانيّة[27].

كما في الغَرْبِ كذلك في الشرق، قُدّمَتْ مسرحيَّةُ يوسفَ كمسرحيَّةٍ باللغة العربيّةِ في العديدِ من المناسباتِ، ومنْ بينِ أشهرِ العروضِ المسرحيَّةِ كانَ عرضُ “يوسف” كتَبها يوسفُ الصائغ وتناوَل القِصَّةَ بشكلٍ دراميِّ وشاملٍ مُسْتَعْرِضًا حياةَ يوسُفَ منذُ طفولتهِ حتّى وصولهِ الى مكانَةٍ رفيعَةٍ في مِصْرَ.

تستنِدُ هذه المسرحيَّاتُ كما ذَكَرْنا الى الأحداثِ الدراميّةِ في قصَّةِ يوسفَ، مثلِ الغيرةِ بينَ الإخوةِ، الخيانةِ، الصعودِ من العبوديّةِ الى السلطةِ والمصالحَةِ النهائيةِ مع العائلةِ أحداثٌ متتاليةٌ مصحوبَةٌ بنهايةٍ سعيدةٍ جَعَلَتْها مادَّةً غَنيَّةً للإنتاجِ المسرحيِّ[28].

كما عُرِضَتْ مسرحيّةُ “عنوان التوفيقِ في قِصَّةِ يوسف الصَدِّيق” التي كتبها تادرس وهبي عام 1885، تُعْتَبَرُ هذه المسرحيَّةُ من الأعمالِ المُبكِرَةِ في مَصْرَ التي عَرَضَتْ قصةَ يوسفَ وتناوَلَتِ الأحداثَ الدراميَّةَ في حياتهِ[29].

في الختامِ،

إذْ تَنطوي صفحةُ تَأمُّلِنا في سيرةِ يُوسُف، لا يمكنُنا أنْ نَمُرَّ عليها كصفحةٍ تاريخيَّةٍ فحسب، بل كأرضٍ خِصبةٍ تتجلّى فيها مَسرَحةُ العِنايةِ الإلهيَّةِ في أبهى صُوَرِها. لقد بدأ يُوسُف على المَسرحِ الإلهيّ، أشبهَ بحبَّةِ القَمحِ التي لا تُثمِرُ إلّا بعد أن تُدفَنَ في التُّراب، تُسحَقُ وتُنسى، ثمّ تَبزُغُ خضراءَ من رحمِ الألم.

هُنا نجدُ عنصرًا مَسرحيًّا قلّما تُطرَحُ قراءتُه: “الحركةُ السَّماويَّة”، حيثُ الزَّمنُ في النَّصِّ ليس خَطًّا مستقيمًا، بل حركةً حَلَزونيَّةً تَرفعُ البطلَ من الجُبِّ إلى العرش، ومن العرشِ إلى المصالحة، في ديناميَّةٍ لا يتحكَّمُ فيها إلّا اللهُ وحده.

ثمَّةَ عُنْصُرٌ آخرُ أكثرُ عُمقًا، هو الصَّمتُ المَسرحيُّ؛ فسكوتُ يُوسُفَ أمامَ إخوته في لحظاتِ الكَشف، ليسَ نَقصًا بل دِراما مُكتَنَزَة، يكادُ فيها الصَّمتُ يُصرَخ. إنَّ الصَّمتَ الذي يَسبقُ البَوح، هو ذاته الذي يجعلُ المسرحَ الحقيقيّ في قلبِ الإنسان، لا على خشبةِ العالم.

ويَغيبُ عن كثيرين أنَّ يُوسُف ليسَ فقط صورةَ المسيحِ الذي بيعَ بثلاثينَ من الفِضَّة، ويغفرُ لصالِبيه، بل هو أيضًا صورةُ الكنيسةِ التي تعبُرُ ليلَ التَّجارِب، وتَنزِفُ من خياناتِ أبنائها، وتَسيرُ في تيهِ الصَّمتِ، وتُواجِهُ عطشَ الأزمنةِ القاسية، لكنَّها تبقى حاملةً سِرَّ الرَّجاءِ في طيّاتِ جِراحِها.

إنَّ نصَّ يُوسُف، ليسَ مجرَّدَ رواية، بل “إيقاعُ الوُجود” نَفسُه، يُقدَّمُ لنا عبرَ فُصولٍ دِراميَّة، حيثُ كلُّ حدثٍ هو لحنٌ، وكلُّ ألمٍ هو وَحي، وكلُّ انتظارٍ هو نَغَمٌ موسيقيّ، يتردَّدُ صَداُه حتى مَجيءِ المُخلِّص.

مِن هُنا نُنهي دراستَنا وقد فَهِمْنا أنَّ النَّصَّ التَّوراتِيّ ليسَ مادَّةً سَرْديَّةً وحسب، بل هو خَشبةٌ يَقِفُ عليها الإنسانُ بينَ جُرحِ الخِيانةِ ومجدِ القيامة، بين ظُلمةِ الجُبِّ ونورِ المُصالحة، في مشهدٍ لا يُختَتَمُ أبدًا، بل يَستمرُّ إلى الأبدِ في صلواتِ المؤمنين، وفي مَسرَحةِ حياةِ الإنسان.

بعدَ أنْ عبَرْنا صحراءَ الألم، ورأينا من خلالِ يُوسُفَ كيفَ يَصنَعُ اللهُ من الخيانةِ خَلاصًا، ومن الجراحِ قيامة، نَقِفُ أمامَ مشهدٍ آخرَ في سفرِ الحياة: مشهدِ المُواجَهةِ بين داودَ وجُولْيات. لا نَقِفُ هنا أمامَ مجرَّدِ معركةٍ جسديَّةٍ بين شابٍّ راعٍ، وعملاقٍ مُحارِب، بل أمامَ لوحةٍ مسرحيَّةٍ كونيَّة، تتصارَعُ فيها القُوَّةُ الظَّاهِرة، والحَقُّ الخفيّ، بين الجَبَروتِ المادّيّ، وصوتِ الرُّوحِ الهادئِ الواثق.

يَظنُّ الكثيرونَ أنَّ النَّصَّ يدورُ حولَ شجاعةِ داود، أو حولَ انتصارِ الضَّعيفِ على القويّ، لكنَّ القراءةَ العَميقةَ تَكشفُ عن عنصرٍ مسرحيٍّ نادرٍ، ألا وهو “دِراما التَّفاوُتِ الوجوديّ”. فداودُ لا يَدخُلُ إلى ساحةِ القتالِ بسِلاحِه بل بفراغِه. جُولْياتُ مُدَجَّجٌ بكلِّ شيء، وداودُ مُجرَّدٌ من كلِّ شيء، حتّى من خُوذةٍ!

إنَّ النَّصَّ يُوحي بأنَّ الحقيقةَ لا تحتاجُ إلى أدوات، بل إلى حضورٍ صافٍ. المسرحُ هنا ليسَ ساحةَ قِتالٍ فقط، بل قلبُ داودَ الذي تحوَّلَ إلى خَشبةٍ يَجري عليها صراعٌ بين الخوفِ والإيمان، بين المنظورِ والمَحجوب. وهنا تظهرُ فكرةٌ عميقةٌ قلّما تُطرَح: إنَّ المواجهةَ مع جُولْيات، ليستْ مجرَّدَ واقعةٍ تاريخيَّة، بل هي مُواجَهةُ الإنسانِ مع الكَذِبِ المُتعاظِم، مع الأصنامِ الحديثة، مع كلِّ ما يبدو أكبرَ منّا وأقوى. إنَّه نصٌّ يُحوِّلُ القارئَ إلى مُمثِّل، ويجعلهُ يَقِفُ يوميًّا بين اختيارِ مجدِ الإيمان أو سيفِ الخوف.

ثمَّةَ عنصرٌ آخرَ في النَّصِّ، هو “التَّكرارُ المسرحيّ”: أصواتُ الجُنود، صرخاتُ الجُنود، النِّداءاتُ المُتكرِّرة، كلُّها إيقاعاتٌ دراميَّة، تَبني التَّوتُّرَ، ليأتيَ حَجَرٌ صغيرٌ يَرسُمُ الصَّمتَ الكبير، الصَّمتَ الذي يَليهِ سُقوطُ الجَبَروت.

إنَّنا لا نَقرأُ قصَّةَ داودَ وجُولْيات، بل نَصعَدُ معها إلى خَشبةِ المسرحِ، مَسرحِ الوُجود، حيثُ كلُّ واحدٍ منّا مَدعوٌّ إلى أنْ يَختار: هل نَثِقُ بالحجارةِ الصَّغيرةِ التي يَضعُها اللهُ في أيدينا؟ أم نَرتَجِفُ أمامَ ضَخامةِ الدُّروعِ المُزيَّفة؟ هُنا تبدأُ الدِّراما الحقيقيَّة. وهُنا سنُضيءُ معًا على العناصرِ المسرحيَّةِ في هذا النَّصّ، لا بوصفِها أداةً دراسيَّةً جامدة، بل كنبضٍ حيٍّ يَخترقُ حياتَنا اليوميَّة، ويُحوِّلُ كُلَّ إنسانٍ إلى داود، وكلَّ تَحدٍّ إلى جُولْيات، يَنتظرُ أنْ يَسقُطَ أمامَ حَجَرِ الحقيقةِ الصَّغير.


[1]  Joseph and lus brothers: the dramatic structure by Gerhard von rad, SCM PRESS 1973

يناقش الكتاب التركيبة الدرامية في قصة يوسف مسلطًا الضوء على الصراعات الداخلية والخارجية التي يمرُّ بها يوسف واخوته يدرس كيفية تنظيم الاحداث وتصاعدها حتى الوصول الى الحل النهائي

الكتاب المقدّس سفر التكوين

[2] JOSEPH: A STORY of divine providence by Robert Alter. Ww. Norton and company 1995

في هذا الكتاب يقدم التر تحليلاً ادبيًا متعمقًا لشخصية يوسف ويبرز فيها كيف يتطور يوسف كشخصية من خلال مراحل متعددة من حياته بدءًا من علاقاته الاسرية المتوترة وصولاً الى موقعه في السلطة في مصر يركز الكتاب على الجوانب الأدبية والنفسية لشخصيته.

[3] الكتاب المقدس سفر التكوين

[4]  Joseph and his brothers: A study in te Dymamics of the Family By Warren w wiersbe Baker book house 1991

يناقش الكتاب الديناميكيات الاسرية في صلة يوسف وإخوته مع تركيز خاص على مشاعر الغيرة التي ادت الى الخيانة يسلط الكتاب الضوء على العوامل النفسية والعائلية التي اترث على الأحداث.

[5] The Jacob narrative: an ethical reading by Bruce Vawter wipf and stock publishers 2004

يقدم بروس فاتر اخلاقية لشخصية يعقوب مع التركيز على دوره في قصة يوسف وكيف اثرت اخلاقه وقراراته على العلامة الاسرية والمصير المشترك لأبنائه يتناول الكتاب علاقة يعقوب بيوسف وبقية ابنائه في سياق اخلاقي وروحي

[6]  The joseph story: A Father’s Grief and God providence, By Robert Alter ww. Norton and company 1995

يركز هذا الكتاب على شخصية يعقوب من خلال القصة مستعرضًا الألم العميق الذي شعر به يعقوب عند فقدان ابنه وكيف تمثل شخصيته نموذجًا للأب الذي يعاني من الألم ويبحث عن العدالة والرحمة.

[7]  Les Recits des patriarches Abraham; isac, Jacob et joseph par ANDRE WENIM, Bayard 2011

يركز الكتاب على القصص البطريركية في الكتاب المقدس بما في ذلك قصة يعقوب ويوسف مع تحليل للأبعاد الدرامية لشخصية يعقوب وتفاعله مع محنة فقدان ابنه يوسف

[8]  Les patriarches de la bible: “Joseph et ses frères “ Par Joseph romer, editions du cerf 2009

يتناول الكتاب قصة الآباء البطاركة مع التركيز على قصة يوسف واخوته وتحليل العلاقات العائلية المعقدة بينهم يقدم الكتاب تحليلاً للغيرة والحسد كعناصر رئيسية في تصرفات الإخوة.

[9] “قصص الانبياء ” ابن كثير دار الفكر 1998

يناقش ابن كثير شخصية راؤوبين في سياق قصة يوسف ويبرز دوره في محاولة انقاذ يوسف من مصير الموت الذي خطط له اخوته يوضح الكتاب البعد الأخلاقي والنفسي لشخصية رؤابين في محاولته ايجاد حل وسط بين حقد اخوته ورغبته في حماية يوسف.

[10]  GIUSEPPE E I SUOI FRATELLI”R UBEN E IL SUO RUOLO THOMAS MANN, Arnoldo Mondadori 1959

يناقش هذا العمل الأدبي الدور الدرامي لراؤبين في قصة يوسف حيث يظهر كشخصية متعاطفة مع يوسف لكنه غير قادر على مواجهة الإخوة بشكل مباشر لضعف في شخصيته

[11]  Judah and tamar ”the transformation of Judah in the joseph narrative” By Micheal Fishbame schoken books 1985

يقدم الكتاب تحليلاً معمقًا لشخصية يهوذا بدءًا من دوره المحرِّض في بيع يوسف وحتى قصته مع تامار ويناقش الكتاب كيفية تحول يهوذا من شخصية سلبية الى شخصية تتَّسم بالتضحية والمسؤولية

[12]  Benjamin dans la bible: Analyse de son role dans l’histoire de Joseph” thomads romer editions du cerf 2009

يتناول الكتاب الدور المهم الذي لعبه بنيامين في سياق القصّة مع التركيز على كيفية تعامل اخوته معه بعد سنوات طويلة من الحقد على يوسف واثر ذلك على تطور الأحداث

[13]  Giyseppe e la dipotifar: una storia di tentazione e redenzione” Anna maria piccione edizione paoline 2014

يناقش هذا الكتاب قصة يوسف مع فوطيفار مع التركيز على شخصية فوطيفار ودوره في الحفاظ على يوسف داخل بيته يركز الكتاب كيف كانت تصرفات فوطيفار محورية في تشكيل مستقبل يوسف

[14] Potiphar dans l’ancien testament: le role du maître et de l’esclave” Thomas romer editions du cerf 2009

يناقش الكتاب شخصية موطيفار من منظور اخلاقي ودرامي مسلطًا الضوؤ على كيف كان تعامله مع قضية يوسف في تحريك الأحداث ويقدم تحليلاً معمقًا للصراع الذي واجهه بين علاقته بيوسف وواجباته تجاه اسرته.

[15]“  Women in the Hebrew bible: potiphar’s wife” by Alice Bach Routledge 1999

يناقش الكتاب النساء في الكتاب المقدس بما في ذلك زوجة فوطيفار فيقدم تحليلاً معمقًا لشخصيتها مسلطًا الضوء على ابعاد القوة والجنس وا|لإغواء وكيف ساهمت في تطور الأحداث المتعلقة بيوسف.

[16]  “Joseph and his brothers: the cupbearer’s role in the narrative” by john h. Walton Zondervan 2001

يقدم الكتاب تحليلاً لشخصية رئيس السقاة ودوره في احداث القصة حيث يناقش كيف كان وجوده في السجن مع يوسف نقطة تحول مهمة في حياة يوسف يرتكز على التفاعل الذي تمّ بينهما واثره على القصة.

[17] “Il capo dei panettieri nella storia di giuseppe” Thomas mann Arnoldo Mondadori 1959

يقدم الكتاب تحليلاً لأهمية رئيس الخبازين في السرد الكتابي مركزًا على التفاعل بينه وبين يوسف في السجن وكيف ان تفسير يوسف لحلمه كان محوريًا في تطور الأحداث.

[18] الكتاب المقدس سفر التكوين

[19]  “ joseph et pharaon: le pouvoir et la redemption” Andre Wenin, Bayard 2010

يناقش الكتاب شخصية فرعون في قصة يوسف مركزًا على العلاقة بين القوة والإيمان في قرارات فرعون. يبرز الكتاب كيف كان فرعون عنصرًا محوريًا في تحقيق الرؤية الإلهية من خلال قبول تفسير يوسف لأحلامه.

[20]  Joseph et pharaon: pouvoir et drame dans la bible” par Andre wenim Bayard 2010

يناقش الكتاب الأبعاد الأدبية والدرامية لشخصية فرعون في قصة يوسف مع تحليل لكيفية تأثير سلطته على تطور القصة يرتكز الكتاب استخدام النص الديني لأدوار السلطة والصراع من اجل خلق تأثير درامي كبير يركز على تفاعل فرعون كعنصر حاسم في تحقيق الرؤية الإلهية واقاذ مصر.

[21] الكتاب المقدس سفر التكوين

[22]  “La peur et la tentation dans le récit biblique joseph et ses frères” Thomas Romer, Editions du cerf 2009

يقدم هذا الكتاب تحليلاً ادبيًا لمشاعر الخوف والتوتر في قصة يوسف ويناقش كيف كانت هذه المشاعر عناصر محورية في بناء الحبكة الدرامية والتفاعل بين الشخصيات.

[23]  موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي.  Free Coptic books

[24]  “Le theatre biblique : Joseph une histoire dramatique” Thomas Romer, Editions du cerf 2009

يتناول الكتاب العناصر الدرامية والمسرحية في النصوص الكتابية مع التركيز على الدراما في قصة يوسف، يناقش كيفية استخدام الصراعات بين الشخصيات والتوتر الداخلي والخارجي لتقديم القصة كعمل مسرحي

قصص الانبياء في الأدب العربي: دراسة في الفن والمضمون يناقش الكتاب كيف يمكن تحويل قصص الأنبياء بما في ذلك قصة يوسف الى اعمال مسرحية يتناول الأبعاد الدرامية في قصة متل الصراع الداخلي التوتر التضحية وكيف يمكن تجسيدها على المسرح.

[25]  Hamilton, victor p” the book of genesis chapter 18- 50, the new international commentary on the old testament erdmans 1995

[26]  Saihamer, john H. the expositor’s bible commentary genesis Zondervan 2009

 [27] ويكيبيديا Wikipedia تقدم الصفحة الخاصة بمسرحية Joseph and the amazing technicolor Dreamcoat فيها تفاصيل كاملة عن تاريخ المسرحية وتطورها، والإنتاجات المختلفة وردود الفعل النقدية والجماهيرية.

[28]  كتب المسرحية يوسف الصائغ، وحازت على جوائز في المهرجانات المسرحية في مهرجات قرطاج، وتناولت القصة من منظور درامي يعمكس الأبعاد الإنسانية والروحية لشخصية يوسف.

[29]  مؤسسة هنداوية تقدم معلومات شاملة عن تاريخ المسرحية وظروف نشرها.

Scroll to Top